النسخة النصية
بعد الفاصل
شارع الوراقين

المشهد الثقافي

جريدة الشعب

39 شارع الشهداء ـ

الجزائر ـ 16000

الكلمة... بقلم محمد كاديك

عن  الثقافي  الفاعل

عرفت ميزانية الثقافة المخصصة للعام المقبل ارتفاعا مذهلا لم تشهده من قبل، وهذا يعني تلقائيا بأن تجربة عاصمة الثقافة العربية برهنت بأن الفعل الثقافي له مكانته الإستراتيجية في واقع الأمة، وأن الفعل الثقافي يمكنه أن يكون مساهما واقعيا في الحياة العامة..
ولقد توسّمنا ـ منذ بداية التظاهرة ـ أن الفرصة مواتية لتأصيل الحركية الثقافية، وهو ما تحقّق من خلال النشاطات اليومية عبر المعارض والمسارح ودور السينما، أو في ساحات دور النشر التي ازدهرت وأنتجت مكتبة قد يكون عدد كتبها أكبر من عدد كل الكتب التي طبعت خلال العشريتين الماضيتين.. حتى حركة الترجمة نشطت بطريقة مذهلة إلى درجة أن دار نشر واحدة ترجمت هذا العام أكثر من مائتي كتاب..
وليس من باب الغرور والخيلاء في شيء إذا قلنا إن مفهوم  عاصمة الثقافة  أخذ أبعاده كاملة في الطبعة الجزائرية، بل إن المفهوم نفسه لم يجد تعريفا واضحا إلا بالجزائر، ويكفي أن التظاهرة تخلصت من ضيق  العاصمة السياسية  كما كانت الحال في الطبعات السابقة، ليصبح القطر الجزائري بكل ولاياته عاصمة مشرقة للثقافة..
لقد تمكنت الجزائر من وضع العمل الثقافي في السياق العام لحياة الأمة، وأسست للفعل الثقافي كي يكون رافدا هاما من روافد الاقتصاد، ومساهما فاعلا في دواليب التنمية، فالمثقف لم يعد ذلك المتواكل الكسول، ولا ذلك الهائم بعيدا فوق أبراج العاج، ولا ذلك الذي يعيش عالة على الأمة، ولا ذلك الذي يظل عاكفا على سؤال  الخزينة  مهينا.. أعطته أومنعته.. ليس هذا  المثقف  بعد اليوم.. إنما المثقف هو ذلك المنتج العبقري الذي يعرف كيف يكون في عون أمته، ويعرف كيف يجعل حياتها مغدقة في الهناء..
إن فكرة السوق العربية الثقافية المشتركة التي دعا إليها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تمثل في سياقها العام، الفضاء الواسع للعمل الثقافي كي يكون منتجا نافعا، ينال بنفعه كل الأوطان العربية، لذلك ينبغي العمل في هذا الإطار لأجل تحقيق الفكرة في أرض الواقع..
إن التصوّر الذي وضعه الرئيس بوتفليقة أوّل مرة لـ عاصمة الثقافة  بني على ثلاث ثنائيات تصبّ كلها في جهود التأسيس لمشهد ثقافي عربي متكامل، يكون أرضية ممهدة للنهضة المأمولة عبر الأقطار العربية.. نهضة ترتقي بالأمة في معاريج الحضارة العالمية، وتجعل لها كيانا ومعنى في عالم لا يرحم الضعفاء، وليس من واجبه أن يرحمهم..
حينما نسمع بأن اتحاد كتاب هوليود يهدد المنتجين بإضراب عام، فيسارعون إلى تخزين مخطوطات القصص.. وحينما نعلم بأن أقصر إضراب لكتاب هوليود يكلف خزائن المنتجين أكثر من خمسمائة مليون دولار خسائر، ندرك أن الكاتب المثقف موجود بالفعل، وليس مجرد ديكور في أمسية يجتمع بها بعض الناس لتبادل المجاملات.. وندرك بأن الكتبة العرب في كل منظماتهم و فوضوياتهم ، لم يبلغوا أصغر قلامة من الفعل الثقافي، في غمرة تهالكهم على المنافع الصغيرة..
إن كتبة هوليود خير لأمريكا من كل حقول النفط في العالم، فهؤلاء استطاعوا أن يجعلوا من اللباس الأمريكي موضة، والأكل الأمريكي متعة، والقوة الأمريكية واقعا حيّا.. بل واستطاعوا أن يصوّروا نهب أمريكا للنفط من كل حقول العالم.. حلالا  زلالا..
.. ولقد جاءت البشرى.. خاتمة عاصمة الثقافة لن تكون خاتمة العمل الثقافي، وسيكون لنا في العام المقبل إن شاء الله مشروع ألف كتاب وكتاب جديد، ويواصل المسرح نشاطه المتألق، كما تواصل السينما مشاريعها، فالساحة الثقافية ألفت النشاط، وسيكون من الصعب عليها أن تعود إلى الركود..
بقي القول إن العمل ينبغي أن يتواصل بوتيرة أكبر، وينال مساحات أوسع حتى تسير الثقافة بين الناس في الشوارع، وتصبح حديث العامة في ملتقياتهم.. لأن العالم يسير كل يوم نحو الحضارة، ولا ينتبه في مسيرته للغافلين..