النسخة النصية
بعد الفاصل
شارع الوراقين

المشهد الثقافي

جريدة الشعب

39 شارع الشهداء ـ

الجزائر ـ 16000

نصف الصراحةــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبقلم أبو أفلح

بين سامي يوسف
ويوسف حسن

عند الخباز.. كما هي العادة كل يوم.. طابور متوسط الطول يصطف فيه جمع من الناس، وصاحب المخبز لا يلوي على شيء يتحرك بنشاط كبير.. يلبي طلب هذا، ويردّ على سؤال ذاك، وقد يقلق من الآخر ـ وهو حقه ـ فالخباز عندنا يعمل في خاصة ملكه، وهو ليس في خدمة الناس كما هي الحال في بلاد الناس.. المهم.. كان الفرح يعلق لافتة على جبهة صاحبنا الخباز، فقد اكتشف نوعا جديدا من الخبز، وراح يروّج له بين الزبائن بطريقة غاية في اللباقة، وإن كان كلامه موزونا على رنّات الترفّع والخيلاء، لأن صاحبنا جاء بما يضمن رواج السلعة دون حاجة لاستعطاف الزبائن..
وجاء دورنا لننال حظنا من الخبز، وإذا بالخباز يلقي بالخبر المثير وعلى شفتيه بسمة انتصار: "اليوم.. لدينا خبز جديد.. تفضل.. الخبز الأفغاني"..
ولم نكن لنقع في أحابيل صاحبنا الخباز، ثم إن خبزه الذي أطلق لأجله خيلاءه كان يبدو أشعث أغبر من السواد، وحبات الزيتون التي انغرست به لم تكن تليق أبدا على تضاريس الخبزة..
ولا ينبغي أن نغمط الخباز حقّه، فهو صاحب نصيب لا بأس به من الذكاء، بدليل أنه يعرف كيف يستثمر أحداث السياسة العالمية في تجارته، تماما مثلما يعرف منادجير "سامي يوسف" كيف يجعل الناس يهيمون في حبّ منشد لا يجد ما يردد من الأناشيد باللغة العربية غير رصف أسماء الله الحسنى، وقراءة بعض الأوراد على ألحان خفيفة، ومع ذلك يحقق من الرواج ما لا يحلم به يوسف حسن، رغم أن يوسف أحسن صوتا، وأرقّ كلاما وأجمل أداءً وأبهى منظرا.. طبعا.. لأن يوسف جزائري، وسامي كزاخستاني، ولقد درجنا في الجزائر على الإحساس بالنقص أمام كل ما هو "استاني"، حتى في خبز يومنا.. صار الخبز الأفغانستاني يباع أغلى من خبز المطلوع..
وكنا نعرف بأن ذكاء الخباز لن يسعفه هذه المرة، ومع ذلك أجبناه بهدوء.. "هل تعتقد فعلا بأن أولئك الذين يعيشون في الغبّار، يعرفون الخبز أحسن منّا؟"..
ولم يردّ الخباز، وإنما سارع إلى زبون آخر يستدرجه إلى "خبز الغبار".. ومن يدري.. لعله صنفنا مع المارقين في نصف آخر من الصراحة..