النسخة النصية
بعد الفاصل
شارع الوراقين

المشهد الثقافي

جريدة الشعب

39 شارع الشهداء ـ

الجزائر ـ 16000

من مكتبة عاصمة الثقافة العربية..

طيبي "فوق المعنى"قمازو "عاشق وقت"..

 من ضمن الكتب الصادرة في مشروع الألف كتاب وكتاب، في إطار عاصمة الثقافة العربية، مجموعة من إصدار منشورات آرتيستيك، تتميز بكونها أدبية جمعت بين القصة والشعر، وقد اخترنا من بين هذه الإصدارات مجموعتين شعريتين لكل من النواري قماز ومحمد طيبي..

 قراءة  أسامة إفراح

يتعلق الأمر بـ"فوق المعنى" لمحمد طيبي و"عاشقات الوقت لنواري قماز.. وهما إصدارات ضمن مجموعة من عشرين عنوانا، نذكر منها "إلى من ليست شقراء ولكنها تحاول" لإنعام بيوض، "معارج" للزبير دردوخ، "نهر الغوايات" لعبد الكريم قذيفة، "الأنهار الأخرى" للأخضر فلوس، "لا شعر بعدك" لسليمان جوادي، إضافة إلى "الكاتبة بالذات" لجمال بلعربي..

 عاشقات الوقت.. قد يتراءى للمرء من خلال هذا العنوان أن الشاعر نواري قماز يعشق الوقت ويعنى بمن يعشقه، ولكن المبحر في قصائده والمتصفح لأبياته يجد أنه يتألم من الوقت أكثر ممّا يعشقه.. وبالفعل يبدو حضور الوقت حضورا دائما في أعمال نواري، ويبدو أن ربط الأحداث بزمانها يحتل من الأهمية الشيء الكبير عنده.

 ولكن نواري قماز يولي أهمية ـ أكبر ربما ـ للمكان، وبالأخص الوطن، حيث نجد الشاعر يتألم في أكثر من مناسبة، مرة من الوطن ومرة من أجل الوطن، حيث يبدو ألمه في الحالة الأولى من إحساس بالغربة على شاكلة القول المشهور "لا أحد نبي بين قومه"، ويبدو ألمه في الثانية بالأخص جراء ما عاشته البلاد من أحداث، طفت إلى السطح في قصائد كثيرة، خاصة تلك التي نظمت في الحين ذاته بالموازاة مع وقوع الأحداث.. وللصحراء حضورها الدائم أيضا في أشعار نواري، الذي يبدو شديد التأثر ببيئته الصحراوية التي يصرح في أحيان بتفضيله إياها على غيرها من الأجواء.. ولعل هذا يظهر جليا من عنوان قصيدة "تداعيات نافر من الشمال"، أو من خلال قصيدته "زوبعة في حنين" التي يقول فيها مثل الزوارق محمولا على غضبي

مهاجرا والرياح السمر تلعب بي وصفة "السمر" نجدها تتكرر في أشعار كثيرة عند نواري الذي يضيف":لكن أتيت أزيز الوجد يرسلني، كغيمة نحو صحراء بلا عشب" وهو هنا حتى وإن لم يصرّح بتفضيل الصحراء وبهيامه بها، إلا أنه يصرّ على أن تحضر في شعره، وهو خيار يبدو لا إراديا إلى درجة كبيرة..

 "عاشقات الوقت" يحمل بين طياته أكثر من ثلاثين قصيدة، منها ما كتب مطلع التسعينيات، تتأرجح بين الشعر العمودي وما يشبه الشعر الحرّ، وإن كانت أشعار نواري العمودية أجود وأبلغ.. يتوجع شاعرنا من الأحاسيس المكذوبة، ويعاني قبالة النفاق والشقاق ومفاسد الأخلاق، حتى أنه يستذكر بحنين وشوق حب الطفولة وطفولة الحب، في قصيدة مطلعها  نادت بنغمة صوتها الطرب

 صوتا يضرم نشوة اللهب نغمات شدوك رهن ذاكرتي

 أبقى من التاريخ في الكتب تجتاحني رؤياك داهمة

 أستلهم الرؤيا بوجد نبي إلى أن يقول

 ما أجمل الدنيا لو ارتسمت  آياتها في وشوشات صبي..

 فوق المعنى.. هو ليس عنوان الإصدار الذي جمع أشعار محمد طيبي فحسب، وإنما هو بالفعل الهاجس الذي يؤرق هذا الشاعر، بحيث يظن أن للكلمات معان هي من العمق والتعقيد بحيث لا يمكن أن تعطى حقها كما وجب، وبأن الشعر هو من القدسية والكمال بحيث لا يمكن أن نجزم ببلوغنا إيّاه، وهو على الأقل ما نفهمه من مقدمة محمد طيبي الذي يصف أشعاره بـ"النصوص المتفاوتة" ويتبع ذلك باعتذاره من الشعر، لأنه ربما لم يوفه حقه..هو مفهوم رومانسي وحالم كما يبدو، يتماشى مع أفكار الشاعر التي يحاول التعبير عنها، أفكار حالمة ترفض الواقع وتتطلع إلى معان جديدة للكلمات.. ولكنها كلمات ذات معان أصلا، ولسنا نفهم لماذا يبحث لها محمد طيبي عن معان جديدة؟

 "فوق المعنى" هو أيضا عنوان أحد النصوص التي قاربت الثلاثين، موزعة على أكثر من مائة وعشر صفحات، حاول فيها أن يعطي لبحور الخليل حقها، دون أن ينسى ما يميل إليه الشعر المعاصر من أشكال مستحدثة.. وكما زميله نواري قماز، نلمس لدى طيبي ـ ابن مدينة بوسعادة ـ ذلك الاستلهام من الصحراء الهادئة الهائجة، ونجد عنده نوعا من الحنين غير المبرر، فقد يكون من غير المبرر أن يشتاق المرء إلى الصحراء وهو يعيش فيها. وكما كل جزائري محبّ لوطنه، يألم طيبي لما أصاب الوطن من أهوال، وهو أمر نتوقع أن تلتقي به عند أكثر من كاتب وشاعر ورجل مسرح أو سينما، وفي قصيدته "الوقف على وجع المدينة" نجده يقول

لا تفتحي نفقا للجرح في جسدي ولتركبي سفني دمعا على رمدي

 فالحزن يسجنني واحتلني مدنا والآه ما احتملت أثقاله بلدي

ضيعت يا وطنا ألقاه في وطني كم ذا أودعه أنوي إلى الأبد..

حنين إلى القافية.. ما يمكن أن نحسبه لكل من نواري قماز ومحمد طيبي لغتهما الجميلة ومفرداتهما التي من الصعب أن تنضب، فهما كما يبدو قارئان نهمان لكل ما هو أدب عربي شعرا ونثرا.. وما يمكن أن يحسب لهما كذلك ميلهما الكبير للشعر العمودي، وهما يتقنان نظمه أيما إتقان.. ولكن ما لم نفهمه محاولتهما الجمع بين ما هو كلاسيكي ومستحدث من الشعر، بطريقة تظهر من القطيعة بين الشكلين أكثر ممّا تظهر التواصل والتقارب، حيث نجد الشاعر منهما يفتتح النص بما يشبه الشعر الحرّ، ليجد نفسه ينظم قصيدة عمودية بأكملها، ببحرها وقافيتها، ليعود ويختتم على شاكلة الافتتاح.. الشاعران يحاولان الكتابة في جميع الأشكال وهذا حق، ولكن قد يكون للأذواق أقوال أخرى..

باكرا على الأرض، مجموعة شعريّة جديدة ليوسف رزوقة

عندما يرقص الشّاعر مع الزّرافة

مجموعة رزوقةأصدر الشاعر التونسي يوسف رزوقة مجموعة شعرية جديدة وسمها بعنوان "باكرا على الأرض.. مدائح إلى هوراس، أوبرا إفريقيا"، عن دار إيماجين بتونس، في 130 صفحة، تتصدّرها مقدّمة للنّاقدة الفرنسّية أود ريشو ديانو بعنوان "شعر يوسف رزوقة  قصر الكلمات" تقصّت فيها تقنية الشاعر في هذه المجموعة بوصفه لاعبا بالكلمات دون أن تغفل تقنيته الأساس في تحقيق مبتغاه الفنّيّ عبر اعتماد العقدة في شتّى أبعادها.

تونس: خاص المشهد الثقافي

أشارت ديانو في تقدمتها للمجموعة إلى مدى نزوع رزوقة إلى الكتابة المبتهجة، حيث أن الأنا الشاعرة وهي تكتب، تمارس اليوغا وترقص على إيقاع الحياة الكثيرة، متأرجحة بين الظل والغبطة ومن ثمّة ـ ترى ديانو ـ أن الأنا الشعرية لا يمكن استقراؤها إلا عبر لعبة الكاميرا ومختلف زوايا النظر لالتقاط الصور.

مرحبا في قصر الكلمات
هي لعبة المرايا المتعاكسة بين شرق وغرب، لدى شاعر يكتب بأكثر من لسان ويسعده أن يغيّر العالم بالكلمات، تقول ديانو، ثم تضيف بأن زروقة وعد ببهجة ما وراء الدموع، ودفق حياة عابر للألم، ومن ثمّ فإنّ الشعر لديه نشاط يوميّ مقدّس، ورياضة تخوّل للأنا الشاعرة أن تمتلئ بذاتها "سكرى بشيء من الاخضرار"، ولن يتسنّى الخلاص من كمّاشة العصر الضّاغطة إلاّ عبر ما وصفته الناقدة بـ"اليوغا الشعرية" الّتي يمارسها الشّاعر بالكلمات .
وختمت ديانو تقديمها للكتاب بدعوة القرّاء إلى زيارة "قصر الكلمات" قائلة"  بوسع أيّ يتيم في هذه الخارطة.. أيّ شاعر مبدع أو أيّ فيلسوف، أصدقاء يوسف رزوقة، إنسانيّ القرن الحادي والعشرين، دخول هذا القصر، فلندخله نحن أيضا، ولندخل مجاميعه الشّعريّة كي نتذوّق عبرها نظام الأبجديّة الجديد لديه، ونرقص على إيقاع قصائده أين تتشظّى الكلمات لتمتلك ألقا جديدا."

هكذا تحدّث غوته
ينطوي هذا الكتاب على جزءين اثنين، يحمل الأول عنوان "هكذا تحدّث حكيم وايمار"، غوته، شاعر ألمانيا الأشهر وصاحب "الديوان الغربي والشرقيّ"، في حين جاء الجزء الثاني تحت عنوان "الرقص مع الزرافة."
في مستوى العنونة، استعمل الشاعر في الخانة الأولى التقنيات السينمائية مثل لقطة مكبّرة، ترافيلينغ )تحريك الكاميرا(، فلاش باك، زوم أمام، التقاط صورة من فوق إلى تحت، إلخ...
وفي مستوى الطرح التيميّ، استدعى الشاعر رموز الإبداع العالمي، بدء بغوته، وانتهاء بنيكوس كازانتزاكي ومرورا بهوراس، فرجيل، أوفيد، نيتشة، إيكيلوف، اينشتاين، سقراط، هابرماس، أرسطو، ماكلوهان، ابن خلدون، أرخميدس، حنبعل، شكسبير، روسو وآخرين... ومعهم كان له تواشج وحوار حول واقع الكرة الأرضية بين أمسها وراهنها.
في الخانة الثانية، أورد الشاعر قصائد "الهايتو" )الهايكو على الطريقة التونسية( ، إلى جانب تداعياته الشعرية ذات الصّلة بالواقع ومتغيّراته.
يقول في "الرقص مع الزرافة"..
بين قلم الحبر وبهجة الأسلوب 
ليس ثمّة شيء، تقريبا
عدا حبر سريّ
لطفل مجنون بكلّ شيء
و باللاّ شيء.
ويقول أيضا، في الصفحة ذاتها 
ابتسامة تخفي شجرة
إنها تمطر تحت جلدي
فستان يكشف عن ظهر ما
فيخجل العصفور
سبق  لرزوقة أن أصدر بالفرنسيّة، إلى جانب دواوينه العديدة بالعربية، أربع مجموعات شعرية هي  ابن العنكبوت، حديقة فرنسا، يوطاليا )بالاشتراك مع الفرنسية هيرا فوكس(، و)ألف قصيدة وقصيدة  مع نفس الشاعرة.(