نصف شهرية ثقافية شاملة تصدر عن جريدة الشعب
المدير العام: عز الدين بوكردوس
رئيس التحرير: محمد كاديك
شاعر يعشق الكلمة الأصيلة..
ينتصر للحرية ولا يعادي قصيدة النثر..
هذه المساحة خالية من السكينة والطمأنينة، وليس بها من الرحمة شيء.. لنقل إنها نافذة تطلّ على الجحيم، وينال لفحها كل من تسوّل له نفسه المرور قربها..مشاكسات.. صريحة في أسئلتها، جريئة في طرحها.. مجنونة فوق العادة، وقد تكون طاغية ومستبدة وظالمة، تنبش في اللامعقول، وتمزج العقل العاقل بالجنون الهازل.. في هذا العدد تشرفنا بلقاء الأستاذ الشاعر حسن بن رمضان.. كان شجاعا، واستقبل مشاكساتنا بصدر رحب..
التقاه: محمد كاديك
مرحبا عمي حسن.. كيف حال الشعر معك؟
(تنهد تنهيدة طويلة).. حال الشعر معي على حالات.. مرة يشبه المخاض العسير الذي يرهق الفكر والجسد والتيه في فضاءات بعيدة مع الرجوع أحيانا إلى الواقع بحثا عن كلمة أو عبارة تكون رابطة بين ذاك التيه والواقع، ومرة نزهة في حدائق ذات بهجة وخمائل تغمرني بكل أنواع العطور، ومرّة درب بعيد لا متناه في صحراء قاحلة لا يُعرف مداها، تجعل الانسان يرتمي دون أن يبلغ هدفه.. ومرّة اعتصار قد يجدي وقد لا يجدي..
الشعر اليوم صار مذاهب وأشكال وألوان، ونعرف أنك تجمع بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة.. هل يعني هذا أنك ضد ما يسمى "قصيدة النثـر"؟
القصيدة العمودية هي القصيدة العربية الحقة التي وجب على كل شاعر أن يحسن أوزانها وتفعيلاتها وكل ما يتصل بها، إلا أنني لا أراها تلائم الشاعر الثائر الذي يريد أن ينطلق بلا حدود وبلا حواجز قد تكون في القصيدة العمودية، ومعدومة في قصيدة التفعيلة، وأرى بأن القصيدة العمودية لا يستطيعها من الشعراء غير المتمكنين من اللغة وأساليب كتابة القصيدة العمودية.. أرى نفسي إذا ثرت أبتعد عن المنغصات والعثرات التي ربما تعرقل انطلاقي في القصيدة العمودية، فأكتب شعر التفعيلة.. فالقصيدة العمودية ميزان وتنظيم واتباع لمنهج قد لا يتيسّر ـ كما أسلفت ـ لكل الشعراء، فهي أحيانا تنظم في مواضيع لا تلائم قصيدة التفعيلة، وربما تكون قصيدة التفعيلة أصدق وأحسن في مواضيع أخرى من القصيدة العمودية..
)مقاطعة..(لكنك لم تخبرني عن موقفك من قصيدة النثـر بعد..
القصيدة النثرية التي لا تخضع للأوزان أو التفعيلة لا أحبذها.. وهذا رأيي.. وإن كانت فنا من فنون الكتابة، فالله تعالى يقول:"إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر".. ويقـــــــول ? " الشمس والقمر بحسبان".. ونحن في كلامنا الدارج نقول لبعض الذين يثرثرون "اوزن كلامك"، وسأقول لك بأن للناس فيما يعشقون مذاهب..
المعارك المحتدمة بين أنصار القصيدة العمودية وأنصار القصيدة النثرية أهملت جانبا هاما في الموضوع، وهو أن "القصيدة" برمّتها لم تعد تمثل غير بضاعة كساد..
الشعر في الزمن القديم كان يسمى "ديوان العرب"، يُرجع إليه في معرفة أساليب اللغة والكلمات القرآنية واللغة العربية عموما، أما في زمننا الحاضر، فهو ترفٌ مهجور لا يُسمع منه إلا ما كان عاريا متبذّلا لا يمتّ إلى الشعر بصلة.. كلام ككل الكلام دون وزن ولا هدف ولا منفعة تُقضى من ورائه وخاصة في الأشعار الغنائية.. هذه التي لم يعد يهمها غير الإيقاعات التي ترقصنا وتنفث فينا هيستيريا الجنون..
تتذكر مقابلة الجزائر ـ ألمانيا سنة 1982؟
أتذكرها كخيال لا أتبيّنه كثيرا، فأنا لست من عشاق كرة القدم، إلا أن انتصار الفريق الجزائري على الفريق الألماني، يثير فيّ النخوة الجزائرية التي تحركت وردّت على الإهانات التي وجهت إلى الجزائريين قبل المباراة، فكان انتصار الجزائر إعادة اعتبار قوية للكرامة الجزائرية على الساحة الدولية، وبرهن الجزائريون بأنهم قادرون على التحدي..
إذن لا تتذكر مسجل الهدف الثاني..
لا.. أبدا..
هل يستحق لخضر بلومي قصيدة مدح؟
.. كل عناصر الفريق.. بلومي كان من عناصر الفريق.. آه.. هو مسجل الهدف إذن.. سأقول لك بأن كل عناصر الفريق الوطني يستحقون أكثر من قصيدة مدح..
لو طالبتك بمطلع لقصيدة في مدح فريق الأمجاد الجزائري ماذا تقول؟
)فكر هنيهة.. ثم قال مرتجلا(
برزوا إلى الميدان نحو جهاد
نشروا بساحته شذى الأمجاد
لو أن الشعراء والأدباء أقاموا فيما بينهم مباراة كروية.. هل تظن بأن الجماهير التي تقاطع أمسياتهم، يمكن أن تقبل على مباراتهم؟
لا أظن بأنهم سيقاطعون، وإنما سيحضرون لمشاهدة الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب، ولربما قالوا إن هذا الفريق في ميدان الشعر أصلح منه في ميدان اللعب، وإن كان كلا الميدانين مسرح للعب.. هذا بفكره، وهذا بقدمه.. وشتان بين اللعبين..
لا تقل لي الآن أنك في أول الصبا لم تلعب كرة القدم بكيس الحليب..
الصغر والصبا يصنع المعجزات، وإن كانت على قدر الصبية، فقد لعبنا بأكياس النيلون، والجلود بعد حشوها بالأوراق، وهكذا بدأ كل اللاعبين على حسب ما أظن..
تعوّد الشعراء على التيه في جمال القمر، وروعة الشفق، ودرجوا على الذوبان فوق خدّ وردة، والسباحة في ندى فلّة.. ألا ترى معي بأن هذا الملعب ينبغي له أن يكون خاليا من المناصرين، لأن المباراة المثيرة تدور حاليا في سوق البطاطا مثلا؟
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
الإنسان ابن بيئته.. وعلى الشاعر أن يمس الوتر الحسّاس في مجتمعه حتى يستطيع أن يهزّ مشاعرهم بالكيفية التي يستطيع أن يتوصل بها إلى ذلك.. وجب عليه أن يعيش همومهم ويعرف أهدافهم ويكون واحدا من المجتمع شاعرا بما يشعرون، عالما بما يريدون، معطيا ما يتقبلون.. ولعل الشاعر الذي لا يعيش واقعه يتناقض في كلامه، فكيف يمكن له أن يرى جمال الطبيعة مثلا، وهو لا يعرف كيف يشتري كيلو بطاطا.. أعتقد أن الواقع يسبق الخيال..
يقولون إن طبيب الأسنان يفتك رزقه من أفواه الناس، فمن أين يفتك الشاعر قصائده؟
الشاعر كما قلت ابن بيئته، فالشاعر والكاتب والمسرحي والسينمائي إنما هم مؤرخون لعصرهم، مبينين أحوال العهد الذي يعيشونه، نستطيع أن نعرف أحوال أي عصر بقراءة ودراسة أشعار وكتابات شعرائه وكتابه من خلال اشعارهم وكتاباتهم، فهي سجل حافل بالأحداث التي وقعت في عصورهم، فهؤلاء جلّ كتاباتهم إنما هي من معاناة معاصريهم فهم ينظرون ويحسون ويسمعون بحواس أهل عصرهم لأنهم عاشوا تلك الفترة بأفراحها وأتراحها..
لعلك لا تنكر بأن الشعراء "يزيدون عليها" بعض الشيء، ويعتبرون أنفسهم أهمّ من الناس عبر العصور..
هم اللسان الناطق ويستطيعون إظهار أحاسيس الناس ورغباتهم ومعاناتهم والوقائع التي عاشوها، فيرون أنهم فوق هؤلاء الناس لأنهم أثروا وخلّدوا تلك المآثر أو تلك الافراح أو الأتراح والأحاسيس التي لم يستطع هؤلاء الأقوام أن يبرزوها كما يبرزها الشاعر..
لم افهم.. هل الشاعر في خدمة الناس، أم الناس الذين ينبغي أن يكونوا في خدمة الشاعر.. لأن الشعر بلا مستمعين أو قراء لا يساوي شيئا..أما الناس، فيستطيعون أو يكونوا في الوجود دون شاعر..
إذن.. من هذا.. وجب أن يكون الشاعر في خدمة الناس، لأن كلامه أو شعره أو ما كتب في عصره تاريخ لا يستطيعه كل الناس..
ولكن.. قد يخطئ الشاعر.. مثلا.. ابراهيم ناجي في أطلاله يندّد بوضعه التعيس قائلا: يا حبيبي كل شيء بقضاء.. ما بايدينا خلقنا تعساء..لماذا لم يقل ناجي.. ما بأيدينا خلقنا سعداء؟ ألم يكن يستطيع أن يرى أن الانسان السعيد مثل التعيس لا يملك خيار في خلقته؟
لعل ناجي لم يقرأ ما قال إيليا ابو ماضي
كن جميلا ترى الوجود جميلا..
يلومون عليك وعلى الطاهري أن الرابطة التي أسستماها أطلقتما عليها اسم "فينيس".. وهو رمز لا علاقة له بمنهجكما الشعري..
المرحلة التي خضناها في مجال الشعر عندما أطلق جمال الطاهري اسم "فينيس" على الرابطة، كانت مرحلة الصبا والشباب الذي يتغنى بالجمال والحبّ والخيال المجنّح، فبقي الاسم وتغيّر المنهاج تبعا للنضج وخوض المستجدات وغير ذلك، وإن كان هذا الاسم الذي يدل على الجمال والحسن وكل ما هو مقبول ومراد، لم نحد عنه في كتاباتنا اللاحقة..
طيب.. لو أقبلت على تأسيس رابطة جديدة.. هل تقبل أن تطلق عليها اسم "لالة خداوج" مثلا، فهي رمز جزائري وأقرب إلينا من "فينيس"؟
خداوج.. كما قلت.. اسم نابع من تراثنا ومن ديننا فهو مشتق من اسم خديجة، وأظن أنني لو أردت تكوين رابطة لكان اسم "خداوج" أصلح وافضل وأهدى من "فينيس"..
لنفرض أنك كنت ضمن الشعراء الذين يرتادون بلاط كافور الإخشيدي.. هل كنت ستهجوه كما فعل المتنبي؟
المتنبي علم من أعلام الشعر العربي، وهو جهبذ من جهابذة الكلمة، إلا أن فيه صفات وأخلاقيات ربما أرفضها وأستعيض عنها بأخلاق أخرى ربما توصلني إلى هجاء كافور الإخشيدي إن لم يكن رجلا مناسبا في المكان المناسب، دون أن ننسى أن كافورا هذا كان سببا في بعض روائع المتنبي..
لكن ينبغي أن نقول بأن التاريخ لم يشهد لكافور بأيّ فتح سياسي أو عسكري، ولم يحفظ اسمه إلا بفضل ذلك الكلام القبيح الذي قاله فيه المتنبي، وعلى هذا يبدو المتنبي قد قدم خدمة جليلة لكافور بهجائه..
..ولكنني أختلف عن المتنبي، فهو له عصره وظروفه، ولي عصري وظروفي..
تشتغل حاليا على اللغة، حدثنا قليلا عن مبحثك..
بدأت العمل منذ ثلاث سنوات على بحث حول "الحرف باللغة العربية" وأسميته "الحرف.. مبنى ومعنى وفنا".. تطرقت فيه إلى تكوين الحرف العربي بمبناه ومعناه وفنّه في جميع المجلات التي يستعمل فيها هذا الحرف، وتطرقت إلى موقعه في الكلام وفي جميع العلوم والاستعمالات، وهو بحث طويل مدعّم بالصور، ومازلت إلى يومنا هذا أواصل البحث مع قلة المراجع، وسيكون إن شاء الله موسوعة كبيرة في الحرف العربي.
نأتي إلى سؤالنا الكلاسيكي..
نفرض أنك أفقت ذات صباح جميل، فشغّلت التلفزيون، فإذا بمذيع النشرة يعلن اسمك فائزا بمسابقة لم تشارك فيها ولم تسمع عنها.. هل..
ـ تضرب النحّ وتأخذ الجائزة؟
ـ تندّد وتستنكر وتردّ بقوة؟
ـ تأخذ الأمر كأن لم يكن وتعتقد أن الخبر مجرد سمكة أفريل؟
في هذه الحالة، ستنتابني بعض التساؤلات.. لعلي أرى أن هذا الإعلان قد جاء خطأ ويجب تصحيحه، فأنظر إلى الأمر على أنه دعابة يراد بها استفزازي أو جسّ نبضي، ولعلي أرى بأن كاديك محمد يريد شيئا لا أعرفه، لذلك أعطى اسمي لأصحاب الإعلان.. في الحالة الأولى، وجب عليّ أن ابحث عن أسباب إدارج اسمي في قائمة الناجحين في مسابقة لم أشارك بها، فقد يكون هناك من شارك وله اسم يواطئ اسمي، ولقب يواطئ لقبي، فأكون بذلك قد نلت جائزة لا أستحقها، واعتديت على ممتلكات الغير.. أما في الحالة الثانية، فلا القي لها بالا لأن كاديك مشاكس، وأعلم أنه يريد الدعابة لا أكثر