لا يختزل اليوم الأول من رمضان في كونه بداية شهر الصيام فحسب، بل يعد لحظة رمزية تستعيد فيها العائلات القسنطينية ذاكرتها الجماعية، وتعيد ترتيب علاقتها بالتقاليد عبر مائدة تحمل أكثر من معنى، فالأطباق التي تحضر في هذا اليوم لا تختار اعتباطا، بل تخضع لمنطق ثقافي متوارث، يجعل من الطعام لغة اجتماعية تعبر عن التفاؤل والبركة ولم الشمل.
تحضّر شربة فريك في صدارة المائدة، ليس فقط باعتبارها طبقا أساسيا، بل لرمزيتها المرتبطة بالدفء والاحتواء، فالفريك المصنوع من القمح يحيل إلى معنى الخصوبة والخير، فيما يمنح الحساء الساخن إحساساً بالطمأنينة بعد يوم من الصيام، ففي التقليد الشعبي، ينظر إلى افتتاح رمضان بطبق تقليدي متجذر كإشارة إلى الثبات على الأصل، وكأن العائلة تعلن من خلاله تمسكها بهويتها في وجه تغيرات الزمن.
شباح الصفرة..استحضار «حلاوة» الشّهر
أما طبق شباح الصفرة، بطابعه الحلو المائل إلى المالح، فيحمل بعداً رمزياً أعمق من مكوناته، فاختياره في اليوم الأول يرتبط بفكرة التفاؤل بأن يكون الشهر «حلوا» في أيامه، هادئا في مساره، ومليئا بالخيرات، لونه الذهبي الذي يميزه لا يخلو من دلالة احتفالية، إذ يشبه في حضوره إعلانا غير مكتوب عن استقبال ضيف كريم بما يليق به من عناية وبهجة.
البوراك..تقاسم اللّقمة الأولى
يحمل البوراك بدوره رمزية اجتماعية، إذ يعد غالبا أول طبق يتداول بين أفراد الأسرة لحظة الإفطار بعد التمر والماء، وفي كثير من البيوت القسنطينية تتعاون الأمهات والبنات في لفه قبيل المغرب، فيتحول تحضيره إلى مساحة لتبادل الحديث واسترجاع ذكريات رمضانات سابقة، ما يمنحه بعدا عاطفيا يتجاوز كونه مجرد طبق جانبي.
الصامصة وبوراك الرنة..استمرارية الحرفة والذوق
الحلويات التقليدية وعلى رأسها الصامصة وبوراك الرنة، تمثل امتدادا لحرفية المطبخ القسنطيني ودقته، فإعدادها يتطلب وقتا وصبرا ومهارة في تشكيل العجين وحشو اللوز وضبط العسل، وتحمل هذه الحلويات بعدا اجتماعيا يتمثل في كونها تحضر أحيانا بكميات تهدى للأقارب والجيران، فيتحول طعمها الحلو إلى رسالة مودة، كما أن توريث وصفاتها بين الأجيال يعكس حرص العائلات على صون جزء من ذاكرتها الثقافية.
المائدة كمرآة للهويّة
منذ اليوم الأول من رمضان، تصبح المائدة القسنطينية مرآة لهوية مدينة عرفت عبر تاريخها بتنوعها الثقافي وثرائها الحضاري، فالأطباق المتوارثة تمثل خلاصة تفاعل بين أبعاد أندلسية، عثمانية ومحلية، اندمجت عبر الزمن لتشكل خصوصية ذوقية مميزة.وهكذا، لا يكون إعداد شربة فريك أو شباح الصفرة مجرد استجابة لعادات غذائية، بل هو فعل رمزي يعيد وصل الحاضر بالماضي، ويؤكد أن رمضان في قسنطينة يعاش بالذاكرة، ففي تفاصيل المائدة الأولى تتجسد معاني الانتماء، ويعلن المجتمع بصمت دافئ، أن تقاليده لا تزال حية، تنبض في البيوت القسنطينية.







