”الشعـب” تستطلع واقـع السّياحـة بتيبازة

20 مليـون زائــــر في الواجهة البحريـة سنويــا والحظيرة الفندقية الحلقة الأضعف

استطلاع: حكيم بوغرارة

السّياحــة العائليــة تنتعــش والمدينـــة الرّومانية وجهة بامتيــاز

معالم أثرية وشواطئ عذراء واستثمارات بعيدة عن التّطلع

تمتلك تيبازة امكانيات هائلة كان من المفترض أن تجعلها عاصمة السياحة المتوسطية، ولكن المطّلع على واقع الولاية التي تمتلك 14 بلدية ساحلية يلاحظ الفقر الذي تعاني منه، لنتأكّد من أنّ ما يتم تداوله حول أهمية السياحة والفلاحة في النهوض بالاقتصاد خارج المحروقات هو مجرد شعارات برّاقة ورنّانة، الهدف منها إظهار صورة غير واقعية عمّا نفكر عنها.

المتجوّل في الولاية التي تحمل الترقيم الإداري 42 يلاحظ الجمال الذي حبى به الله المنطقة من جبال مغطاة بالغابات، وواجهة بحرية تعتبر الأجمل في العالم بالنظر لقرب الجبال والغابات من البحر ما زادها جاذبية وبهاء.
ويمكن القول أنّ أبرز الاستثمارات التي عرفتها المنطقة كانت في العهد الروماني التي شيّدت امبراطورية مازالت آثارها شاهدة على مكانة المنطقة وأهميتها الإستراتيجية، بينما يظهر أنّ مكانة المنطقة تراجعت كثيرا بالمقارنة مع العصور الغابرة في انتظار اهتمام وتنظيم أكثر يجعل منها قطبا سياحيا وفلاحيا وخدماتيا بامتياز في ظل مشروع ميناء الحمدانية الجديد بشرشال الأمر الذي سيمنح قيمة مضافة لتيبازة.المدينة التي تعود جذورها إلى الأصل البونيقي، شأنها شأن معظم مدن البحر الأبيض المتوسط أصبحت رومانية ضمن مدن الإمبراطورية الموريتانية القيصرية، ومن بعدها أصبحت مسيحية.وسميت المدينة “تيبازة” في عهد الفينيقيين والتي تعني كلمة “المعبر” أو “الممر” في القرن الخامس قبل  الميلاد، وازدهرت المنطقة في عهد حكم الملك النوميدي جوبا الثاني، وباتت رفقة سيزاريا “شرشال” فيما بعد أحد معالم الثقافة الاغريقية الرومانية في شمال إفريقيا.
مؤشّرات مهمّة لتطوير الولاية
كشفت دراسة قام بها المركز الوطني للأبحاث الحضرية عن قدرات سياحية وطبيعية هامة لتيبازة ترشّحها لأن تكون قبلة الزوّار بامتياز، وكشفت الدراسة عن توفر تيبازة على يد عاملة نشيطة تقارب 250 ألف نسمة منها 57 ٪ تحت 30 سنة، وهو ما يجعها خزّانا مهمّا للنّهوض بالمنطقة مستقبلا.تيبازة التي يتجاوز عدد سكانها 600 الف نسمة تضم 28 بلدية و10 دوائر، تتربّع على مساحة 1707 كلم متربع. وتعتبر الولاية الرائدة في التشغيل، حيث لا تتجاوز البطالة 8 بالمائة، ويمكن أن تتقلّص أكثر إذا استغلت إمكانياتها لتطوير الخدمات والسياحة والفلاحة.وأولت الدراسة التي تمّت على 4 محاور أهمية كبرى لجرد الامكانيات الطبيعية كدراسة طبيعة الأرض والمساحات الغابية والشريط الساحلي، ومصادر المياه العذبة وغيرها من المعطيات والقدرات التي تتوفر عليها الولاية.
وتضم تيبازة 06 وديان (الداموس، مسملون، واد الهاشم، وادي الناظور، مزفران والساحل)، ناهيك عن سدي كردون ومراد. وتغطي المنطقة 06 غابات كثيفة هي غابات تاوريرة، وغابة بني حبيبة وغابة قوراية وغابة بوهارون وغابة شنوة، ويشكل الصنوبر الحلبي 55 ٪ من الغطاء الغابي كما تتوفر الولاية على 06 ٪ من أشجار الفلين.   
وتمتلك المنطقة 59 شاطئا منها 43 مسموحة على طول 146 كلم، وتجلب الواجهة البحرية سنويا بين 17 و20 مليون سائحا، وهو رقم معتبر يمكن أن يستغل لتطوير الفلاحة والصناعة والخدمات.
وتبقى الحظيرة الفندقية في تيبازة ضعيفة نوعا ما،حيث لا يتجاوز عدد الفنادق الـ 15 بطاقة تقارب 3200 سريرا. ويذكر أن تيبازة قد استفادت من 70 مليار دج لترميم المركبات السياحية العمومية على غرار المتواجدة بتيبازة “القرية ومتاريس والقرن الذهبي”.
شواطئ عذراء تحارب لتبقى طبيعية
 تمتلك تيبازة وخاصة الجهة الغربية شواطئ طبيعية خلابة تقاوم كل شيء من أجل الحفاظ على عذريتها، فجمال المنطقة من شرشال الى الداموس تعتبر لوحة طبيعية، فتزاوج اخضرار الطبيعة مع زرقة البحر يمنح تلك الراحة النفسية المرجوة من الفارين من جحيم المدينة فيستنشق الانسان الأوكسجين من المصدر دون تلوث، وهو ما يعطي الحياة نكهة خاصة.فالمغادر لشرشال أو “سيزاريا” نحو سيدي غيلاس يستطيع الابحار عبر التاريخ من خلال معالم أثرية  أهمها متحف شرشال، الذي يضم تماثيل متنوعة اكتشفت في إفريقيا مثل التماثيل الضخمة للإلهين الرومانيين “أسكليبيوس” و«باخوس”. ويضم المتحف بعض الآثار الرومانية على غرار “الفوروم”، “البازيليكا السيفيلية”، وكذلك المسرح الروماني.
وتمتلك شرشال واجهة بحرية خلابة فبين شواطئ تيزغيرين، والحمدانية شرق ووسط أين سيكون هناك أكبر ميناء إفريقيا مستقبلا، يعتبر ميناء شرشال الجديد الذي تعتزم السلطات إنجازه بقاعدة شراكة 51 / 49 قيمة مضافة للاقتصاد الوطني والتجارة الخارجية ليس فقط لبلادنا، ولكن لعديد الدول الإفريقية التي لا تمتلك واجهات بحرية على غرار مالي والنيجر وتشاد ونيجيريا.
ويأتي اختيار مدينة شرشال لإنجاز الميناء الجديد لعدة اعتبارات، أهمها قربه من الطريق الوطني رقم واحد الذي يربط الجزائر بالعاصمة النيجيرية لاغوس مرورا بالنيجر والتشاد، حيث تسعى الجزائر لضمان مرور الحاويات عبر أراضيها، وفي ظروف جيدة ما يسمح لها بتحصيل عائدات مهمة من التجارة الخارجية الدولية.
وسيربط بميناء شرشال الجديد لضمان تمويل القارة السمراء بالطريق العابر للصحراء، الذي استكملت الجزائر أجزاء كبيرة منه وتعمل على مساعدة الدول الإفريقية الأخرى على إتمام مقاطعها في أقرب وقت.وتعوّل السلطات كثيرا على الهياكل القاعدية لرفع نسب النمو، وتمكين الاقتصاد الوطني من طرق تجارية جديدة تكون رافدا لرفع نسب النمو، واقتحام الأسواق الإفريقية في ظلّ تمكين العديد من المؤسسات الوطنية من الحصول على طلبات من عديد الدول الإفريقية التي تفضل التعامل مع الجزائر في سياق تطوير التعاون جنوب / جنوب.
ويظهر أنّ الجزائر تكون قد اتخذت شريكا أجنبيا لإنجاز الميناء بالنظر لمردوديته ونجاعته الاقتصادية، فالكثير من الدول وعلى غرار الصين، تكون في أحسن رواق لإنجاز الميناء بالنظر لتجربتها في التجارة الدولية والطرق البحرية.
وأعطى الرئيس بوتفليقة أهمية كبيرة لهذا المشروع، وشدّد على إنجازه شرق شرشال بالحمدانية التي تتوفر على عمق 20 مترا، وهو ما يعتبر معيارا مناسبا لمثل هذه الإنجازات.
ويضم مشروع الميناء الجديد 23 رصيفا بطاقة معالجة سنوية بـ ٥ . ٦ ملايين حاوية، ناهيك عن توفره على 2000 هكتار لاستقبال المشاريع الصناعية.
وتشير التوقعات إلى استكمال الشطر الأول من الميناء بعد 5 سنوات على أن يتم استلامه نهائيا بعد 10 سنوات وبتكلفة 3 . 3 مليار دولار.
وسيدفع هذا المشروع بمنطقة شرشال لتصبح مدينة كبيرة جدا، حيث ستصبح قبلة للمستثمرين ومنطقة توسع مهمة، وهو ما سيزيد من أهمية المنطقة خاصة في المجال السياحي.
ومن الحمدانية إلى وادي البلاع مناظر أخرى لا يمكن أن يتجاوزها الفرد دون التوقف عندها، وأنت تسير في الطريق تجد المطلوع أو خبز الدار، ومختلف انواع الفاكهة التي تفقد السياح صوابهم وتسقط معهم كل أنواع الحمية أو”الريجيم” الذي يكون في عطلة في هذه المناطق.ومن شرشال الى سيدي غيلاس للزائر أن يختار بين شاطئي “آغيلاس”، و«مادام رومان”،ودائما على الطريق الوطني رقم 11 الذي استفاد من الازدواجية والتهيئة تجد أمام حجرة النص المعروفة عالميا باحتضانها لأحدى أكبر محطات توليد الكهرباء المعروفة بمحطة “حجرة النص” التي تنتج حوالي 10 بالمائة من طاقة الكهرباء ببلادنا.وتزخر منطقة حجرة النص بشواطئ جميلة جدا على غرار شاطئ وسط المدينة وشاطئ “تامزيتا” وشاطئ المسمكة، وإذا فاتتك فرصة الاستمتاع بالشواطئ السابقة تعرض عليك مسلمون التمتع بمياه البحر بشواطئ البهجة وغويني.
ومن مسملون الى قوراية، تجد عروض شواطئ سيدي براهم وشاطئ الخليج وشاطئ الصخرة وشاطئ ميلود ولابوانت.
وتعتبر “لرهاط “و”الداموس” آخر حلقة في سلسلة تيبازة الغربية، وهما اللتان يربطهما كورنيش جميل جدا.
السّياحة العائلية علامة مسجّلة في غرب تيبازة
إنّ المتجوّل في الشواطئ الغربية لولاية تيبازة يلاحظ أن جل الشواطئ هادئة فالطبيعة كفيلة بامتصاص كل حالات القلق والانفعال والواقف أمام تلك المناظر لا يمكنه أن ينطق بحرف سوى تكبير الخالق على حسن صنعه وإبداعه، كما أن طيبة وسلوك سكان هذه المناطق تزيد من هدوء وجمال المنطقة وهو ما جعلها مقصدا للعائلات بامتياز، وحتى مجموعات الشباب التي التقينا بها - جلهم من العاصمة ومن البليدة وعين الدفلى - أثنت كثيرا على الهدوء وعلى الجو العائلي الذي يسود المنطقة، واللافت في الانتباه أن معظم تلك العائلات ومجموعات الشباب اعتادت على قضاء عطلة الصيف في هذه المنطقة، حيث ربطوا علاقات ودية مع سكان المنطقة وباتت المنطقة شبه محجوزة مسبقا حيث يجد الفرد صعوبات كبيرة في ايجاد منزل للكراء.
وكشف “حكيم ـ ي« ساكن بـ “لارهاط”، أن المنطقة تعرف حيوية كبيرة في فصل الصيف خاصة اقبال العائلات لكراء المنازل، وهو ما خلق نوع من الديناميكية في المنطقة، موضحا أن أهل المنطقة يبنون سكانتهم على شكل إقامات صغيرة تحسبا لموسم الاصطياف، وهو الأمر الذي يوفر عليهم مصاريف السنة، فسكان الجهة الغربية من تيبازة تحسّنت حالتهم المادية كثيرا، موضحا بأنّ استرجاع المنطقة لأمنها وسلامتها قد ساهم في التعريف بها كثيرا.
وقال الإعلامي “هشام ـ هـ« أنّ تيبازة عرفت ازدهارا كبيرا في السنوات الأخيرة جراء التدفق السياحي واستفادتها من الكثير من المشاريع، موضحا أن النهوض بالقطاع السياحي واستغلال مختلف الامكانيات مازال يتطلب مجهوادت أكبر لتدارك التأخر في هذا الجانب.واعتبر نفس المصدر في تصريح لـ “الشعب” أنّ نجاح الشقيقة تونس يجعلنا دائما غير متفائلين لما هو منجز فالإمكانيات المالية والطبيعية للجزائر ترشحها لأن تكون عروس المتوسط، فالغابات تحاصر البحار، وهو مشهد لا يمنحنا أّي سبب لتبرير تأخّرنا في مجال السياحة.     وتأسّف في سياق متصل للأسعار الجنونية لقضاء ليلة واحدة، فكراء بعض المنازل المتواضعة قد يصل الى 5000 دج في فصل الصيف، وأمام كثرة الطلب فلا يجد المواطن سوى الاستسلام ولرضوخ لجشع الكثيرين.   
أكثر من 200 ألف زائر سنويا للمدينة الرّومانية القديمة
تعتبر المدينة الرومانية بتيبازة إحدى أهم معالم المنطقة التي تجلب عدد زوار يفوق 200 ألف سنويا منهم أكثر من 12 ألف أجنبي، وهو ما يعكس الكنوز التنموية التي تنام عليها المنطقة. المدينة القديمة التي كانت مستعمرة تتبع روما في عهد الإمبراطور “كلاوديوس “(41 - 54 م) حسب الموسوعة العالمية، تضم العديد من المواقع التي مازلت شامخة وتجلب فضول الزوار المحليين والأجانب.
وأول ما يلفت انتباهك وأنت تدخل المدينة القديمة المدرج الروماني في الجهة اليمنى، أما الجزء الشمالي فيجذبك شكل الأقواس التي تحمل المدرجات. ويحتوي المدرج الروماني أسوار عالية تحيط بساحة تضم 05 أبواب منها 02 رئيسيتين، كما يضم قبوا على شكل سرداب تحت الأرض. ومن المدرج الروماني الى المعبد المجهول لا تزال  المنصّة شاهدة على عراقة الحضارة الرومانية عمرانيا، ويسمى مكان العبادة هذا بالمجهول؛ لأنه يجهل بانيه أما المعبد الجديد فيقع في الجانب الآخر للمدرّج، وهندسته تشمل على نفس مكونات المعبد المجهول نفسها، ويختلف عنه في وجود بلاط الأرضيّة.وأنت تسير نحو الواجهة البحرية للمدينة القديمة تجد البيوت سكنيّة وهي التي بُنيتْ على الهضبة الوسطى، وهي التي تكون قد اندثرت تقريبا بفعل العوامل الطبيعية والرطوبة الكبيرة التي تجعل المباني هشة بمرور الزمن. واكتست تلك الهضبة حلة خضراء حيث يسمح المناخ المتوسطي الرطب باستمرار الغطاء الأخضرى على مدار السنة، كما تشير الآثار إلى منطقة واسعة وهي التي تسمى الكنائسُ الرومانيّة القديمة.
ومن أشهر الكنائس التي تؤكّد مرور الحضارة المسيحية من هنا هي البازيليكا الكبرى، وتعود الى عدة  قرونٍ عديدة كإحدى المقالع الحجريّة، ويشير مخطّطها المقسّم إلى أقسام سبعة واضحاً إلى يومِنا، وقد بيّنت الاكتشافات والحفريات التي عرفتها المنطقة المصنفة منذ 1982 تراثا عالميا محميا على عددٍ من المقابر الموجودة تحتَها، وهي منحوتة في الصخر.
 وبالمقابل توجد كنيسة بازيليكا إسكندر، وتقع في الهضبة الغربية تقابلها في الجهة الشرقية كنيسة بازيليكا القديسة “سالسا”، حيث تتزين بقطعٌ فسيفسائيّة، وهي مشكلة من صحنٍ رئيسيّ إضافة إلى جناحين.أما سور المدينة وهو من الأسوار الشامخة الباقية من الآثار الرومانيّة، ويمتد على عدة كيلومترات، حيث كان يحيط بهذه المدينة، و بضم سبعة وثلاثون مركزاً للحراسة.
ومن الرموز التي يمكن زيارتها متحف الآثار، وهو متحف يحوي على الكثير من القطع الأثريّة الرومانيّة.ويعرض ميناء تيبازة العديد من الخدمات السياحية أهمها القياد بجولة بحرية مقابل 1000 و1500 دج مع امكانية التمتع بأكل مختلف أنواع الحوت والسردين، حيث ازدهرت حركة المطاعم بقوة مع تخصيص حظائر واسعة للسيارات والحافلات التي تقل أطفال المخيمات الصيفية وكذا السياح.
وتعرف المنطقة بين الميناء والمدينة الرومانية القديمة نشاطا مكثّفا للصّناعات التّقليدية، حيث تعرف إقبالا كبيرا من قبل الزوار.
ونحن نغادر مدينة تيبازة ينتابك الحزن من مفارقة مدينة البحر والجبال الخضراء، آملين العودة إليها قبل نهاية الصيف.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018