انطباعات

الجزائر: تهافت التهافت وعملية عضّ الأصابع

دكتور محيي الدين عميمور

تشهد الجزائر هذه الأيام عملية تشبه لعبة عض الأصابع، ويتضح بأن الصراع الحقيقي ليس بين الجماهير وقواتها المسلحة، بل هو بين طرفين ليس الجيش الوطني الشعبي أحدها، ويقتصر دوره على ألا يتجاوز طرف ما حدود الصراع السياسي السلمي.
هناك جماهير الأمة التي تمثل الطرف الأساسي الفاعل في بناء دولة دفع شعبنا أغلى ثمن دفعه شعب على الإطلاق من أجل استرجاع حريتها وسيادتها، ويعرف أن احترام منطق الدولة والتمسك بقوانينها وضوابطها هو طريق الأمان، وهناك طرف يمثل قيادات ألف معظمها انتزاع المكتسبات بمناورات «التأييد الناقد ومزايدات «نلعب وإلا نفسد»  وعمليات ابتزاز كادت تهدد الوحدة.
كان الفتور الذي أصاب تجمعات الحراك الشعبي هو نتيجة حتمية لمحاولة اتجاهات معينة فرض منطقها على الشارع الجزائري عبر عدد من الشعارات التي لا تحقق أي إجماع ولا تضمن أي توافق.
فشلت محاولات عديدة «لاستيراد» متظاهرين من ولايات مجاورة لتضخيم عدد المتظاهرين في قلب العاصمة الجزائرية بهدف صرف الأنظار عن الفراغ الذي عرفته معظم ولايات الجمهورية، ولوحظ أن من قاموا بتصوير بعض التجمعات هنا وهناك كانوا يلجأون إلى التصوير من زوايا تخفي حقيقة العدد الذي تضمه التظاهرة، وحاول بعضهم، خصوصا في تصوير ما قيل أنه مظاهرات للطلبة، التغطية على وجود العديد من المتظاهرين الذين بدوا وكأنهم يتظاهرون بالنيابة عن أحفادهم، أو كأن هناك من الطلبة من أوفدوا أقاربهم للقيام بالواجب.
تزامن ذلك مع صيحات متشنجة تدين السلطات التي اعتدت على المادة 55 من الدستور، ومنعت تحرك الجموع في الحافلات نحو العاصمة، ويوم الجمعة على وجه التحديد، وفشل ذلك أيضا لأن نفس هؤلاء هم من اعتبروا الدستور وثيقة انتهت صلاحيتها، وهكذا ثبت أنهم يريدون تطبيق مكاييل مختلفة في التعامل مع القانون السيد في البلاد.
وبدا لكثيرين أن منطق توزيع الأدوار هو السائد، فمن جهة، امتلأت أعمدة مواقع التواصل الاجتماعي بالسباب الذي تلقاه كل من رفض منطق الخروج عن الدستور، وكان أبسط ما اتهم به هؤلاء هو أنهم يلحسون أحذية العسكر.
كان الغريب هو أن الاتهام بالعسكرة تطلقه أفواه بحّ صوتها في الدفاع عن عسكر التسعينيات، واستفاد أصحابها من عضوية المجلس الانتقالي وندوات قصر الأمم ومنتجعات موريتي ونادي الصنوبر، برعاية وتمويل السلطة الانتقالية التي أنشأها المجلس الأعلى للأمن بعد أن استقيل الرئيس الشاذلي أو استقال.
والذين يعرفون أن الثورة الجزائرية فرضت منطقا يعتبر كل المجاهدين أبناءً لجبهة التحرير الوطني، منهم من يرتدي الزي المدني ومنهم من يرتدي الزي العسكري، سيدركون أن الاتهامات بالعسكرة تنطلق دائما من أفواه من لم ينخرطوا بشكل أو بآخر في القتال ضد المستعمر، أو ممن ينتمون لتوجهات معينة بشكل أو بآخر.
في إطار توزيع الأدوار راحت أقلام تقول بأن الساحة في الجزائر منقسمة بين طرفين رئيسيين، أحدهما رحّب بالانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في 12 ديسمبر من هذا العام، والثاني يرى عبثية إجراء انتخابات رئاسية في ظل هذه المنظومة، كون الرئيس المنتخب مهما كان صلاحه وكفاءته، لن يستطيع، مهما بذل من جهود ومهما استمات في عمله، القيام بمهمته (أي لا ضرورة لانتخابات رئاسية).
والقول بوجود طرفين «رئيسيين» هو مغالطة لفظية لا يقع في شراكها إلا قارئ متسرّع يريد أن يصل بسرعة إلى ختام الحديث، فلا مقارنة بين البحر وحمام السباحة أيا كان حجمه، وهو ما يكشف لنا خلفية بالغة الأهمية عند «الجماعة»، حيث أن النسبة العددية عندهم هي كمٌّ لا دور له، فهم يرون أن هناك «نخبة» تمثل، كما يدعون، الطليعة الواعية المؤهلة للقيادة، وهناك حشود لا تعطيها أغلبيتها العددية أي مبرر لفرض إرادتها «الغوغائية» على الفكر المستنير، حشود هي عبارة عن مجرد «غاشي» (دهماء).
هنا لا بد من أن نرفض منطق تخوين أي فكر أو تجريمه، فجلّ من يرون ذلك الرأي هم مناضلون لهم منطقهم الحزبي أو الإيديولوجي الذي يرى في ذلك الطرح تعبيرا عن الوطنية البراغماتية، وكثير منهم لم يتوقف عند محاولة تفهم الرأي الآخر، أو التزم مريدوه بما تراه قيادات تعيش رواسب مرحلة معينة عرفت صراعات كان من الطبيعي أن يكون فيها مهزوم ومنتصر، لكن وراء هذا تكمن خلفيات وحسابات وتصفية حسابات.  
هنا تبرز خلفية التناقض مع المؤسسة العسكرية التي درست مأساة التسعينيات، عندما اختل الالتزام بالدستور، وأقيم نظام قمته هي مجلس الأمن القومي، والاسم دليل على المضمون، وكانت النتيجة عشرية دموية ما زلنا نعاني منها إلى يومنا هذا.
يتضح بالتالي أن «الجماعة» لا يقبلون بوضعية أقلية تتعايش مع أغلبية في ظل الاحترام المتبادل والتفهم الكامل، بل هم يرفضون أساسا أن يكون لهم دور الأقلية، رغم أنهم أقلية، ويصرّون على أنهم النخبة المختارة.
هكذا يسود منطق مُعوجّ يدعي بأن ديموقراطية الصندوق هي ديكتاتورية فعلية، حيث أن الأغلبية تسحق الأقلية، أي تحرمها بالتالي من أبسط حقوقها، ومحصلة هذا التفكير هو أن الديموقراطية المطلوبة من «الجماعة» هي أن تقود الأقلية حشود الأغلبية.
تتكشف الأمور عندما تنطلق تحليلات مبنية على أساس أن أحداث أكتوبر 1988 هي انتفاضة جماهيرية، وهو منطلق خاطئ يقود بالضرورة إلى استنتاجات خاطئة، حيث أنه ثبت لدى العام والخاص أن تلك الأحداث كانت عمليات مفبركة من أطراف معينة في النظام، كانت تستهدف تغيير الخط الاستراتيجي لمسيرة أول نوفمبر، مستفيدة في ذلك من ترهل حزب جبهة التحرير الوطني نتيجة للتصفيات السياسية التي تعرض لها، منذ بداية الثمانينات، ومن بروز طبقة رأسمالية طفيلية نتيجة لثغرات عملية التنمية الوطنية، راحت تعمل لخلق ما كان الرئيس هواري بومدين قد حذّر منه وهو قيام طبقة مستغلة ستكون أسوأ من «كولون» الاستعمار، وضاعفت من الخطورة وضعية الانفلات الشعبي الناتج عن ضعف التأطير السياسي.
واقع الأمر هو أن هناك فعلا تياران متناقضان، يختلفان قوة وحجما وتأثيرا وتوجها، أولهما اصطلح على تسميته بالدولة العميقة (والتسمية خادعة) والتي تعني القوة التي يمثلها النظام القديم بكل من استفاد منه وعمل على تقوية وجوده ويحرص على عدم اختلال موازين القوى التي فرضتها تحالفات المال والإدارة والمخابرات.
تسمية الدولة العميقة تسمية خادعة لأنها فرضت نفسها سَجْعيّا لمجرد الموازنة البلاغية مع تعبير الدولة «العريقة»، والتي تعني القوة الشعبية المؤمنة بعمقها التاريخي وانتمائها الحضاري، والتي تسعى ليكون لها مكانها ومكانتها بين الأمم، انطلاقا من تحقيق بناء وطني يقوم على الكفاية والعدل وتكافؤ الفرص والتضحيات.
هذه الدولة العريقة كانت القوة الحقيقية وراء الحراك الشعبي الذي أشعلت حريقه شرارات العهدة الخامسة، وبغض النظر عن كثير يُقال عمّن أشعل الشرارة الأولى، ولكن المهم أن الأغلبية الصابرة الصامتة نطقت أخيرا في فيفري وقالت رأيها بصوت يزلزل الجبال، وبصورة سلمية رائعة لعل التاريخ لم يعرف لها مثيلا على الإطلاق.
هنا تأتي نقطة يعتبر تجاهلها استهانة بالحقائق التاريخية، وهي أن الأمن بمختلف أطيافه كان له دور كبير في سلمية الحراك وفي تشجيع آلاف المواطنين على اصطحاب أزواجهم وآبائهم وأطفالهم في مسيراته.
تجاهل هذا الواقع يسيء للجزائري كجزائري، فهو يتناسى أن السيطرة على عواطف رجال الأمن تجاه بعض ما تعرضوا له من استفزازات لم تكن أمرا سهلا، لأن البشر هم البشر، والجزائري بطبعه لا يحتمل الاستفزاز وخصوصا من عناصر لم يكن سرّا أنها لا تمثل شباب الحراك النقيّ، وتبدو مجرد أفراد مأجورين أو «مُبرمجين» هدفهم إشعال نار الفتنة، عرفتهم سوريا بشبيحتها ومصر ببلطجيتها وفرنسا بالعديد من عناصر السترات البرتقالية.
تجاهل الدور الإيجابي لرجال الأمن وللمؤسسة العسكرية على وجه التحديد يؤكد النوايا السيئة لدى كثيرين، لأن عدم الاعتراف بفضيلة واحدة للطرف المقابل هي أكبر دليل على التعصب والتعنت.
ربما أمكن القول إن جموع الدولة العريقة تعرف جيدا ما لا تريده لكنها لا تعرف على وجه التحديد ما تريده، اللهم إلا شعارات لا يختلف حولها أحد ومضمونها قيام شرعية دستورية حقيقية تضمن العدالة الاجتماعية وتحقق التنمية الوطنية، في حين أن الدولة العميقة تعرف جيدا ما تريده، وهو شيء واحد محدد يتجسد في انتزاع السلطة المطلقة والتحكم الكامل في مسيرة البلاد.
هنا يبدو الفرق في التحركات، فالدولة العريقة تفتقد قيادة واعية منسجمة، وتتسم حركتها بالعفوية والتلقائية والانجرار أحيانا وراء هتافات تسحرها بلاغيتها ويختفي الهدف الحقيقي من صياغتها، ومنها هتاف «يتنحّاوْ قع» الشهير، وهي بالتالي لا تمتلك خريطة طريق عملية تحدد لها أهداف التحرك وأسبقياته وأساليب تحقيقه.
في الوقت نفسه تبدو الدولة العميقة قوية بوحدة عناصرها، وهي القوة التي تضمنها أساسا عقدة الأقلية، واليقين بأن خسارة المعركة هي خسارة نهائية لها في الصراع الإيديولوجي المتمحور حول قضية الانتماء والروابط الجهوية، وتحركها هواجس الخوف من ضياع مكاسب تحققت عبر سنين طويلة بالابتزاز والمناورة، ويضاعف من تشددها إرادتها في تصفية حسابات قديمة نتيجة صراعات خسرتها لعدم تكافؤ القوى آنذاك.
وبين الدولة العميقة والدولة العريقة يرتفع شعار:
 تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت آحادا.
فقيادات الدولة العميقة تتميز بوحدة هائلة وتنسيق كبير وبمقدرة على المثابرة وبخبرة في توزيع الأدوار،  بفضل تجربة نضالية واعية ومقدرة على المراوغة والمغالطة لا تملكها جموع الدولة العريقة المفتتة إيديولوجيا والمبعثرة ثقافيا والتائهة قياديا والحائرة سياسيا.
نجد من عمليات المغالطة التي يتم استعراضها في إطار عملية توزيع الأدوار القول الرائع بأن المطلب الجوهري (للفريق الشعبي)، يتلخص في «التغير الجذري من أجل قيام دولة القانون والعدل، والذي يضع حدا بشكل نهائي وشامل لمنظومة الفساد، دون التوقف عند عتبة   تغيير الواجهات، سواء باستبدال الرؤساء أو تناوب الحكومات والبرلمانات. هذا الفريق يصر على المضي قدما وعدم التوقف نصف الطريق، بعد انتظار دام عقود، ولاسيما بعد أن تحررت النفوس والإرادات، وانهار جدار الخوف».
وهو كلام رائع وجميل لا يتناطح فيه عنزان ولا كبشان، ولا يمكن إلا أن نتفق مع كل كلمة جاءت فيه،  لكن ما يأتي بعد ذلك يكشف الخلفية الحقيقية للبلاغيات الجميلة، فالكاتب يستكمل بما يريد منا اعتباره استنتاجا منطقيا لما سبق،  ويقول بأن الشعب «يرى في هذه الهبة فرصة للمرور بمرحلة انتقالية تعبد الطريق لعودة السيادة الفعلية إلى الشعب واستكمال استقلال البلاد الذي تعطل منذ 1962، (تاريخ استرجاع الاستقلال) من خلال انتخاب مؤسسات نابعة فعلا من الشعب، ولا تخضع لسيطرة منظومة الحكم الباسطة هيمنتها من الغرف المظلمة.» !!!
هنا نكتشف أن الفكر الذي يكمن وراء تلك المغالطة هو إدانة مرحلة الاستقلال بكل ما فيها ومن فيها، ومحاولة إعطاء شرعية لكل ما عرفته بدايات الاستقلال من عمليات تمرد وخروج عن سلطة الدولة المستقلة، ثم الادعاء بأن الشعب يريد إقامة مرحلة انتقالية إلخ....
ولعل مواصلة دراسة هذا التحليل تكشف لنا الكثير، فالاستنتاج الملتوي يواصل نفس المغالطة وهو يدعي بأن «هذه السلطة، وبعد أن أجهض الشعب موعدين انتخابيين، بعد تنحي بوتفليقة، أصبحت تحكم في البلاد بطرق غير دستورية  (والعكس هو الصحيح)  في إطار مراحل انتقالية دون أن تذكرها با سمها» (وهي واحدة أخرى من المغالطات)».
 يصل ذلك المنطق إلى القول بأن: « انتخاب رئيس أولا، سيجد نفسه مكبلا ومحاطا بمنظومة حكم وترسانة قانونية لن تسمح له بإحداث التغيير الذي ينتظره المواطنون» (ولا يقولون بأن الرئيس المنتخب يمتلك دستوريا من الصلاحيات ما يمكنه من تحطيم أي قيود تحول بينه وبين أداء مهمته، وهو ما لا يملكه أي رئيس مؤقت لا يمتلك الشرعية الدستورية الضرورية للتغيير).
يواصل التحليل  المنشور استنتاجاته بأن «السلطة الراهنة ترفض المرحلة الانتقالية ليس لذاتها وإنما فقط لأنها ستجري بعيدا عن نفوذها وسيطرتها، أما أن تكون من صنع يدها أو إشراف رجالها فلا مانع من ذلك، سواء كانت قبل انتخاب الرئيس ( !!) أو بعده،  وذلك طالما، يبقيها ماسكة بزمام الأمور، فالثابت عندها أنها تريد أن يتم كل ذلك تحت تسيير وإشراف رئيس هو من انتقائها وخاضع لسيطرتها وليس في إطار مفتوح على كل الاحتمالات والمخاطر التي تخشاها وتخشى ما قد يترتب عنها من فتح ملفات تريد أن تدفنها إلى الأبد»( والرئيس الذي تختاره الجماهير سيكون سيئا ضعيفا «بو خنونة»،  أما من نختاره نحن فسيكون ابن الخطاب الجديد).
 أوردت تلك الادعاءات حرفيا لأوضح بأن تلك الشطحات الفكرية هي مجرد استنتاج ذكي ماكر يلوي ذراع الحقائق ليصل بنا إلى حيث يريد، وهو الخروج عن الدستور وقبول فكرة المرحلة الانتقالية، التي تزعم بأن السلطة ترفضها لأنها ستجري بعيدا عن نفوذها (برغم النصوص الجديدة الواضحة التي تنظم عمل اللجنة المستقلة لتنظيم الانتخابات).
 يتضح بأن الهدف الذي يُروّجُ له هو أن يجري كل شيء تحت سيطرة «الجماعة»، التي لا تستند إلى أي قانون أو منطق دستوري، ويتم التعتيم على ذلك بالبلاغيات، لأن الاعتراف به سيضع أمام المواطن إمكانية المقارنة بين اختيار ممثل للشعب في جو لا يتحكم فيه أي قانون إلا إرادة أفراد ينتحلون إرادة الجموع بدون مبرر شرعي، واختيار ممثل للدولة في إطار قانون يمكن أن يحقق أدنى مستوى ممكن من حماية رأي المواطن والحفاظ على حرية إرادته.  
هذه المناورات اللفظية هي أهم ما يثير الشكوك في نفسية مواطن يعرف أن قيادة سيارة تحت حماية قانون ضعيف أكثر أمانا من قيادتها في وضعية اللا قانون، حيث يصبح الأمر ...«طاق على من طاق».
سأفترض جدلا بأن طريق المرحلة الانتقالية هو الطريق السليم للخروج إلى مرحلة الشرعية، وأطرح السؤال:
كيف يمكن اختيار هذه الهيئة الانتقالية في وسط كل هذه الأجواء الفاسدة، كما تقول «الجماعة»، وإذا لم يمكن اختيار رئيس جمهورية في ظل كل الضمانات التي التزمت بها السلطات علنا، فكيف سنختار هيئة انتقالية في غياب كل المؤسسات المدعوة للتنحي، ومن سيختارها، وما هي المقاييس، وما هي الضمانات؟.
أم أن علينا، لنرضي الجماعة، أن نستورد 1541 لجنة انتخابية من سويسرا لتشرف على صناديق الاقتراح في بلديات الجمهورية، وأن نستورد نحو 500 نائب في البرلمان ليشرف على نزاهة الانتخاب، وقبل ذلك أن نستورد قوات عسكرية من بلاد الجن والملائكة لكي تحمي شعبنا من رجال الفريق قايد صالح؟.
ألا يفهم القوم أنهم بهذا يوجهون إهانة لا تغتفر لشعبهم وهم يتهمونه بأنه عاجز عن انتخاب رئيس كما فعل الأشقاء في تونس، وبينما كانوا يرفعون عقائرهم بتحية الحراك الشعبي وحيويته، يتهمونه اليوم بالتخلي عنهم وعدم الرقص على طبولهم بدون أن تكون لديهم شجاعة الإقرار بأن منطقهم المُعوّج هو سبب عزلتهم الجماهيرية، وبأن شدة الصراخ لا تعني قوة الحجة.
 قلت يوما لبعض المتشنجين: أعطوني أسماء خمسة أشخاص فقط  ترشحونهم لقيادة هيئة انتقالية، ويمكن أن يتحقق حولهم إجماع وطني وتوافق موضوعي سليم ومعبر عن الأغلبية ومحترم للأقلية وسأكون أول من يؤيد هذا المسعى.
في انتظار أن أسمع ردا مقنعا أقول: موعد كل من يريد الخير لهذا البلد هو 12 ديسمبر، ومن حقه أن يضع ورقة بيضاء ومن حقه أن يلعن كل المرشحين ولكن ليس من حقه، احتراما لنفسه كمواطن ورب أسرة مسؤول أولا، أن يدير ظهره لمحاولة مخلصة للخروج من وضعية الأزمة، ويتصرف وكأنه يُساق من أذنه بهتافات تثير السخرية، ليسجل بأنه وأبناء حيّهِ عاجزون عن مراقبة عملية انتخاب تتم علنا، وعن مراقبة الصناديق في مكاتب الاقتراع، وبأن كل قدراتهم تتركز في الصراخ ساعات ثم العودة إلى المنازل مطمئنين إلى أنهم مواطنون صالحون قاموا بواجبهم تجاه أبنائهم، الذين يعمل الآخرون بدون كلل على اختطاف مستقبلهم وتدمير انتمائهم وسرقة إرادتهم.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18103

العدد18103

الثلاثاء 19 نوفمبر 2019
العدد18102

العدد18102

الإثنين 18 نوفمبر 2019
العدد18101

العدد18101

الأحد 17 نوفمبر 2019
العدد18100

العدد18100

السبت 16 نوفمبر 2019