العقار الفلاحي في قلب مكافحة الفساد

سعيد بن عياد
06 سبتمبر 2019

لا يتعلق الفساد بسرقة أموال عمومية وإتلاف موارد اقتصادية وتلاعب بالصفقات فقط وغيرها من أشكال النهب والتبديد، وإنما أكثر من ذلك، بنهب العقار الفلاحي وتغيير طابعه من الزراعة إلى استثمارات انتهازية مثل الترقية العقارية وإنجاز معامل قبل إعادة بيعها مرة أخرى مقابل أموال لا يمكن تصورها.
منذ البداية وضعت العصابة وأدواتها الاستثمارية المزعومة نصب أعينها الاستحواذ على العقار الفلاحي، خاصة في المناطق التي تشكل أرضية اقتصادية ناشئة وتوفر عوامل النجاح لقربها من منافذ التسويق واندماجها ضمن البنية التحتية للنقل.
رغم ثقلها في معادلة النمو وخصوصيتها الاقتصادية في ظل الصراع حول الأسواق الغذائية التي لا يقل شأنها عن أسواق المحروقات والموارد الطبيعية الأخرى، تعرضت الفضاءات الفلاحية خاصة الخصبة منها لاعتداءات تحت عناوين مخادعة تعبر عن مشاريع استثمارية في الظاهر وتخفي تلاعبا فاضحا بجانب من الثروة الطبيعية التي تتعلق بمستقبل أجيال بكاملها.
أطراف عديدة معنية بتسيير وحماية تلك الثروة تورطت بشكل أو بآخر في جرائم متكاملة العناصر، تصنف في خانة الفساد الاقتصادي والإداري الذي تتكفل حاليا أجهزة القضاء بمكافحته ضمن التوجهات الكبرى التي تنتهجها البلاد انسجاما مع المطالب الشعبية التي تحرص الدولة على تجسيدها في ظل الاستقرار والهدوء.
كانت العصابة تسعى إلى تجويع الجزائريين مثلما كشف عنه رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، وبالطبع ليس من سبيل إلى ذلك غير تدمير وإتلاف النسيج العقاري الفلاحي الذي يعتبر البنية الاقتصادية الصلبة لضمان الأمن الغذائي وتنويع الاقتصاد من خلال الرفع من أداء الصناعة التحويلية بالأخص ضمن اندماج اقتصادي فعال بجمع كل الموارد التي تساعد على تحسين معدل النمو.
وتعكس حالة العقار الفلاحي خاصة حول كبريات المدن ومنها بالخصوص ولاية الجزائر وجود تجاوزات خطيرة مست احتياطات زراعية يمكن أن تكون موردا استثماريا يساعد على تنمية فرص العمل والتحسين من حجم إنتاج الثروة الفلاحية بمعايير مطابقة لقواعد التصدير والصناعة التحويلية، في وقت تواجه فيه البلاد أزمة تراجع إيرادات النفط مقابل ارتفاع حجم الطلب على المنتجات الغذائية، بل وتسجيل وجود إمكانيات للتصدير أيضا.
ومن شأن تسليط أضواء مكافحة الفساد على ملف العقار الفلاحي التوصل إلى استرجاع مساحات كبيرة هي عرضة للتوسع العمراني في ظل اتساع نطاق مشاريع الترقية العقارية التي بلغت ذروتها دون أن تعالج جانبا مهما من معضلة السكن. وقد زادت حدة المضاربة التي تصب فوائدها في حساب المحظوظين وأصحاب النفوذ الإداري الذي يعتبر من بين أدوات الجريمة الاقتصادية المفتوحة على مخاطر تهدد مستقبل المجموعة الوطنية.
في هذا الإطار يسمح التحقيق في تفاصيل الفساد بتحديد مسؤوليات كل تدخل في عمليات التلاعب بالعقار الفلاحي، العمومي بالأخص، الذي تحول في لحظة إلى «مال بلا رقيب ولا حسيب»، رغم الترسانة القانونية الشاملة التي تصنفه في صدارة الأملاك الحساسة التي لا يمكن التفريط فيها و تعريضها للضياع أو بالأحرى للنهب والاستحواذ غير المشروع ومن ثمة المضاربة فيه وتغيير طابعه الأصلي من مصدر لإنتاج القوت إلى منصات للربح السهل والثراء غير المشروع.
ومن شان الإمساك بهذا الملف على مستوى كل المناطق بدءا بتلك التي تثير جدلا في ولايات ارتفع فيها سهم العقار أمام الطلب على الاستثمار الحقيقي والمزعوم مثل وهران، العاصمة، عنابة، تيبازة، قسنطينة، الجلفة، سكيكدة، تلمسان، المدية، بجاية، البليدة، سطيف وعين الدفلى وغيرها من الولايات التي تتصدر سوق الطلب على العقار الاستثماري في ظل انفتاح الدولة على المبادرة الخاصة ومشاريع الشراكة أملا في تعزيز مسار النمو.
هذا التوجه المرافق بتحفيزات مالية وجبائية وتسويقية من أجل النهوض بالاقتصاد الوطني وجد لدى جماعات المصالح ومحترفي الفساد الاستثماري منفذا للإجهاز على ثروة العقار الفلاحي، من خلال مشاريع وهمية وبرامج مغشوشة ساعدتها تواطآت كبيرة على مستوى الجهات المعنية بتسيير الأراضي الفلاحية على المستويين المركزي والمحلي.
وبلغ الأمر درجة توصف بالجريمة الكبرى كونها استهدفت احد ركائز مقدرات الأمن الغذائي، بحيث ينجم عنها حتما مضاعفة التبعية لأسواق خارجية تصنف الجزائر زبونا مضمونا وبالتالي تعيق كل مسار يهدف إلى فك الارتباط بها.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019
العدد 18050

العدد 18050

الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
العدد 18049

العدد 18049

الإثنين 16 سبتمبر 2019
العدد 18048

العدد 18048

الأحد 15 سبتمبر 2019