الخبير الأمريكي في المسائل الأمنية لاورنس فيلت لـ«الشعب»:

التجربة الجزائريــة في محاربة الإرهاب مرجعية

حاوره: حمزة محصول

يتحدث المختص في القضايا الأمنية بمنطقة شمال أفريقيا، على مستوى مركز الدراسات الإستراتيجية للجنوب الشرقي الأدنى لآسيا (نيسا)، التابع لوزارة الدفاع الأمريكية)البانتغون( ، لاورنس فيلت في هذا الحوار الذي خص به «الشعب»، عن عديد القضايا الأمنية التي تهم المنطقة والساحل مشيدا بدور وكفاءة الجزائر في المنطقة.
«الشعب»: نظم مركز الدراسات الإستراتيجية للجنوب الشرقي الأدنى لآسيا التابع للبانتغون الأمريكي في الأيام القليلة الماضية بالجزائر بالتنسيق مع  وزارتنا للخارجية، منتدى دولي حول التهديدات العابرة للأوطان في شمال إفريقيا، كيف تقيم النتائج التي توصلتم إليها طيلة 5 أيام من البحث والنقاش؟
لاورنس فيلت: نجحت ورشة العمل المتعددة الأطراف هذه إلى حد كبير في التأسيس لمحادثات صريحة وحسنة الاطلاع على التهديدات العابرة للحدود التي تواجه منطقة شمال إفريقيا وكذا الاستراتيجيات الضرورية لمواجهتها. وإننا نأمل أن تستمر هذه المحادثات في الاجتماعات المقبلة وبين المشاركين أنفسهم. ويمكنني الإشارة إلى انه لم يكن الأمر يتعلق باجتماع أو مؤتمر يهدف إلى وضع وثيقة إستراتيجية مشتركة، لكنه خلص إلى تقييم وفهم مشترك للتهديدات، إضافة إلى ذلك فقد تمخض عن هذه المحادثات مجموعة من الأفكار والمفاهيم التي يمكن للمشاركين في هذا الاجتماع ـ الذين كانوا في الأصل مسؤولين أمنيين في المنطقة ـ استعمالها في مشوارهم المهني.
@ هناك إجماع راسخ على أن التهديدات الأمنية في المنطقة أصبحت أكثر خطورة وتعقيدا، باعتقادك ما هي الأسباب الرئيسية؟
صحيح أن هناك تصاعدا في التهديدات، سواء من حيث الشدة أو الامتداد الجغرافي، كنتيجة للأحداث الأخيرة في داخل وخارج المغرب العربي. لكن دوافع الذين يقفون وراء هذه التهديدات تبقى نفسها، فالعصابات الإجرامية ومهربو الأسلحة يريدون جني الأموال في حين أن المهاجرين غير الشرعيين يبحثون عن حياة أفضل بغض النظر عن ما إذا كان ما يقومون به سيضمن لهم ذلك أم لا. وبالرغم من خطاباتهم المتغطرسة إلا أن الإرهابيين والمتمردين يريدون تحطيم دول المغرب العربي.
@ يتفق الخبراء والساسة على أن ما تعرفه ليبيا من أوضاع أمنية متردية، ساهم في تقوية الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة العابرة للحدود، هل يمكن القول الآن أن التدخل العسكري لحلف «الناتو» في هذا البلد عام 2011 كان خطأ استيراتيجيا؟
لا، لا أعتقد أنه كان خطأ، فكل عملية عسكرية مكثفة تنجم عنها انعكاسات سلبية غير متوقعة في المنطقة وخارجها. كما انه جدير بالذكر أن المغتربين الليبيين قد قاموا بعمل كبير قبل تدخل الناتو من اجل القيام بمرحلة انتقالية سياسة في ليبيا بأقل الأضرار. ولسوء الحظ فان العمل الشاق الذي قاموا به ذهب سدى بسبب الفوضى التي كانت سائدة على ارض الواقع والتي كانت تعيق المؤسسات الحكومية والاستقرار في البلاد. كما أن نهب الأسلحة، خلال تدخل حلف الناتو وبعده، كان خارج نطاق أية قوات ليبية مسلحة تابعة للنظام. إضافة إلى ذلك فانه جدير بالذكر أيضا أن السلطات الانتقالية الليبية قد رفضت بشكل صريح التدخل العسكري الأجنبي على ارض الواقع (التدخل البري) من أجل المساعدة على وضع حد لهذه الأزمة.
 المقاربة السياسية البديل
@ الجزائر حذرت قبل التدخل العسكري في لبيبا من الانعكاسات السلبية لأي ضربة عسكرية، وقد تأكدت توقعاتها بشأن انتشار الأسلحة وتوسع رقعة نشاط التنظيمات الإرهابية، ألا يؤكد ذلك أن مقاربتها القائمة حول الحلول السياسية والحوار الأنسب للتعامل مع الأزمات الدولية؟
أنا أوافقك الرأي على أن المقاربة المفضلة لحل الأزمات الداخلية للدول هي الحوار والحل السياسي، وهو ما يحدث، وبنسبة نجاح محدودة، في مالي والسودان على سبيل المثال. لكن بالنسبة لي فاني لم أر أي حل سياسي للثورة ضد القذافي الذي تعهد بذل الحوار، بإرسال فرق الموت إلى الديار في بنغازي. وبفضل طريقة حكم القذافي فانه لم يكن هناك أية مؤسسات ليبية، كالجيش مثلا، كانت باستطاعتها إجباره على الاستقالة (كما حدث في تونس ومصر) أو فرض الاستقرار في البلاد بعد رحيله. فالقذافي في حقيقة الأمر مسؤول عن تبعات هذه الأزمة.
@ كيف تنظر الولايات المتحدة الأمريكية للدور الذي تلعبه الجزائر في المنطقة؟
لايمكنني أن أتكلم باسم حكومة الولايات المتحدة، لكنني اعتقد انه لا يوجد شك في أنه ينظر إلى الجزائر على أنها تملك إمكانيات كبيرة تسمح لها بلعب دور ريادي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود. ومن المنظور العسكري العملياتي، فان الجزائر تملك قوات مسلحة مجهزة ومدربة وجد منظمة، ودرك وطني يتمتع بالخبرة، ومخابرات محترفة وفريق عام خبير في التخطيط وتنفيذ العمليات العسكرية. أما من وجهة نظر العملية السياسية والدبلوماسية والتعاون الدولي، فإن وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية ليس لها نظير فيما يتعلق بمهاراتها الاحترافية.
@ ترافع الجزائر لتجريم دفع الفدية، كيف تنظر لذلك وما تقييمك للتعاون الجزائري - الأمريكي المتعلق بمواجهة المعضلات الأمنية؟
لست على اطلاع مباشر على الشراكة بين الجزائر وأمريكا في المسائل الأمنية، وحسب معلوماتي فإنها مفيدة للطرفين، خاصة إذا تعلق الأمر بالعمليات العسكرية. كما إنني أوافق قطعا سياسة الجزائر التي تنص على عدم دفع الفدية للجماعات الإرهابية، وهي السياسة نفسها التي تنتهجها الولايات المتحدة.
@ هناك اجماع على ضرورة التنسيق بين دول المنطقة في الجانبين الأمني والاستخباراتي واعتباره الخيار الأنسب لمكافحة الإرهاب، ماهي فرص نجاح هذا التنسيق في ظل فارق الإمكانات العسكرية والوسائل للدول المعنية؟
هذا سؤال جيد. أعتقد أن لكل دولة إمكانياتها في المساهمة في محاربة الإرهاب، فعلى سبيل المثال تتمتع الجزائر بتحكم جيد حيث انه بإمكانها إرسال قوات جد مدربة لتوجيه ضربات للجماعات الإرهابية بشكل سريع. في حين تملك تونس قوات منظمة حسب المهمات التي يتوجب عليها القيام بها من اجل التجاوب مع الكوارث الطبيعية والكوارث التي يتسبب فيها الإنسان. كما أن الولايات المتحدة وفرنسا يتمتعان بقدرات استخباراتية وقدرات النقل من اجل نقل القوات البرية بسرعة إلى المناطق المطلوب منهم التواجد فيها. فمن الممكن أن يكون هناك تناسق بين هذه القدرات، لكن عدم توازن بينها ـ وهو أمر لا يمكن إنكاره ـ لا يعني أن هناك سيطرة وهيمنة من طرف معين على حساب الأطراف الأخرى.
المصالح الاستخبارية الورقة الرابحة
على خلاف فرنسا، تتسم الاستراتيجية الأمنية الأمريكية في المنطقة منذ 2007، بنوع من الهدوء والتركيز على العامل الاستخباراتي، كيف تقيّم هذه الاستراتيجية خاصة وأن نتائجها ليست بادية على الأرض؟
أنا لا أتكلم باسم حكومة الولايات المتحدة، لكنني اعتقد انك على حق. تتمحور السياسة الأمريكية حول ما يمكننا القيام به على أحسن وجه، كالاستخبارات والتصعيد الاستراتيجي وتقديم الدعم وعدم الخوض في العملية العسكرية بشكل مباشر. وهذا في اعتقادي نتيجة لرغبتها في تقديم إمكانيات من المحتمل أن الأطراف الأخرى لا تتوفر عليها، وذلك من أجل إتمام المهمة، كما انه ناتج أيضا عن عدم رغبة جميع الأمريكيين تقريبا في عدم التورط في المواجهات العسكرية بعد عشر سنوات من الحرب في العراق وأفغانستان، واعتقد أن أي رئيس أمريكي سيجد من الصعوبة بما كان إقحام القوات الأمريكية في الصراع ما لم يكن ذلك يخدم بشكل واضح مصالحنا الأمنية الحيوية.
@ تسيطر أمريكا على الجانب الاستخباراتي الذي تسخر له إمكانات معتبرة، لكن هناك من يرى أنها لا تساهم بشكل جيد في تزويد الشركاء على الأقل في الوقت المناسب، ماذا تسطيع أن تقول في هذه النقطة؟
ليس لدي رأي حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تهيمن على صورة الاستخبارات في المنطقة - بالرغم من أننا نملك قدرات مثيرة للإعجاب - لان الدول الأخرى، بما فيها الجزائر، تملك أيضا إمكانيات ممتازة. ففي الوقت الذي تستطيع فيه الولايات المتحدة المراقبة من الجو والتنصت على الجماعات الإرهابية المشبوه فيها، تحدد الاستخبارات البشرية مدى قوة هذه الجماعات وما تخطط له. ويمكنني القول، كغريب عن جهاز الأمن الجزائري، أن إمكانياته الاستعلاماتية البشرية تفوق إمكانياتنا. كما انه هناك تذمرا من عدم تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول وبعضها مبررة، لكن لا تشعر أية دولة بالارتياح في تبادل كلي للمعلومات الاستخباراتية.
@ الرئيس أوباما أكد أنه سيتم تدريب القوات الخاصة لبعض دول الساحل والاعتماد على طائرات «الدرونز» في مكافحة الإرهاب، مامدى نجاعة ذلك؟
تتمتع القوات الخاصة بقدرات فردية في القيام بعملية مستقلة، كما أنها منظمة ومدربة على العمل لفترات طويلة من الزمن في المناطق البعيدة ومن دون مساعدة من القوات ذات الرتب العليا، كما هو الأمر فيما يتعلق بتحديد مكان جماعات الإرهابيين والمتمردين ومهاجمتهم. ومن هذا المنظور فان الأموال التي تصرف على تدريب القوات الخاصة لا تذهب سدى. لكن غالبا ما تفتقد القوات الخاصة للقدرة على مواجهة جيوش كبيرة مجهزة بالأسلحة الثقيلة، وبالتالي فانه من الواجب تحديد مهامها بعناية كبيرة. كما أن الطائرات بدون طيار قد أثبتت أنها سلاح فعال ضد الأهداف الإرهابية المحددة، مثل الجماعات الإرهابية التي تتنقل في السيارات في المناطق النائية، لكنه من الواضح أنها ليست أفضل سلاح لمحاربة الإرهاب الذي يفوق كونه تهديد عسكري. وجدير بالذكر أن الطائرات بدون طيار تستعمل في المراقبة الجوية أكثر من ما تستعمل في الهجوم على أهداف محددة.
صراع مصالح ونفوذ
@ يعتقد كثيرون بوجود صراع خفي بين أمريكا وفرنسا على كسب الرهانات الاقتصادية الكبرى والعسكرية في منطقة الساحل، هل هناك صراع فعلي أم مجرد اختلاف في التكتيك؟
نعم هذا شعور سائد. لكنني لم يسبق لي وأن شهدت صراعا بين الولايات المتحدة وفرنسا فيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية أو نطاق النفوذ. فأمريكا تعترف بأن المنطقة تشكل أهمية اكبر لفرنسا والدول الأوروبية الأخرى من المنظور الاقتصادي والأمني (تهريب المخدرات، الهجرة، والإرهاب...). أما بالنسبة إلي، فإنني اعتقد أن التعاون الأمريكي ـ الفرنسي في بعض المجالات، خلال المراحل الأولى للحرب على الإرهاب عبر الصحراء، كان من شأنه أن يعطي نتائج أفضل، ويمكن القول بأن العلاقات الفرنسية الأمريكية في المجال الأمني حاليا أفضل من أي وقت مضى.
@ ما هي الأهمية التي تمثلها المنطقة من الناحيتين الاقتصادية والجيواستراتيجية لأمريكا؟
من وجهة نظر أمريكا، لا يعتبر المغرب العربي ولا منطقة الساحل لذات أهمية كبرى لاقتصادها، وأهميتهما اكبر بالنسبة للاقتصادات الآسيوية والأوروبية. ويجدر التذكير بأن هدفها بشأن مخازن الطاقة ليس تأمين الغاز والبترول لنا وإنما تأمين تدفقه إلى السوق العالمي. أما من الناحية الجيواستراتيجية، فان المنطقة مهمة من الجانب السلبي، لأنها أضحت ملاذا آمنا للجماعات الإرهابية.

الخبير  في سطور:

- لاورنس فيلت: عين أستاذا معتمدا بمركز «نيسا» للدراسات الإستراتيجية سنة 2005، قضى 37 سنة كضابط سامي في الجيش الأمريكي ووزارة الدفاع المدني الأمريكية. ^شغل أيضا منصب قائد مساعد بقسم الشرق الأوسط في الخطط الإستراتيجية لقيادة الأركان العسكرية والسياسية.
- تتركز مهامه على تزويد المعلومات والتحليل وتقديم التوصيات للسياسات المتبعة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لقائدي الأركان والمديرية العليا العسكرية.
- في هذا الدور ارتكز عمل فيلت على القضايا المفتاحية للدفاع من بينها الإستراتيجية والسياسة تجاه العراق وإيران، المخططات الإقليمية لمكافحة الإرهاب ونشاطه، المفاوضات السورية الإسرائيلية حول هضبة الجولان، وتطوير الحوار المتوسطي للحلف الأطلسي.
- وشغل أيضا مسؤول التنسيق المؤسساتي بين برنامج واشنطن للتعاون العسكري مع الشركاء الإقليميين، كالجزائر، مصر، الأردن، تونس والمغرب.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18222

العدد18222

الثلاثاء 07 أفريل 2020
العدد18221

العدد18221

الإثنين 06 أفريل 2020
العدد18220

العدد18220

الأحد 05 أفريل 2020
العدد18219

العدد18219

السبت 04 أفريل 2020