التضامن الاجتماعي بين الإعلام والشهرة

فتيحة كلواز

في كل مرة أشاهد فيها تلك البرامج الخيرية التي تبث على مختلف القنوات التلفزيونية أتساءل إن كان الفقير أو المحتاج إلى مساعدة مهما كان نوعها يقبل طواعية أن تكون مأساته أو وجعه محل متاجرة من بعض السماسرة الإعلاميين الذين يتفننون في تحويل كل ما هو إنساني إلى ربح مادي معتبر، لكن السؤال الأكبر بالنسبة لي لماذا كل تلك الهبة التضامنية لا نراها إلا على الشاشة الساحرة ؟؟ لماذا يحتاج البعض إلى كاميرا وتأثيرات سمعية بصرية لتقديم المساعدة إلى من هم بحاجة إليها؟؟
دموع وأحزان وآهات روح هزمها العوز هذه بالضبط ما تحتاجه بعض القنوات التلفزيونية لتجعله السبق والخصوصية التي تجعلها في المراتب الأولى من حيث نسب المشاهدة، أما الأيادي الحانية والأنفس “الراقية” فهما بحاجة إلى شيء آخر يكمل معادلة “الهبة التضامنية” على طريقة “بوليود” إلى كاميرا وأضواء كاشفة تتغلغل إلى أعماق نفسه البشرية فـ«تفتح” لا إراديا القيم الإنسانية ذراعيها لاحتضان حالة اجتماعية في حالة مزرية، فالمعادلة هنا تحتاج إلى أكثر من آلة حاسبة لنستطيع تقييم التدهور الإنساني الذي يعشه مجتمعنا.
لم تعد اليد اليسرى اليوم تقبل غموض اليد اليمنى وعدم إعلامها بما تتصدق به لأن الأمر اختلف اليوم وأصبح الإعلان والمفاخرة بـ«مساعدة” الآخر هي أهم ميزة وخاصية يجب الحفاظ عليها وإن كان العكس هو الأصح، وأكثر ما يؤلمني أن يكون الجار أو الأخ أول الأسماء التي تقدم المساعدة وكأنهما لم يكونا على علم بحالة ذلك المعدوم الذي عرف قواعد اللعبة التضامنية ومتغيراتها في عصر لا يؤمن بالستر في أي شيء.
طبعا الجميع يعترض على طريقة تسويق المعاناة الإنسانية في مجتمعنا وتقريبا الجميع يصفها وصفا أراه دقيقا هو “ راهم يدخلوا في الدراهم” نعم وبالفعل أصبح المال ربنا الأعلى الذي لا تتحرك ضمائرنا إلا به ومن أجله، ففي محيطنا لم يبقى معنى لعلاقة اسمها أخوة أو صداقة فالغالب اليوم على كل تعاملاتنا المثال القائل “ أفرشك وأسير علي إن استدعى الأمر” و أصبحت الآنية خاصية علاقاتنا والمتحكم الأول فيها فالآن أنا معك ولكن بعد لحظات لا أضمن لك ذلك، الغريب أن المصلحة ليست فقط الطاغية بين الأصدقاء بل بين الأخوة والعائلة الواحدة وأصبحت في أكثر الحالات ما توافقت فيه الزوجات ائتلف وما اختلف فيه تنافر وابتعد.
لعله الأمر الذي جعل الأسرة اليوم مرتبطة بالماديات والمصلحة الخاصة ما حولها إلى مجرد أفراد يجمعهم لقب واحد ولو لا ذلك لما استطعنا تسميتها عائلة أو أسرة. هذا بالضبط ما أحدث الشرخ وهدم العلاقات الإنسانية لتصبح مجرد وسيلة للإشهار و«الشهرة” بعيدا عن الجوهر الحقيقي لها، هكذا تمضي أيامنا نراقب هذا ونبحث عن نقاط ضعف ذاك حتى وإن كان أخا تقاسمنا حياة واحد ذات يوم من الطفولة معه لكن الواقع يجعل من الجميع عدوا وصديقا في نفس الوقت المصلحة وحدها من تحدد صفته عندنا ومكانته التي يحتلها في قائمة أولوياتنا.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17931

العدد 17931

الثلاثاء 23 أفريل 2019
العدد 17930

العدد 17930

الإثنين 22 أفريل 2019
العدد 17929

العدد 17929

الأحد 21 أفريل 2019
العدد 17928

العدد 17928

السبت 20 أفريل 2019