المــرأة الماكثـة بالبيت

طرف مهم في المعادلة الاجتماعية الاقتصادية

بجاية: بن النوي توهامي

نضـــال ضـد التهميــش

 كثيرا ما نتحدّث عن النّساء العاملات وتطلّعاتهن، وحقّهن في الترقية وتحقيق تنميتهنّ في مكان العمل، مع التذكير الدائم بأهمية إبداء الاحترام تجاههنّ لكونهنّ شريحة فعّالة مساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع، خاصة وأنهن يعطين قيمة مضافة للمؤسسات التي يعملن بها كلّ واحدة في مجالها، لكن ورغم أنهن في نفس درجة الأهمية معهن تبقى المرأة الماكثة في البيت تعيش في الظلّ بعيدا عن الأضواء وقليلون هم من يتذكّرون دورها في ترقية  الأسرة والمجتمع.

في هذا الصدد، وعلى هامش معرض المنتجات التقليدية بمدينة «أوقاس» في بجاية اقتربت «الشعب» من بعض العارضات المتواجدات هناك ونقلت انطباعاتهن حول الدور الاجتماعي الذي تقوم به المرأة الماكثة بالبيت. فكانت هذه الشهادات الحية.
قالت «م- ك» وهي واحدة من السيدات غير العاملات لنا «بالفعل، يُكِنّ مسؤولو الهيئات والمشرّعون من خلال مختلف الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والأسرة إعجابا كبيرا بالمرأة العاملة التي يرونها فاعلة بسبب مساهمتها في إعادة إنعاش العجلة الاقتصادية، أو بكل بساطة في تحسين المستوى المعيشي لأسرتها، وفي تجسيد مشاريع طموحة كانت لتظلّ مجرّد أوهام من دونها، من جهة أخرى، نجد عكس تلك النظرة إن تعلق الأمر بالمرأة الماكثة في البيت حيث أنها تعاني من النكران والتهميش، وحتى مواقف متحيزة وأفكارا رجعية، وكلّ هذه الأسباب أو بالأحرى الحجج والأفكار التي لا أساس لها من الصّحة، تستعمل كذريعة عن قصد للتقليل من شأن المرأة الماكثة في البيت والحطّ من قيمتها، فلا تهمّ كل هذه النوايا السيئة التي تكرّس في كل يوم المقولة الشهيرة «لا كرامة لنبيّ في قومه».
وأضافت قائلة: «فالأكيد أنّ لا إذلال ولا إهانة في مكوث المرأة في البيت، بل بالعكس، ليس هناك أشرف لها من أن تهتمّ ببيتها، والمعروف أنه لا يزال في أيامنا الحالية، العديد من النساء الماكثات في البيت، يهتمن بالأولياء والأولاد بالرغم من كون راتب أزواجهن بالكاد يكفي لسدّ الحاجيات الأساسية لذلك تجدها تعمل على تسيير ميزانيتها حتى لا يجبر زوجها على الاستدانة، بل البعض منهن تلجان إلى حرف يدوية بغية التخفيف من الأعباء المالية لزوجها، لذلك المرأة حتى وإن لم تخرج من المنزل هي أيضا تساهم في البناء الاقتصادي والاجتماعي».
في نفس الموضوع قالت السيدة عماني: «ربّات البيوت كلهنّ نشاط وحيوية، بل أن العديد منهنّ تمكنّ من التخصّص في إحدى الصناعات التقليدية المربحة، باستعمال ما كان متاحا لهنّ، فلم يحتجن لا إلى أموال ولا شهادات ولا مستوى عال من التعليم للإبداع والإنتاج أو لعب دور اكبر في المجتمع، بل اكتفين بعزيمتهن القوية واجتهادهن مع مساندة وتفهم أزواجهن أو أوليائهن الذين هم بمثابة مصباح ينير دربهنّ واستطعن تحقيق أحلامهن بعيدا عن احتقار الذات أو التقليل من شأنها، وقد بلغ الأمر ببعضهم بأن قمن ببيع مجوهراتهنّ الثمينة من أجل التوسع في عملهن المنزلي ليصبح عملا تجاريا خاضع للعملية الاقتصادية، في حين قام بعضهنّ الآخر بالاستدانة قصد إطلاق مشاريعهنّ الصغيرة، التي كثيرا ما تلقى نجاحا كبيرا في منطقة سكنهنّ وحتى بعيدا عنها في حالة توسّع تجارتها، وغالبا ما تكون تلك المشاريع الصغيرة مرتبطة بمجالات معينة مثل حضانة الأطفال، الصناعات التقليدية، صناعة الحلويات، والحرف والأنشطة الأخرى، فهي استثمار لجأت إليه كثير من الماكثات في البيت، لكسب قوتهنّ بعرق جبينهنّ، دون الاضطرار إلى الخروج من المنزل خاصة تلك اللواتي تعيش في المناطق الداخلية أو تلك التي تعيش وسط عائلة ترفض خروج المرأة إلى العمل خاصة أن كانت متزوجة».
الخروج من خانة «العبء»..
أما سمرة  خياطة تمارس المهنة منذ سنوات فقالت عن الموضوع: «يبدو أن ربّات البيوت رغم بقائهن في البيت دون عمل بدوام يجدن في الأخير مصادر لكسب المال وهن ما زلن يحافظن على صفة امرأة ماكثة بالبيت، من خلال تأكيد وجودهنّ في المجتمع والمساهمة في التنمية المحلية المستدامة أو في أسوأ الحالات، تفادي الإقصاء والتهميش في مجتمع لا يعترف إلا بالأقوى، حيث سمح سعيهنّ بشجاعة وإرادة قويتين بتحقيق نجاحهن في المجال الذي اخترنه من أجل الخروج من دائرة التبعية المادية للزوج أو الأب أو الأخ إلى استقلالية مالية تنعكس إيجابا على كل عائلتها، من خلال خلق مشاريع صغيرة تصبح مع مرور الوقت كبيرة ومربحة خاصة في المدن الكبيرة على غرار حضانة الأطفال، المأكولات التقليدية، الخياطة، الزراعة وغيرها من النشاطات التي تليق بالمرأة الماكثة بالبيت».
صليحة امرأة ماكثة بالبيت تمارس الأعمال الفلاحية رفقة زوجها قالت مؤكدة: «يقال أن الحاجة هي أم الاختراع وهذا هو الواقع المطلق للمرأة الماكثة بالبيت، فمجرد رؤية السيدات اللواتي كرّسن وقتهن من أجل الكسب الحلال، في المدينة أو الريف دليل على الأهمية التي توليها المرأة للعمل إدراكا منهنّ لدورهنّ في بناء المجتمع مهما كانت المكانة أو المنصب التي تشغلهنّ، وفي أي مكان تكن فيه وبأي مستوى دراسي وصلن إليه تستطيع تلك النسوة المساهمة في عملية البناء دون التقليل من مجهود أي واحدة منهنّ».
توقفت صليحة وواصلت قائلة: «أنا اليوم واحدة منهنّ أشارك في هذه العملية بالانخراطي في النشاط الزراعي والفلاحي من تربية الحيوانات الداجنة حتى أساعد زوجي مع بقائي في البيت ومع أسرتي فأكون بذلك ضربت عصفورين بحجر واحد، وكما هي المرأة العاملة المرأة الماكثة بالبيت أيضا تعطي لوجودها أبعادا جديدة، إضافة على دورها كزوجة وأم حتى أن البعض منهن تمكنّت اليوم من جعل النّاس يتحدثون عنهن كمنتجات استطعن رفع التحدي في مجتمع كان يضع المرأة الماكثة في البيت في خانة غير المفيدة والعبء على العائلة التي تعيش وسطها سواء قبل زواجها أو بعده، هي اليوم تحقق نجاحا وتطورا ملحوظا تمكنت من خلاله تغيير هذه النظرة السلبية اتجاهها».

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18002

العدد 18002

السبت 20 جويلية 2019
العدد 18001

العدد 18001

الخميس 18 جويلية 2019
العدد 18000

العدد 18000

الثلاثاء 16 جويلية 2019
العدد 17999

العدد 17999

الإثنين 15 جويلية 2019