أيام قبل حلول الشّهر الفضيل

تقاليـد وطقوس رمضـان تقاوم الاندثـــار

استطلاع: ف ــ كلواز

التّضامن يصنع الحدث وموائد الإفطار الجماعية العلامة المميّزة

أيام فقط ويحل الشهر الكريم الذي يستقبله الجزائريون بكثير من الاستعدادات، التي تعكس في مجملها أهميته الدينية والاجتماعية التي يحتلها عندهم، من تنظيف المنازل وإعادة طلائها إلى شراء أدوات منزلية تضفي على المطبخ الرمضاني الكثير من التقاليد الرافضة للاندثار.
في هذا الاستطلاع اقتربنا من المواطن الجزائري لنسأله عن آخر استعداداته، «الشعب» ترصد تفاصيل التحضيرات للشهر الفضيل بالعاصمة، الذي يحمل نكهة وميزة خاصة.

وجهتنا الأولى كانت ساحة الشهداء أين تلتقي نسائم الماضي ترسلها القصبة بكل ما تحتويه من عبق التاريخ، هناك الوجهة الأولى التي تفضلها النسوة للاستعداد للشهر الفضيل مثلما توضحة هذه الشهادات الحية لنا.

تنوّع يجسّده رمضان

- «جميلة»، ربّة بيت وجدناها تتجوّل في «الروتشار» سألناها عما تحضره أيام فقط قبل حلول رمضان فأجابت:
«كما تعوّدت منذ أن كنت صغيرة آتي إلى هنا لشراء الأواني والتوابل الخاصة بالأطباق التي يتميز بها شهر رمضان، خاصة وأنها تباع طازجة ومتنوعة تعطي رائحتها ذوقا خاصا لكل أكلة تضاف إليها، لا أستطيع تجاوز هذه المرحلة فهي مهمة لدخول الشهر الذي ننتظره منذ انتهائه في السنة الماضية».
توقفت «جملية» قليلا ثم أضافت: «رمضان يحتل مكانة لا تضاهيه فيها أي مناسبة أخرى، من الأواني وغسل المنزل أو دهنه لمن يستطيع ذلك إلى الفواكه الجافة كالعينة والمشمش، بالإضافة إلى بعض الفواكه الأخرى التي أصبحت تباع في الآونة الأخيرة كالأناناس والموز وصولا إلى المقطفة التي تعوّدت تحضيرها منذ صغري، فوالدتي كانت شربة مقطفة بالنسبة لها من ضروريات الشهر الكريم، لكن وبسبب تغير بعض المكونات الاجتماعية للعاصمة أصبح اليوم الفريك الحاضر الأقوى على الموائد الرمضانية في العاصمة رغم كونه من الشرق الجزائري، وكذا الحريرة التي تعد أهم الخصائص والمميزات الرمضانية في الغرب الجزائري».
وأكملت «جميلة» تصريحها قائلة: «هذا التنوع الثقافي يجعل من العادات والتقاليد وسيلة فعّالة لجمع المجتمع الجزائري حول هوية مكوناتها غير قابلة للانفصال، ولعل المسيرات التي نراها ونشارك فيها كل أسبوع يعطي صورة حقيقية لهذا، لذلك رمضان هذه السنة جاء والجزائر تعيش منعرجا فاصلا في تاريخها لا تصنع ايجابيته سوى بقائها سلمية في مطالبها وتحركاتها».

مصائب..عند قوم فوائد

- «رضا» واحد من الذين يبيعون بعض السلع الرمضانية كـ «الديول» و»القطايف» وبعض الحلويات الخاصة بالشهر الفضيل كـ «المحنشة»، «الصامصة» و»صبيعات العروسة» وكذا «البوراك» الحاضر الأقوى على المائدة الرمضانية، سألته «الشعب» عن رمضان هذه السنة فقال: «رمضان شهر مقدس يحتل مكانة مهمة في التقاليد والأعراف الجزائرية، فمنذ صغري أشاهد كل تلك التحضيرات التي كانت تقوم بها أمي مع بداية شهر شعبان، حتى جدران القصبة كان سكانها يلبسونها لباسا أبيضا ناصعا لاستقبال الشهر الكريم معلنون في الوقت ذاته العد التنازلي لحلول هلال غرّة الشهر الكريم، طبعا في الماضي مثل هذه الحلويات والسلع كانت تصنعها النسوة في بيوتهنّ دون أن تحتجنّ إلى شرائها، لكن تغير الأمر اليوم مع تغير نمط الحياة وأصبحت المهام المنوطة بالمرأة اكبر، حيث صارت ملزمة بدوام مهني أبعدها عن كثير من التقاليد أو لنقل عن التحضيرات التي كانت تقوم بها النسوة من قبل».
واستطرد «رضا» قائلا: «رغم ذلك أوجدت في المقابل مهن لبعض الشباب الذين تخصصوا في التجارة الموسمية ولن تخرج تلك التجارة في رمضان عن بعض السلع الخاصة بالشهر الكريم، فأبيع مثلا «الديول» التي تصنعها أخواتي، «المقطفة» التي «تفتلها» أمي وزوجتي و»القطايف» وبعض الحلويات التقليدية التي تحضرها زوجتي، فكلهنّ نساء ماكثات في البيت ولكنهنّ يعملنّ في هذا المجال منذ عشر سنوات تقريبا...هي تجارة مربحة خاصة شهر الصيام فالجميع يبحث على وجود نكهة رمضان من خلال توفير مثل هذه الحلويات أو الأطباق، وصدق من قال مصائب قوم عند قوم فوائد».

مطاعم الرّحمة..حركية دائمة

سوق «ميسوني» كان وجهتنا الثانية أين التقينا «موني» السيدة التي تجاوز سنها العقد السادس، ولكنها مازالت تؤكد على أهمية التحضير للشهر الكريم قائلة: «ربما كان تغيُر أولويات المرأة في الجزائر سببا مباشرا في فقدان الشهر الفضيل  الكثير من العادات والتقاليد التي تعودت عليها الأسرة الجزائرية، وربما توفر السلع والمواد في الأسواق جعل من التحضيرات الخاصة بالشهر مجرد تقاليد يتحدث عنها من هم في سني، لكن الأصعب أن يفقد الشهر الكثير من روحانيته، ففي الماضي كنا نوازن بين تنظيف البيوت وتطهير القلوب...قبل رمضان وفي ليلة النصفية من شعبان تجتمع كل العائلة لتصفية القلوب والتسامح من اجل استقبال الشهر برباط أسري قوي، لكن الآن أصبحت الأسرة الواحدة وفي بيت واحد توضع فيها مائدتان أو ثلاث موائد إفطار بسبب الخلافات التي غالبا ما تكون وراءها «كنّة» ماكرة أو عجوز شمطاء، فيكون مفعول العداوة أشد من السحر فيصبح رمضان شهر لإثقال كهول الصائمين بالسيئات وقطع الرحم بعدما كان شهرا لصلة الرحم وكسب الحسنات».
أضافت «موني» في نفس السياق قائلة: «إلى جانب كل ما ذكرت، يصنع الحراك الشعبي هذه السنة الواجهة والحدث ولن يستثن الشهر الكريم من تبعاته فأحد أبنائي قرّر مع بعض أبناء الحي فتح مطعم رحمة للمشاركين في المسيرات الشعبية في رمضان، خاصة أولئك القادمين من الولايات المجاورة طالبا مني الوقوف على المطبخ والبحث عن نساء تعملن فيه حتى نربح أجر إفطار الصائمين، ونساهم في إعطاء المجتمع والأجيال القادمة دروسا في الأخوة والوحدة بين الجزائريين، وهي معاني افتقدناها لسنوات طويلة عادت بقوة منذ شهرين أو يزيد».

أخيرا...

من خلال جولتنا استطعنا الوقوف على تحضيرات العائلة الجزائرية للشهر الفضيل، الذي لا تفصلنا عنه سوى أيام معدودة، والأكيد أن الأجواء السياسية التي تعيشها الجزائر أضفت عليها نكهة خاصة، جعلت اهتمام المواطنين ينصب عن الطريقة المثلى للخروج في مسيرات شعبية في الشهر الفضيل دون الإخلال بحرمته وقدسيته، ولكن لم يمنع ذلك من وضع أفكار خاصة تتمثل في موائد إفطار كبيرة في الشوارع حتى يفطر الجزائريون معا، مثلما يقفون اليوم معا ضد أي مساس باستقرار الجزائر وأمنها، وطبعا اتفق الجميع على أمنيات تركّزت في مجملها حول الوطن ومستقبل جامع وشامل.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019
العدد 18050

العدد 18050

الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
العدد 18049

العدد 18049

الإثنين 16 سبتمبر 2019
العدد 18048

العدد 18048

الأحد 15 سبتمبر 2019