«الأخضر...بين عشب ونمــاء أمّـة»؟!

فتيحة كلواز

«أنا الأخضر لون العشب والأشجار» عبارة استوقفتني عندما سمعتها من فتاة لا يتعدى سنها الخمس سنوات أثناء مشاركتها في مسرحية احتفاءً بعيد الثورة المجيدة، بحماس وافتخار شرحت رمزية ألوان العلم الوطني لكن أن يكون اللون الأخضر لون العشب والأشجار فهو أمر غير مقبول لأن الوطنية تغرس مع أول قطرات حليب يشربها الرضيع من صدر أمّه، لذلك على كل واحد منّا ومن المكان الذي يشغله أن ينتبه إلى مثل هذه التفاصيل فشتان بين أخضر لون العشب وأخضر لون النماء والازدهار.
تساءلت في نفسي عن المؤهّلات التي امتلكها كاتب نص المسرحية ليعطي دروسا في الوطنية لطفلة تدرس في التحضيري، ويعلمها أن ألوان العلم الجزائري بسيطة لا تحمل في رمزيتها مشروع أمة، فكيف بهذه الصغيرة وغيرها أن تفتخر بوطن يرى في الأخضر عشبا وأشجارا لأنه يحد من خيالهم وطموحهم، فالأمم تبنى بالآفاق والآمال المستقبلية الاستباقية ولو كان مفجّرو الثورة محدودي الأفق لما ثاروا وأعلنوا اندلاعها، ولو لم يروا يوم الاستقلال رؤية العين المجردة لما دفعوا حياتهم ثمنا له.
كان الأجدر من كاتب هذه المسرحية أن يضع نصب عينيه تلك المرأة التي خاطت أول علم، وما كان يريد منه واضع شكله، فاختيار الألوان نقطة أساسية في التعبير عن الذات. نقصد بـ «الذات» هنا المجتمع الجزائري ككل، ولن تنحصر رؤية واضعه في عشب ترعاه الحيوانات، فالوطن أرقى وأكبر من جعله لقمة سائغة لمن يريد «تناوله» أو «أكله»، (هنا نقصد النّهب والفساد).
هذا التّمييع لرمزية العلم ومن ورائه الوطن يجعل الطفلة تضع أرض المليون ونصف المليون شهيد في مقارنة دائمة مع لون أخضر يتجسّد في عشب وأشجار؟ ألم يكن من الأجدر تلقينها أن الأخضر ازدهار ونماء لتتساءل عن معانيها، فيعلمها من حولها أن الأخضر يمثل مشروع أمة تبحث عن التطور والازدهار بسواعد أبنائها، وتعلم مع مرور الوقت أنها معنية هي كذلك بهذا المشروع، فترتقي وطنيتها من شعور إلى سلوك يتبلور في اجتهاد ومثابرة في الدراسة ثم تفان وإخلاص في العمل ثم تربية أجيال كاملة على حب الوطن حتى الثّمالة.
الرّسالة لا تكفي أن نكتبها بل أن نحسن اختيار الكلمات التي تحملها داخلها، كذلك الوطن ليس فقط جنسية تستخرج من المحكمة، ولا هي أغاني نتسلّى بها ساعة فراغ من حسابات شخصية، ولا هي شعارات نحملها هنا وهناك ليصبح الوطن مبتذلا فاقدا لقدسيته لأنّه ألصق عنوة بوثيقة تثبت جزافا جزائريتنا؟؟ لنا في مختلف المراحل التي عاشتها الجزائر وما آلت اليه اليوم خير دليل على ذلك، فلو تشبّعنا حب الوطن لما فرّقنا اختلاف مشاربنا لأنّ الاختلاف عندما لا يحمل داخله نقطة التقاء وتوافق يصبح مدمّرا لأي مجتمع كان، ربما هو الأمر الذي تفطّن له مفجّرو الثورة التحريرية، فلم نكن نعرف عنهم سوى نقطة واحدة هي حبهم للجزائر، وهي فقط الكي جعلتهم يذوبون في شخصية جزائرية ثورية ترفض الخضوع والخنوع، أما من أي منطقة كانوا فقط كانت غير مهمّة الى درجة أنّ أسماءهم الثورية بعيدة كل البعد عن المنطقة التي نشأوا وترعرعوا فيها.
وكما كان على كاتب المسرحية تجاوز السطحية في تعامله مع الأطفال، علينا اليوم ألاّ نتعامل مع منعرجات الجزائر التاريخية باستخفاف لأنّ أي تجاوز للسرعة أو عدم تحكّم في المقود ستهوي بنا الآمال الكاذبة والوعود الواهية والأطماع الجشعة إلى الهاوية التي لن يهلك فيها شخص أو اثنان بل مجتمع بأكمله يكون فيه المواطن البسيط أكبر وأكثر ضحاياه، فتاريخ البشر أثبت دائما أنّ الفقراء والضّعفاء يصنعون الثّورة وعباقرة الحسابات الشّخصية يغنمون نتائجها.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18126

العدد18126

الأحد 15 ديسمبر 2019
العدد18125

العدد18125

السبت 14 ديسمبر 2019
العدد18124

العدد18124

الجمعة 13 ديسمبر 2019
العدد18123

العدد18123

الجمعة 13 ديسمبر 2019