“الشعب” تزور المركز المختص في إعادة تربية الأحداث بقالمة

ظروف اجتماعية صنعت من البراءة أطفالا جانحين

استطلاع: مرابطي أمال

- السرقة، تكوين جماعة أشرار والجرح العمدي وأفعال مخلة بالحياء في شهادات مرة

- أطفال في عمـر الزهـور وراء القضبان أسبـاب متعـددة والنتيجـة واحـدة

لازال مشكل جنوح الأحداث يثير اهتمام المسؤولين في الجزائر من خلال إنشاء مراكز إعادة التربية لتأهيلهم ووقايتهم من الانحراف، خاصة وأن ظاهرة الجنوح تعد اجتماعية أكثر منها إجرامية.ولتسليط الضوء على الموضوع قامت “الشعب” بزيارة لمركز إعادة تربية الأحداث بقالمة و الذي يضم أطفالا قصر تتراوح أعمارهم بين 12 و 18 سنة، حيث كشفت لنا مديرة المركز أن هذا الأخير استقبل 979 قاصر من سنة 1990 إلى 2013، فيما بلغ عددهم في 2013 38 قاصرا. كل التفاصيل في هذا الاستطلاع الذي قامت به “الشعب” في اليوم العالمي للطفولة المصادف فاتح جوان من كل سنة

جنح يقترفها القصر
تتصدر السرقة وتكوين جماعة أشرار قائمة الجرائم التي يقترفها القصر وتليها الجنح المرتبطة بالضرب والجرح العمدي والمفضية للقتل ثم الجنح المتعلقة بالأفعال المخلة بالحياء.
وحتى نتعرف أكثر على هذه الحالات الموجودة اقتربنا من بعض الأحداث لمعاينة الظروف الحياتية التي صنعت منهم أطفالا جانحين.....
^«رياض – ش« من مواليد  1996، متهم بتكوين جماعة أشرار تختص في سرقة المواشي، سألناه عما أوصله إلى مركز إعادة التربية، فأجاب:« كنت أساعد من هم أكبر مني سنا في أعمالهم الإجرامية بحراسة المنزل المراد سرقته مقابل مبلغ مالي مما يتحصلون عليه في العملية ولكن ليس كل مرة تسلم الجرة، ففي إحدى المرات أمسكت بي الشرطة وتم وضعي في هذا المركز الخاص بالأحداث استفدت من تكوين في كهرباء العمارات، أنهيت مدته مع مكوثي في هذا المركز  أي 8 أشهر، وفي هذه الفترة كان سلوكي  عاديا، لم أتسبب في أية مشاكل داخل المركز أو مع أعضاء الفرقة التربوية، أما عائلتي فتتكون من أب، أم وأربعة إخوة”.
^ «أمين- ي« متهم بالضرب والجرح العمدي بالسلاح الأبيض رفض التحدث إلينا ولكننا استطعنا التعرف على حالته فهو ابن لأبوين منفصلين حكم عليه بسنة حبس كاملة، أدخل المركز يوم 08 ديسمبر 2013 لتنتهي عقوبته في 08 ديسمبر 2014 ، والدته ماكثة بالبيت تعيش ظروفا اجتماعية قاسية و هي المطلقة والمسؤولة عن أربعة أولاد هذا الوضع جعل أمين يخرج عن سيطرتها ليستقبله الشارع الذي جعل منه مجرما صغيرا، ....هو اليوم يخضع إلى تكوين في الطبخ استفاد منه بمركز التكوين المهني والتطبيق الذي يقوم به بالمركز.
 بصفة عامة سلوكه مقبول ولكن في بعض الأحيان تظهر عليه بعض الاضطرابات النفسية كالقلق والتوتر بسبب عدم زيارة أهله له، فعائلته تقطن بسوق أهراس، ولكن  الجهود التي تبذلها الفرقة التربوية للمركز غالبا ما تحتوي حالته ليستطيع الخروج من حالته النفسية المتوترة حيث يتم إعداد نزهات للمدينة للأحداث ما يجعله يعود  للحياة العادية بسرعة.
^ أما “جمال – س« فيمكن القول أنه حالة تمثل الضر الذي تتعرض له الطفولة في مجتمع لا يرحم،  فهوحدث في حالة خطر معنوي التحق بالمركز سنة 2004  عندما كان يبلغ من العمر الـ10 سنوات، من مواليد 1994 كان آنذاك تلميذا بالطور الابتدائي (حاليا يدرس سنة أولى ثانوي)، توفي والده وتركه وإخوته التسعة في عنق والدته التي عجزت عن إعالتهم.
عاش جمال مع أسرته ظروفا اجتماعية جد قاسية بسبب تنقلات أمه المتكررة ما أدى بها إلى إهمال أبنائها لأن الفقر المدقع وحالة البؤس التي عاشها ابناؤها زادتها مرارة وجعلتها غير مستقرة ، الوضع الذي جعله مع إخوته الثلاث في مركز إعادة التربية، المهم أن الفرقة التربوية وبعد كل اجتماع ومناقشة لحالته النفسية لاحظت تغيرا وتطورا إيجابيا  وتحسنا في حالته النفسية، فقد أصبح أكثر اندماجا وتأقلما مع المحيط ، كما ابتعد عن فكرة الهروب، وكذا تشجيعه على الدراسة والاهتمام بنفسه.
 كما حاولت الفرقة التربوية أيضا العمل على إعادة الثقة إليه فملفه المدرسي مقبول جدا،فيما أكد لنا جمال أن والدته  قلّصت من زيارتها إلى المركز بسبب البعد وكبر سنها فهي  تقطن بـ “واد الزناتي” إلى جانب الحاجة والفاقة التي منعتها من رؤيته وزيارته.
 ولكن هذا الوضع على عكس ما يبدوا يظهر جمال للجميع دائما أنه واثق في قدراته ويعتمد على نفسه ولا يحتاج للزيارات، ومن ناحية أخرى تم منحه وقتا إضافيا بالمركز من أجل إكمال دراسته رغم انتهاء مدة مكوثه.
الرعاية النفسية للأحداث الجانحين
بهدف تربية الأحداث الجانحين واستبدال دوافع الإجرام لديهم بالقيم الأخلاقية التي تحثهم على عدم الإضرار بالغير، تم تجنيد فريق من الاخصائيين في علم التربية وعلم النفس وفي هذا الصدد صرح معلم مختار رئيس المصلحة التربوية بمركز إعادة تربية الأحداث بقالمة أن هذه الفئة تحتاج إلى اهتمام من نوع خاص لاسيما من حيث التغذية والرعاية الصحية كما يحرص مسؤولو المركز حسب معلم مختار على تنظيم خرجات ترفيهية لأماكن مختلفة عبر الوطن قصد الترفيه عنهم  والتخفيف من وطأة الروتين اليومي .
^ الأهم من هذا وذاك حسب معلم مختار تجنيد فريق من الاخصائيين في التربية وعلم النفس عن طريق الانفراد بالطفل الجانح ومحاولة معرفة الأسباب التي دفعته للانحراف والجريمة، وبالتالي إيجاد الحلول المناسبة لمشكلته .
كما يعمل المركز على غرس المبادئ والقيم الدينية التي تحث على الخير وتنهى عن الشر بالإضافة إلى استئصال عوامل الانحراف لدى الحدث من خلال إلقاء الدروس والمحاضرات والمناقشات الجماعية من أجل إدماجهم وتكييفهم بعد خروجهم .
كما ينظم الاخصائيون لقاءات مع الأولياء من خلال  توجيههم وتقديم لهم نصائح عن كيفية معاملة أبنائهم بعد خروجهم من المركز .
ويتكفل المركز أيضا برعاية وحماية هذه الفئة من الناحية تمدرسهم أو تكوينهم في إحدى التخصصات المهنية، كذلك وضع برامج خاصة بالمناسبات للأحداث لمحاولة إدماجهم في الحياة والمساهمة بفعالية في المجتمع ووقايتهم من الأخطار.
وفي ذات السياق يقول معلم مختار بأن المركز يتميز بنظام داخلي ولا يفوت فرصة دون المشاركة في الأعياد الدينية والوطنية، مؤكدا أن كل الفريق العامل بالمركز مجند لمساعدة هذه الفئة من أجل خلق جو عائلي يسوده الحب والعطف والحنان بتكوين علاقات صداقة ومودة مبنية على الثقة المتبادلة بين الأحداث أنفسهم ، وبين العاملين لتهيئتهم  للاندماج في الحياة الاجتماعية .
ونوه معلم مختار لما قام به المركز من مجهودات لتمدرس الأطفال الجانحين، وذلك بإرسالهم إلى أقرب مدرسة من المركز، بالإضافة إلى محو أمية الكثير منهم .
 الأسباب والحقائق
كما كان لـ “الشعب” حديث مع نادية بن قيراط أخصائية نفسانية بالمركز أين تحدثت عن مجمل الأسباب الرئيسية المؤدية لجنوح الأحداث، حيث ترى الأخصائية أن العامل الأسري يعد السبب المباشر لما يعانيه الحدث، بالإضافة إلى تأثير البيئة الخارجية كرفقاء السوء على سلوكه وتصرفاته، وأضافت أن: “ الحدث هو ضحية ظروفه الأسرية والاقتصادية، دون أن ننسى  الصحبة السيئة، كذلك وسائل الإعلام “ كما أشارت موضحة أن الكثير من الأطفال الجانحين ينتمون إلى أسر تتمتع بسمعة طيبة، ورغم ذلك تجد أبنائها متورطين في مثل هذه القضايا، فتجدهم يسرقون دون حاجتهم  للسرقة.
 وفسرت الأخصائية النفسانية نادية بن قيراط سبب هذه الظاهرة لتأثره بالشارع وكذلك أصدقاء السوء، بالإضافة إلى نقص الرقابة من قبل الأهل فيدخل الطفل عالم الانحراف والإجرام، دون أن ننسى الأسباب الأخرى التي تتعدد بين التفكك الأسري، الانهيار المادي، الانهيار الخلقي والفقر والوسائل السمعية البصرية كلها تنعكس سلبا على الطفل. وأضافت قائلة: “ في أول مقابلة لي مع الحدث أشرح ما سأقوم به خاصة وأن القليل منهم من يستوعب تواجده بالمركز، ولاحظت الأخصائية أن هناك تغيرا في المعطيات بين سنوات التسعينات والوضع الحالي الذي يسود فيه انحراف جديد، فالطفل تجده على استعداد للانحراف دون تريث، على عكس مالا حظناه في التسعينات حيث كان الخوف يسيطر على الطفل على خلاف زماننا هذا، فقد أصبح أكثر جرأة، لهذا السبب حسب ما أضافت فاننا كأخصائيين نعمل جاهدين كل حسب اختصاصه وبفترات زمنية محددة للتواصل مع الحدث خاصة وأن هناك أطفالا لا يحق لهم التكوين بسبب عدم بلوغهم السن القانوني لتلقي تكوين، لذلك نبذل كل جهدنا لمرافقتهم حتى لا يؤدي الفراغ الذي يعيشه إلى مشاكل أخرى، وغالبا ما يكون ذلك بقيامهم بنشاطات يدوية، رياضية، أو تنظيم خرجات بصفة منتظمة.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018