مسجد عقبة بن نافع ببسكرة

معلم حضاري وثقافي... أرضية إشعاع

بسكرة: عمر بن سعيد

تتميز الجزائر بموروث حضاري كبير، تأتي في مقدمة هذه الحواضر التاريخية المهمة مدينة «سيدي عقبة»، التي يضم أديمها رفات فاتح إفريقيا الصحابي الجليل عقبة بن نافع، وكوكبة من شهداء الفتح العربي الإسلامي من أمثال أبو المهاجر دينار.
قد أقيم على ضريح الفاتح مسجد وزاوية استمت في نشر رسالة السماء إلى غاية مغادرة طلبتها والتحاقهم بصفوف ثورة التحرير، وقد خضع المسجد عبر عصور طويلة لعمليات ترميم متعددة الى غاية تحويله الى مركب ثقافي إسلامي ضخم.

البحث عن قبر عقبة

تشير الروايات والتي أكدها العلامة عبد المجيد بن حبة، أنه أثناء عملية ترميم للمسجد سنة 1799م في عهد شيخ بلدة سيدي عقبة الشيخ احمد بن الحاج بن تواتي، تم التأكد من وجود رفات عقبة بالمسجد. وتضيف الرواية أن الشيخ أحمد بلحاج عندما تقلد زمام أمور البلدة سنة 1774 قام سنة 1792 بزيارة لقسنطينة مقر البايلك ليبارك لصالح باي عودته من أداء فريضة الحج، لكن الاستقبال لم يكن كما توقعه، حيث ألقي عليه القبض وزج به في السجن بسبب مواقفه المعادية للأتراك وامتناعه عن أداء الضرائب، وبعد سنتين أطلق سراحه وعاد الى بلدته.
هذه التجربة المريرة أدخلت إلى ذهنه تساؤلات عن سبب تواجد عائلته بهذه المنطقة الصحراوية، خاصة وأن مهمة عائلته هي الاعتناء والإشراف على مقام عقبة ولأن شكوكا بدأت تستبد بفكره عن حقيقة وجود قبر عقبة، فعزم على قطع الشك باليقين، وأمر خادمه بالحفر ليلا بحجة القيام بترميمات. وتضيف الرواية أنه عزم على مغادرة البلدة في حالة عدم العثور على رفات عقبة، لكن في نهاية الحفريات عثر على نقيشة حجرية كتب عليها «هذا قبر عقبة بن نافع»، رضي الله عنه. وقد سبق للعلامة ابن خلدون أن ذكر قبر عقبة بقوله: «...وهو في عداد المزارات، بل هو أشرف مزور في بقاع الأرض لما توفر فيه من عدد الشهداء من الصحابة والتابعين».
زاوية للتعليم واللغة العربية
 شكل جامع عقبة بن نافع عبر العصور إلى قيام ثورة نوفمبر، أحد أهم المعاهد في تدريس علوم اللغة والدين. وتخرج منه عشرات العلماء من مختلف مناطق الجزائر، ومن أشهر المتخرجين المكي بن عزوز وعبد المجيد بن حبة وعمر البسكري، إضافة إلى آلاف الطلبة حفظة القرآن الكريم. وكان بحسب تصريح الباحث في التاريخ الشيخ تواتي بن المبارك، ريع المسجد يوجه لإطعام وإيواء الطلبة داخل الزاوية.
 وبعد سقوط بلدة سيدي عقبة، استعصى المسجد على قوات الاحتلال الفرنسي وعملائهم من أسرة بن قانة وبقي زاوية حرة، ولم تنجح محاولات بن قانة في الاستيلاء عليه، وبقي الوقف باسم سيدي عقبة، وانتهت مهمة التعليم به بعد مغادرة طلابه والتحاقهم بالثورة المسلحة واستشهاد عدد كبير منهم.
المسجد العتيق
يتميز المسجد العتيق ببنائه بمواد الطوب واستعمال جذوع النخيل للأسقف، ويغطي سطحه قبتان إحداهما فوق المحراب والثانية على ضريح الصحابي عقبة.
وتوجد بالمسجد تحفة فنية أثرية عبارة عن باب خشبي مصنوع من شجر الجوز، ويعود تاريخ وضعه إلى القرن الخامس الهجري، هدية من أمير المغرب المعز بن باديس والذي أمر والي طبنة سنة 438هـ بإرساله إلى مسجد سيدي عقبة.
بعض الروايات المتداولة تشير إلى تعرض الباب للسطو من طرف قطاع الطرق في ذلك الوقت، حيث استولوا على المغالق والمقابض المصنوعة من الذهب والفضة. وقد خلد هذا الباب في طابع بريدي صدر سنة 1986، بمناسبة إصدار طوابع بريدية تؤرخ لـ»أبواب المساجد العتيقة بالجزائر»، لكن يلاحظ أن هناك خطأ في تسمية الباب بكتابة العبارة التالية على الطابع: «باب سيدي عقبة، طولقة».
ميلاد فكرة المركب
في الثاني من شهر جانفي 1988 قام رئيس الجمهورية الأسبق المرحوم الشاذلي بن جديد، بزيارة خاصة لولاية بسكرة، بعد توديعه لملك بلجيكا الذي كان برفقته في منطقة الهقار، وكانت أهم محطة في زيارة الرئيس مدينة سيدي عقبة وتحديدا ضريح الفاتح عقبة بن نافع الفهري.
عند وصول الرئيس إلى المسجد، كان أول سؤال وجهه لمستقبله الشيخ تواتي بن المبارك، المكلف رسميا باستقباله ومرافقته خلال هذه الزيارة الخالية من البروتوكولات الرسمية... الرئيس طرح السؤال التالي: صحيح أن عقبة بن نافع مدفون هنا؟ وأجاب المضيف بطريقة وصلت إلى قلب وعقل الرئيس: «إن عقبة من مواليد مكة سنة 622م، لكن سيادة الرئيس لو طبقنا إعادة دفن رفات الشهداء ما كان عقبة هنا، لأنه سيعاد دفنه بمسقط رأسه في مكة».
بعد أداء الرئيس الصلاة داخل المسجد، خرج ليتيح لزوجته أداء الصلاة، وهنا جاءت فرصة بلورة الفكرة التي نشأ منها المركب الثقافي الإسلامي.
وقف الشيخ تواتي، بحسب تصريحه لجريدة «الشعب»، مخاطبا الرئيس: «اسمح لي السيد الرئيس أن أوجه تهنئة لسكان هذه المدينة على أول زيارة رئيس دولة لها، إن هذا المكان أصله زاوية مهمتها نشر رسالة السماء وذلك منذ 350 سنة إلى غاية ماي 1955، حيث غادر تلاميذ الزاوية أروقة الدراسة والتحقوا بالثورة. وبالتحاق الطلبة بجيش التحرير في 19 ماي 1956، توقفت سيدي الرئيس رسالة السماء». هناك تدخل الرئيس وبكلمات صادقة: لا نريدها أن تتوقف. فأجابه المكلف باستقباله: ابعثها سيدي الرئيس من جديد.
لم تنته زيارة الرئيس حتى ولدت فكرة بعث مشروع مركب ثقافي إسلامي في سيدي عقبة. وخلال العامين التاليين لزيارة رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد، بدأت تتجسد الفكرة وخرجت إلى الوجود في جانفي 1990 بتكوين جمعية لهذا الغرض في أعقاب اجتماع خصص لهذا الغرض ترأسه والي الولاية آنذاك «جمال بن شعبان»، وقد تهافت البعض للظفر برئاسة الجمعية.
لكن في الأخير اختير المرحوم عميد الملتقيات الوطنية الشيخ زهير الزاهري ليكون رئيسا لها، لكنه رفضها وقبل أن يكون رئيسا شرفيا. وأسندت الرئاسة الفعلية للسيد فضيل خير الدين، وتم اعتمادها وفي رصيدها 10 ملايين سنتيم قدمها رئيسها من ماله الخاص.
لكن سرعان ما بدأت الأمور تتعثر في بداية تسعينيات القرن الماضي وفشل أعضاء الجمعية في الحصول على رخصة جمع التبرعات، نتيجة الأوضاع العامة والنفق المظلم الذي بدأت البلاد تحشر فيه.
بدأت عمليات إنجاز المركب في بداية تسعينيات القرن الماضي، واستكمل تماما في في بداية العشرية الأولى للألفية، بمشروع مركزي. ويفند الشيخ تواتي أي مساعدات خارجية في تمويل المشروع، باستثناء بعض التبرعات الرمزية من أعضاء من الجالية الجزائرية في السعودية.
ويضم المركب مسجدا جامعا ومدرجا للنشاطات والمحاضرات وإقامات للضيوف، إضافة إلى عمليات ترميم للمسجد العتيق. وبحسب الشيخ تواتي، فإن أعضاء الجمعية كانوا يتمنون أن يلحق بمؤسسة الرئاسة لإعطائه قيمته الحقيقية، لكن حدث العكس وتم استغلاله كمقر لمعهد تكوين الأئمة، مما أفقده مهمته الأصلية كمعلم ثقافي وحضاري. ورغم ذلك، فإن المركب يستقبل من حين لآخر ملتقيات مهمة في مقدمتها الملتقى الدولي للفاتح عقبة بن نافع، ويشارك عادة في هذا الملتقى علماء وباحثون من مختلف البلدان العربية والإسلامية.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18532

العدد 18532

الإثنين 12 أفريل 2021
العدد 18531

العدد 18531

الأحد 11 أفريل 2021
العدد 18530

العدد 18530

السبت 10 أفريل 2021
العدد 18529

العدد 18529

الجمعة 09 أفريل 2021