«كوشة» رمضان التقليدية

طقــوس بنائــها ترسيــخ لعلاقـــة اجتماعية صلبة بين «العجوزة» و«الكنة»

استطلاع: و.ي. أعرايبي

الخدش في الذاكرة الريفية وامتدادها الشعبي القديم يستوقفنا عند طقوس بناء «الكوشة « التقليدية التي تبنى كهيكل جديد  أياما قبل دخول شهر رمضان المعظم تبركا واستعدادا له من طرف العجوزة والكنة الجديدة التي تعدّ العدة لإقامة  هذا المرفق وإعادة طلائه لطهو مادة «خبر الخمير» كما يصطلح على تسميته سكان سهل الشلف الأوسط الذين يحنون لذاك الزمن الجميل الذي اختفى تقول العجوزة «عوالي قرواني» التي تبسط سيطرتها على 3كنات كلهن جامعيات لاتعرفن من سرّ حكاية الكوشة الرمضانية إلا النزر القليل تقول محدثتنا.
رحلة المرأة الشلفية ذات الجذور الريفية مع العادات والتقاليد الرمضانية متأصلة عبر عقود من الزمن يعتبرها البعض من بين أهم المحطات في توطيد العلاقة وربط الوشائج بين «العجوزة» والكنة ( زوجة الابن التي دخلت دارا لم تألفها على حدّ قول أمامة بنت الحارث وهي توصي ابنتها لما زفت للحارث بن عوف) وتحويلها إلى عشرة ومعاشرة وتفاهم وانسجام وود واحترام كانت بدايته مشروع إنجاز» كوشة خبز الخميرالرمضانية» أو إعادة طلائها بمادة ترابية ذات اللون المائل للأصفر إستعدادا لإستقبال شهر رمضان المعظم تقول «العجوزة» عوالي كرواني المعروفة بـ «فاطمة « و التي تنحدرمن دشرة أولاد علي بوادي الفضة لما اقترنت بالمرحوم علي دحمالي .
حكايتها مع إنجاز أو طلاء «الكوشة» الرمضانية وتحضير أجود الدقيق رفقة الزوجة الجديدة أو كنتها التي دار عليها حولا كامل لا تقل من طرافة وحرص شديد من «العجوزة» لاستقبال هذا الشهرالمعظم والإحتفال بأول «رقية» (الطهو الأول الذي يزيد عدد خبزاته عن 5وحدات) يتمّ طهيوها بحضور أفراد العائلة من النساء والبنات وهذا قبل الآذان بحوالي نصف ساعة تقول خالتي عوالي بلهفة الحنين إلى تلك اللحظات التي لازالت تذكرها أثناء إنجاز أول» كوشة» ببيت أخيها بودربالة بأولاد علي المنطقة التي لم يبق منها إلا أحجار أثار البيت القديم المحاذي لمنطقة الصفاح والتي حول الأن إلى محجرة للحصى ومادة الرمل تشير محدثتنا التي أعادت تفاصيل إنجازها بمراحل طقوسية ليتها لو بقيت مع هذا العمر الذي تغيرت أحواله ونمط عيشه حتى مع الاستعدادات لهذا الشهر تضيف خالتي عوالي .
«كوشة رمضان» ... التحضير والإنجاز
اختفاء عادة انجاز كوشة رمضان بالكيفية والمناسبة والأفراد الذين يشاركون في العملية محطة تستوقف خالتي عوالي التي أعادت شريط الذكريات للزمن الجميل رغم الظروف المعيشية الصعبة التي من كانت ايامها جميلة على حدّ قولها  رغم الفرق الشاسع بين المعيشتين والتطور المتسارع في الوسائل والإمكانيات ونمط العيش الذي لن ينسينا موروثنا وعاداتنا وتقاليدنا ،تضيف محدثتنا التي أوضحت أن تحضير وإختيارمكان «الكوشة» الذي يكون بعيدا بحوالي 15مترا من مدخل غرف النوم داخل الفناء الواسع مسألة مهمة ،تفاديا لتسرب الدخان إلى الغرف ، حيث ترتفع قاعدتها الحجرية الملفوفة بالوحل المتبن ( تبن) بحو 50سنتيمترا عن سطح الأرض أي على أسفل حوض المرأة حتى يساعدها على الإنحناء لوضع وحدة خبز الخمير بدون عناء،على أن يكون اليوم الموالي من عملية الإنجاز مرحلة وضع التبن القصبي غير المدروس بطريقة التبن العادي الذي قدم شتاء للحيوانات تقول خالتي العوالي المحاطة بكناتها حنان وصفية وسهام وكلهن جامعيات يتعلمن باب الحكمة والتسيير ورعاية الأسرة ، على أن يتم رش هرم الكوشة التي تتخذ صورة أهرامات مصر الدائرية المنخورة من الداخل،لتنتقل العجوزة رفقة كنتها الجديدة التي تحاول اظهار شطارتها ومعاونتها لها إلى إعداد الوحل الممزوج بالتبن المدروس بالطريقة العادية ليشكل شبه عجينة طيعة ومرنة ووضع بطريقة حلزونية دائرية من الأسفل إلى الأعلى، تتسع في القاعدة وتضيق عند مخرج الدخان بعدما تمّ وضع مخرجين للتنفس والباب الرئيسي للكوشة التي يطلق عليها بـ «الكوشة الرمضانية» تستطرد خالتي عوالي قائلة.
ولتجميل الصورة الخارجية لكوشة رمضان ، تلجأ العجوزة رفقة كنتها إلى اتحضير تربة من نوع «البياضة» ذات اللون المائل للصفرة لتكون مادة لزجة براقة تطلي وجهها الخارجي بهذه المادة إبتهاجا بقدوم هذا الشهر التي يجدد فيه الإنسان المسلم علاقته مع الله والناس جميعا ، لتنتهي عملية الإنجاز في اليوم نفسه تقول خالتي عوالي، ليكون اليوم الثالث قبل حول شهر رمضان بيوم واحد أو يومين مرحلة أخرى بإشعال الكوشة قصد التخلص من تبنها الذي شكل هندستها وصورتها الدائرية ذات الطابع الهرمي،وعند انتهاء عملية الحرق لكل مكونات التبن تكون العجوزة رفقة كنتها قد أنجزت هيكلا تراه العائلة معلما يزين البيت العائلي  على حدّ قول يمينة القاطنة بمنطقة كوان والتي لها علاقة حميمية مع الكوشة كلما انتقلت إلى مسقط رأسها بوادي السلي بالمخرج الغربي لعاصمة الولاية ، فعندما تصل الى هناك إلا وعادت إلى ممارسة طهي خبر الخمير باستعمال الكوشة التي دأبت على طلائها بالبياضة تبركا برمضان والفرحة باستقباله كون منزلها الحالي قد تخلى عن ممارسة هذا التقليد والعادات منذ أن توفيت العجوزة أم الخير رحمة الله عليها حسب وقولها.
محبة رمضان وأجوائه تلقي بضلالها على محبة العجوزة لكنّتها بالدشرة

إذا كانت المدارس السيكولوجية والنفسية ترى أن تطبيع العلاقات وتمتينها وخلق روح التفاهم لا يكون إلا من خلال الممارسة والتشارك في النشاط والمعاشرة  التي هي من الحلقات المؤدية إلى التفاهم و الانسجام والوصول إلى كسب ودّ الآخر الذي يقاسمه المكان والزمان ، هي من إحدى العوامل الناجحة والناجعة لزرع أنواع الحب والتآخي والتعايش الذي يحقّق مصلحة الطرفين اللذين اجتمعا في أول انجاز يحقّق لقمة العيش لأفراد العائلة ، تمّ تسميته بـ « كوشة رمضان» باعتبار موعد بنائها كان قبيلة رمضان. لكم مع الأسف الشديد والمرارة تقول خالتي عوالي أن هذا التقليد الرمضاني يسير نحو الزوال لدى الأسر الشلفية ، أمام زحف المخبزة الصناعية التي يتزاحم عليها يوميا سكان الريف والمدينة على حدّ سواء لاقتناء مادة الخبز والتي عادة ما ترمى بقاياها في اليوم الموالي من رمضان .
فهل من مصلحة الزوجة الجديدة (الكنة) العودة لهذا التقليد الضارب الجذور حتى يتسنى لها قذف قيم الحب والتفاهم والإنسجام في قلب العجوزة التي ترى في من يشاركها في كوشة رمضان قد ضمنت له قصرا من العز والود في قلبها، فمتى تعود «كوشة «رمضان لتعويض ما عجز عنه المختصون النفسانيون في تحقيق التقارب بين الكنة  و العجوزة،  إلى أن يعود خبز «كوشة» رمضان التقليدية حلقة ستؤسس لعلاقة قوية بين أفراد العائلة، خاصة بين طرفين اثنين لهما الفضل في الاستقرار من عدمه، يبقى الحنين للعادة التي اختفت هاجسا ومطلبا تتشوق له النفوس لاستعادة ماضي نسيجنا الاجتماعي عبر المحطات الروحية كرمضان المعظم؟؟.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17816

العدد 17816

الأحد 09 ديسمبر 2018
العدد 17815

العدد 17815

السبت 08 ديسمبر 2018
العدد 17814

العدد 17814

الجمعة 07 ديسمبر 2018
العدد 17813

العدد 17813

الأربعاء 05 ديسمبر 2018