زهرة فاسي:

تجربــــة مهنيــــة تفـــوق 30 سنــــة كـــان فيهـــا التّعلـــيم مرادفـــا للتّضحيـــة

فتيحة. ك

تعتبر من الأسماء القليلة التي تركت بصمتها في قطاع التربية والتعليم، الذي غطست في أعماقه لتكون من مناضلات ومكافحات من أجل تربية وتعليم يتماشيان جنبا إلى جنب لأنها المعادلة التركيبة السحرية لصناعة أجيال تبني وتشيد ومسئولة أمام التاريخ والوطن. هي زهرة فاسي...أستاذة زاوجت بين كلمة مُعلم وتضحية حتى جعلت تلك مرادفة لتلك وطوال ثلاثون سنة من العمل الدائم، استطاعت تكوين أساتذة هم اليوم من أفضل الخبرات المهنية في قطاعها.
بدأت زهرة فاسي مشوارها التعليمي كأستاذة في المعهد التكنولوجي محمد بن رحّال لتكوين المعلمين برغاية سنة 1986، أين عكفت على إعطاء معلمي المستقبل أفضل الطرق للتعامل مع التلاميذ والسبل السليمة لترسيخ المعلومة في أذهانهم، ولكن قبل ذلك وذاك علّمتهم كيف يجعلون من هؤلاء الصغار واعون بالمسئولية الملقاة على عاتقهم من أجل بناء المستقبل، كما درّست أقسام الثالثة ثانوية الموجودة في نفس المعهد.
قالت إنّ مهنة التعليم في تلك الفترة كانت شريفة تحمل هذا الأمر مبنًا ومعناً ومحتوً، فعندما كانت تبدأ في إلقاء دروسها تنسى أنها تتلقى راتبا شهريا عما تقوم به، كان الأمر بالنسبة لها محصورا في شيء واحد هو أداء واجبها على أكمل وجه، وما عدا ذلك لا يعنيها، أما علاقتها مع تلاميذها فشبّهتها بعلاقة الأم بأبنائها، وكانت تفضّل أن تكون والدة على أن تكون الأستاذة الملقّنة، وقبل بدء الدرس تتحدّث إلى أبنائها في القسم لمدة خمس دقائق بلغة الأم حتى تغرس روح المسئولية فيهم وكذا الغيرة على مستقبلهم، ما جعل زهرة فاسي تعيش داخل قلوبهم لا خارجها.
كانت الفترة الممتدة بين 1986 و1996 مليئة بالمثابرة والعمل المتفاني، ولكن في 1996 أغلقت المعاهد التكنولوجية لتكوين الأساتذة الخطوة التي اعتبرتها الأستاذة فاسي ضربة موجعة لقطاع التربية والتعليم والحلقة المفقودة لأنها كانت تمنح المقبل على مهنة التعليم الأدوات البيداغوجية في كيفية التعامل مع التلاميذ.
درَّست بعدها لمدة سنتين في ثانوية دراوي ببومرداس أين اختار لها مديرها الأقسام المعروفة بسلوكياتها العنيفة، والحمد لله استطاعت أن تروض جموح طلابها وتوجّه طاقتهم نحو الدراسة والعمل بجد ليصبحوا مع مرور الأيام المثل الأعلى في الثانوية، وكان بالنسبة لها رهانا كسبته بجدارة عالية.
في سنة 2000 أدمجت مع باقي الأساتذة المكونين كمفتشين في طور المتوسط، ولأنها تحمل في داخلها ضميرا حيا عملت على الحصول على شهادة ليسانس في اللغة العربية لتكون جديرة بمنصب مفتشة تربية في اللغة العربية لأنها خريجة علم النفس الاجتماعي. كان أول تعيين لها في ولاية تيزي وزو التي حذرها الكثيرون من صعوبة التعامل معهم هناك، خاصة وأنها مفتشة اللغة العربية، ولكن حفاوة الاستقبال والاحترام الذي وجدته هناك جعلاها تقتنع أن الحزازات التي يتكلم عنها هنا وهناك غير موجودة في الواقع فالكل أخوة، وبعد ثلاث سنوات قضتها هناك انتقلت إلى العاصمة ورغم احتجاج السكان أمام مديرية التربية بولاية تيزي وزوولكن الأمر كان محسوما خاصة بعد تعرضها لحادث مرور بسبب تعب التنقل اليومي بين الولايتين، لم يثنها عن القدوم في الغد لترسيم أحد الأساتذة.   
من 2005 إلى 2014 عملت مفتشة بمديرية التربية لشرق العاصمة، وهناك صادفت الفساد العام وجعلها تعمل لوحدها في عزل لأنّها لا تستطيع تقبل الالتواءات التي كانت تتعامل بها الإدارة هناك، وذاقت فيها الأمرين ولكن مع قدوم الوزير بابا احمد وبعده نورية بن غبريت اختلف الأمر، أعلنت حربا شرسة على الفساد والرشوة والجهوية التي كانت تضرب أطنابها في القطاع، وهو السبب الحقيقي الذي جعل الوزيرة تتعرض لهجمات شرسة من أولئك الذين يريدون إعادة الفساد ونهب المال العام ومال المطاعم المدرسية وكذا المنشآت والكتب المدرسية، ولكن هيهات أن يتحقق لهم ذلك.
في نهاية حديثها إلى «الشعب» عبّرت عن امتنانها وسعادتها بتلك المرحلة الذهبية التي كاد فيها المعلم أن يكون رسولا، وقالت إنّها عملت في مختلف المراحل التي مر بها قطاع التربية والعليم كان فيها رجال ونساء أوفياء، عملت في حقبة الرداءة التي ناضلت للتخلص منها ومحوها، وهي متفائلة بما يقدمه القطاع اليوم.
وفي الأخير قدّمت نصيحة لكل معلم ولكل أستاذ بأن يكون مجاهدا مناضلا حقيقيا في قسمه، يدافع عن السّلام واللغة العربية ومبادئنا الثورية حتى نخلق أشباه عبد الحميد بن باديس في مدارسنا.   

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17754

العدد 17754

الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018