هكذا يحتفل سكان الأوراس برأس السنة الأمازيغية

”أمنزو نسقاس” بالأوراس فرصة لاستحضار عبق الماضي والتفاؤل بمستقبل أخضر

باتنة: لموشي حمزة

عكس كل سنة يحتفل سكان الاوراس على غرار كل الجزائريين هذا العام  برأس السنة الأمازيغية ينّاير”امنزو نسقاس”، بطريقة مليئة بالسعادة والفرح مختلفة كثيرة بعد ترسيم اليوم كعيد وطني وعطلة للجزائريين، وهو القرار التاريخي والجريء الذي بادر إليه رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة لتدعيم اللحمة الوطنية وتعزيز الهوية الثقافية والتاريخية والاجتماعية للجزائريين، بعد ترسيم اللغة الأمازيغية وترقيتها إلى لغة رسمية و دسترتها سنة 2016.
لعيد “ينّاير” بالاوراس رمزية كبيرة، حيث يحتفل به الأوراسيون بطقوس كانت وما تزال ضاربة في عمق حضارة الأمازيغ تتجسد بعديد الأنشطة الثقافية والفلكلورية المتنوعة، وكذا معارض الصور والألبسة التقليدية والمحاضرات للتعريف بالموروث التاريخي والثقافي للحضارة الأمازيغية التي ما تزال شامخة.
لا يكاد يخلو بيت من بيوت الأوراس من “رائحة وطعم” ينّاير ،حيث يحمل  الاحتفال بـ«أمنزو نسقاس”، في مضامينه “قصصا وحكايات”  للتفاؤل بسنة خضراء و خصبة رغم اختلاف العادات من منطقة لأخرى بولاية باتنة إلا أن المغزى والهدف واحد وهو الحفاظ على “حضارات وتاريخ الأجداد”.
يعود تاريخ الاحتفال بيناير إلى 950 سنة خلت قبل الميلاد، حيث أنشأت الحضارة الأمازيغية رزنامتها الخاصة باعتمادها بداية التاريخ الأمازيغي، أما عن معنى كلمة “ينّاير” فهي تنقسم إلى شقين، الأول “ينا” ويعني الفاتح، والثاني “ير” ويعني الشهر، ليتشكل بذلك معنى الفاتح من الشهر، فرغم مرور أكثر من 2900 سنة من انتصار الزعيم الأمازيغي شيشناق على رمسيس الثاني، فرعون مصر، إلا أن سكان منطقة الأوراس كغيرهم من الجزائريين لا زالوا يفتخرون بهذه الملحمة التاريخية التي رسخت في أذهانهم وتحكي تاريخا عريقا للأمازيغ الأحرار.

الشرشم.. ثاروايث والكسكسي...أطباق تحكي التاريخ

ويتجسد الاحتفال بـ«ينّاير” بتنظيم موائد غداء وعشاء تجتمع حولها العائلات والأقارب والجيران في أجواء اجتماعية وروحانية تعكس التلاحم والتكافل والتضامن بين سكان الأوراس، حيث كانت النسوة قديما حسب ما رصدته جريدة”الشعب” خلال لقائنا بعدة نساء بتنظيف الموقد وتشغيله تيمناً بحلول بركة العام الجديد، إضافة إلى ملء الأواني بالماء في ليلة رأس السنة الأمازيغية وفي هذا تعبير على الخصوبة والنماء والحياة، كما أكدته لنا الحاجة “عقيلة” ، والتي أشارت إلى أهمية وحرص نساء الأوراس قديما وإلى غاية اليوم بتحضير عدة أطباق لها رمزية خاصة على غرار “إيرشمن”، وهي مادة من القمح تغلى بماء ساخن وتترك ليلة كاملة لينتفخ القمح وفي الصباح الباكر، تضاف إليها حبات الحمص  وهناك من يضيف لها الذرة المجففة، ويضاف إليه العسل ويزين أحيانا ببعض الفواكه المجففة ويوزع على الجيران.
كما يعتبر طبق “البربوشة” المعروفة بالكسكسى، من بين أهم أطباق أول أيام “ينّاير” إضافة إلى إعداد طبق يسمى بالشاوية “ثاروايث” وتسند مهمة إعداده لكبيرة السن في العائلة ويتكون من طماطم وبصل تضاف إليه كمية قليلة من الدقيق،تضاف لها بعد طهيها كمية من السمن أو الدهان وهذه الأكلة تراجعت نوعا ما في السنوات الأخيرة بعد أن هجرتها النساء في المدن الكبرى.

طقوس تستحضر عبق حضارة الأمازيغ

وعند الظهيرة تخرج النساء خاصة في القرى والمشاتي على غرار”أريس”، “إشمول”، “مروانة”، “اينوغيسن”، “تكوت” و«بوزينة”، “لارباع” و«ثنية العابد”....و غيرها في مجموعات بصحبة أبنائهن خاصة الصغار في اتجاه الحقول و البساتين وكذا الغابات ومختلف المناطق الجبلية لإحضار مختلف أنواع الأعشاب الخضراء و جمعها تفاؤلا بعام فلاحي جديد و ناجح واخضر يتم فيه ضمان “الأمن الغذائي” للعائلات وسكان القرى والأرياف.
وقديما تؤكد الحاجة “فتيحة” أنها كانت رفقة جارتها  تحضرن مجموعة من الحجرات الصغيرة بشرط أن تكون بعدد أبناء عائلتها و تطلى بالسمن أو “الدهان” وتوضع بعدها على النار  وتترك  إلى غاية أن تسود بشكل كبير وفي ذلك تفاؤل بدخول الفرح للمنزل  وتنظيمه لعرس بزواج  احد الأولاد في ذلك العام، كما يتم غزل الصوف ووضعه في المفاصل التي بها ألام ، حيث يعتقد الأوراسيون قديما بأن ذلك مزيل للألم وعلاج حقيقي لألام لتتزين النسوة في بداية اليوم  بالسواك والكحل بعد استيقاظهن باكرا في دلالة على النشاط والحيوية لإستقبال العام الجديد.
وقبل ذلك تتعاون النسوة لإنهاء النسيج القائم “ازطا” و كل  أشغال حياكة المفروشات و الزرابي و بنسيج الأزياء التقليدية على غرار القشابية و«ثاملايث” او “احنبل” وغيرها، قبل دخول السنة الجديدة درءا لأي شؤم كما وتستغل الفرصة لمباركة الأطفال بوضع أساور من الصوف بأيديهم لضمان تربيتهم و نشأتهم في جو من الحيوية والصحة والعافية.
وتؤكد المراجع التاريخية بأن السنة الأمازيغية بدأت كسنة فلاحيه بالدرجة الأولى، كنثر القمح المطبوخ في البساتين للتقرب من الطبيعة لتكون السنة ممطرة وخضراء والبساتين وفيرة المحاصيل والتبرك بالحشيش الذي يوضع على مداخل البيوت، لإبعاد هواجس ومخاوف الجوع والشؤم و الشر.
ومن العادات الأخرى السائدة في منطقة الأوراس، حلق شعر المولود الذي يبلغ سنة من العمر عند حلول هذه المناسبة، حيث تخصص له أجمل الثياب ليوضع داخل قصعة كبيرة تدور حوله النساء من أقاربه لترمى فوقه امرأة متقدمة في السن مزيجا من الحلويات والمكسرات والسكر والبيض ليكون مستقبله زاهرا ويزق بالذرية الكثيرة التي تحمل اسمه وتخلد.

لعبة “ثي عشان” و«ثاكورث” للمتعة والتسلية

كما يكون للعب والمرح والمتعة والتسلية نصيب من احتفالات “ينّاير” بالأوراس حيث تتصدر لعبة “ثي عشان” أو “ثاعشونت” أو لعبة التمرن على الأسرة من طرف الأطفال الصغار أولويات أمسيات الاحتفال بـ«ينّاير” وتلق إقبالا كبيرا عليها من طرف الآباء والأمهات مع أبنائهم حيث كانت هذه اللعبة  شائعة منذ القدم بالمنطقة تهدف إلى تلقين روح المسؤولية للطفل الصغير سواء ذكر أو أنثى لتعويده على الاعتماد على نفسه وتحمل المسؤولية فيتكلف الأم ابنتها الصغيرة بتنظيف المنزل مثلا وطبخ طبق صغير أيا كان مع القيام ببعض الأعمال المنزلية الأخرى الخفيفة في الوقت الذي يحرص الأب على جعل ابنه يعمل خارجا لاسيما بعض الأعمال الفلاحية والسقي والرعي وغيرها .
ويستحضر عمي “محمد” احد أهم مظاهر “ايخف نسقاس” والمتمثل في لعبة  “ثاكورث” ، وهي أشهر الألعاب الشعبية الأوراسية والتي تشبه، إلى حد بعيد، لعبة الهوكي الأمريكية، حيث تقوم  النساء بهذه المنطقة بجلب مادة الحلفاء المعروفة بالشاوية بـ«أري” ، وبعد  ظفرها مع قليل من شمع العسل، تتحول إلى كرة تستعمل في لعبة “ثاكورث”، والتي يشارك فيها  فريقان فقط  متساويين تكونان من 8 إلى 9 أعضاء من النساء أو الرجال ،ويتم الاتفاق على شروط اللعبة  وفق قواعد معينة، ويدير  شخص يختار كحكم برضى الجميع، غالبا ما يكون شيخا أو عجوزا لتوفر عنصر الوقار والحكم والعدل فيه  لأن هدف الجميع من اللعبة التقليدية ، هو المتعة والابتهاج والتسامح .

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17773

العدد 17773

الأربعاء 17 أكتوير 2018
العدد 17772

العدد 17772

الثلاثاء 16 أكتوير 2018
العدد 17771

العدد 17771

الإثنين 15 أكتوير 2018
العدد 17770

العدد 17770

الأحد 14 أكتوير 2018