الشاذلي دافع على حرية الصحافة وكسر طابوهات

سعيد بن عياد

كان الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد الذي وافته المنية يوم السبت ٠٦ أكتوبر ٢٠١٢ مواظبا على  افتتاح السنة القضائية في موعدها. وفي عهده أنجز مقر المحكمة العليا الحالي ليكون دار القضاء العالي حيث الحاجة للاجتهاد القضائي أمر مطلوب ولا ينتهي على مسار بناء دولة القانون والمؤسسات.
ولع من ابرز تلك المواعيد تلك التي جرت سنتي ١٩٩٠ و١٩٩١ وكانت حينها أحداث قوية ومتسارعة تجري على الأرض سواء على الصعيد الدولي جراء غزو العراق للكويت في ٢ أوت ١٩٩٠ وتداعيات تلك الأحداث العنيفة عربيا وإقليميا، أو على الساحة الوطنية في خريف ١٩٩١ حين جرت الانتخابات التشريعية التعددية وما تمخض عن الدور الأول منها وتطورات الخطاب الانتخابي عشية الدور الثاني ما أدى إلى حالة من اللااستقرار تلوح في الأفق بكل تداعياتها وسط انزلاق الأمور إلى ما لا يحمد عقباه.
كانت أزمة احتلال العراق في ظل الراحل صدام حسين للكويت جرحا عربيا عميقا ولم يكن بالإمكان أن تبقى الجزائر تتفرج في ظل انعكاس تلك الأزمة العنيفة على المشهد الإعلامي الوطني الذي ولد من رحم مخاض داخلي أثمر التعددية وحرية الإعلام وقد وجدت حرية التعبير حينها مساحة كبيرة. ولدى إلقائه خطاب افتتاح السنة القضائية لسنة ١٩٩٠ كشف الرئيس الشاذلي بلسان القاضي الأول انه كان يتلقى شكاوي لا تنتهي من قادة الدول الخليجية آنذاك يشكون فيها الإعلام الجزائري  لما اعتبروه مناصرة للعراق. وعلق الرئيس بابتسامة أمام الأسرة القضائية انه لا يمكنه التدخل في عمل الجرائد ووسائل الإعلام كونه يؤمن عن  قناعة بحرية التعبير التي كرسها دستور ١٩٨٩ لكنه دعا إلى التزام الموضوعية في معالجة القضايا. وأبدى حرصا على أن يذهب مسار حرية الصحافة الناشئ إلى ابعد حد رافضا أن يروض خاصة من أي نفوذ خارجي ووجه نداء إلى أسرة الصحافة برمتها يدعو فيها إلى توخي الاحترافية إلى درجة انه قال بالنسبة إلي إذا دخل صحافي مكتب مسؤول وعثر على وثيقة تهتم الرأي العام أشجعه على أخذها ونشرها فالمهم أن يكون لديه الدليل على ما يكتب. ولم تكن الصحافة حينها مهادنة بل قطعت مرحلة جد متقدمة في نشر الملفات وكسر الطابوهات الإعلامية وسط ترحيب البعض وسخط البعض الآخر بفعل التدفق القوي لحرية التعبير وارتباطها بصراعات المصالح ومراكز النفوذ.
لمن في السنة الموالية ١٩٩١ دخل الشاذلي القاعة الكبرى للمحكمة العليا ووجهه مكفهرا يعكس أن على قلبه هموم ثقيلة وان الرجل وسط دوامة عاصفة. وفي ذلك الموعد القضائي لإعلان بداية السنة الجديدة وخلافا لتقاليد المحطة لم يلق الشاذلي خطابه واكتفى بالحضور فقط. كانت الجزائر حينها على صفيح ساخن للانتخابات التشريعية التي كان من المفروض أن تجرى في جوان السابق لكنها تأجلت تحت ضغوط الساحة وغياب تصور واضح للمستقبل بسبب مراجعة نظام تقسيم الدوائر الانتخابية ليخرج تقسيم غريب دفع بالمسار الانتخابي إلى الجحيم. كان تفضيله عدم إلقاء خطابه ذلك اليوم ربما تعبير عن حزن عميق لما وصلت إليه البلاد التي ما أن انتعشت بالديمقراطية حتى كادت أن توصلها هذه الأخيرة إلى نفق مظلم من جديد وحصل بعدها ما حصل.
كان واضحا يومها انه يتحمل ثقلا هائلا لازمة جارفة للديمقراطية بعد أن تمادى أكثر من طرف حزبي وسياسي خاصة ممن احتلوا الميادين والساحات فافسدوا العرس ودفعوا بالآمال المشروعة إلى الهاوية انجر عنها فصل لعشرية كاملة من الدماء لا يعتقد أن أحدا من المخلصين وهو معهم يتمناها في بلد ناشئ لا يزال بفضل الأوفياء له يشق طريقه وسط تحديات أخرى تقتضي الالتفاف حول إرادة واحدة للتحدي ورفض الانكسار تماما مثلما التف جيل نوفمبر وأجيال البناء والتشييد حول استرجاع الحرية والكرامة والعدالة وردع الفساد آفة التنمية.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018