مكافحة الفساد تشمل جميع الأموال والممتلكات

صفقات وعقود مشبوهة وإدارات في مواجهة القضاء

سعيد بن عياد

لا تقتصر الثروات المنهوبة من طرف عصابة الفساد وأذنابها على السيولة المالية فقط، وإنما تشمل وبشكل مثير أملاكا عمومية في شكل عقارات مختلفة تعرضت في لحظة من الزمن، للتفريط من جهات إدارية أو التحويل لملكية أشخاص نافذين أو أدواتهم في الجريمة بموجب عقود وصفقات تشوبها عيوب أو بطريقة  استحواذ مباشر خارج القانون.
طيلة عشريات كاملة تعرض المال العام، خارج جرائم تضخيم الفواتير ونهب الخزينة وتبديد مقدرات الأمة، لاعتداءات تمت في صمت وداخل مكاتب مغلقة وتواطؤ جهات عديدة، منها من تورط مباشرة ومنها من انهزم أمام النفوذ والابتزاز ومنها من كانت ضحية خيانة من ائتمنته الدولة على المال العام.
وزير العدل حافظ الأختام الجديد كان واضحا لدى تنصيب رئيسة مجلس الدولة، حينما حذّر المعنيين في مؤسسات إدارية، اقتصادية ومرافق عامة تعرضت أملاكها للفساد سواء بالتنازل بالدينار الرمزي عن عقارات لها قيمة مرتفعة في السوق أو بيع ممتلكات بأسعار زهيدة مطالبا بأن يبادروا بتحريك الدعاوى القضائية لإعادة تصحيح وضعيات غير سليمة ألحقت ضررا كبيرا بالمال العام.
حقيقة هناك عمل كبير ينتظر تلك الجهات التي إذا لم تتحرك تصنف بالتأكيد في خانة المتواطئ والشريك في جرائم الفساد سواء بالتستر أو الإهمال، وهي أعمال وتصرفات يعاقب عليها القانون، في وقت لم يعد هناك مجال لاستمرار حالة لامبالاة فاقت كل تصور حتى أتت على ثروات لها ثقلها في السوق، خاصة ما يتعلق بالعقار والتنازل عن وسائل انجاز مؤسسات عمومية تمت خوصصتها في التسعينات.
ينتظر أن يلعب القضاء الإداري تحت قيادة رئيسة مجلس الدولة الجديدة دورا بارزا في التصدي لجرائم الفساد التي تورطت فيها جهات إدارية على المستويين المحلي والمركزي، خاصة ما يتعلق بالعقار الصناعي والسكني والفلاحي والسياحي، حيث تعرضت أملاك وثروات لاعتداءات ضمن عمليات استثمارية شكلية تخفي تلاعبات إجرامية واضحة المعالم وتقع تحت طائلة مسار مكافحة الفساد.
الكرة الآن في ملعب الجهات الإدارية المعنية من ولايات وبلديات ووزارات ومرافق الى جانب مؤسسات ومجمعات اقتصادية لتبادر باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة التي تطلق مسار إعادة تصحيح وضعيات بيع أو تأجير وتنازل، تبين أن لها كلفة مالية باهظة لا يحتملها الوضع الراهن، وذلك بالإسراع في ضبط آليات التوجه إلى القضاء الإداري المختص للمطالبة باسترجاع حقوق أو إعادة تقييمها وفقا لمعايير السوق الحقيقية.
في هذا الصدد، ليس جديدا ما يعلمه العام والخاص من أن ممتلكات عمومية جرى الاستحواذ عليه من طرف جماعات المصالح وأفراد العصابة بالدينار الرمزي تعرضت للبيع مجددا في عمليات مضاربة بأثمان مضاعفة أكثر من عشر مرات وأزيد، وهي من ضمن ما يجب أن يشمله تصحيح الوضع، ويضع إدارات أملاك الدولة خاصة في واجهة المشهد، من حيث التزامها بالدفاع عن المال العام وتتبع آثاره قصد استرجاع ما ضاع منه في سوق المضاربة التي حان وقت قطع أذنابها.
يؤكد هذا التوجه الذي يرسم معالم مكافحة الفساد أن العملية ليست ظرفية وإنما تندرج ضمن خيار استراتيجي شامل يضع مصلحة الأجيال في قلب التحولات الجارية والتي من شأنها الدفع بالحوار السياسي إلى مخرج توافقي يقود إلى انتخابات رئاسية تعكس الإرادة الشعبية أن يعزّز مسار إعادة البناء بكل جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل عولمة شرسة لا تترك فرصة النهوض مجدّدا لمجتمعات لا تدرك التحديات المصيرية.
إن مكافحة الفساد هو بمثابة «تلقيح» للجهاز الإداري والاقتصادي بجميع قطاعاته وفروعه، بما فيها البنوك والمرافق التي تسير أموال الدولة على كافة المستويات، وذلك بالتصدي وفقا للقانون وفي ظل الشفافية لكافة الجرائم التي تمت تحت غطاء صفقات أو عمليات احتيالية استفاد أصحابها من نفوذ، تواطؤ أو شراكة إجرامية على حساب المال العام بمختلف أشكاله.
لأن جرائم الفساد لا تسقط بالتقادم، ويخشى المتورطون فيها الوضوح والاستقرار، يحق للمجموعة الوطنية السعي والمطالبة باسترجاع ثرواتها عن طريق القضاء، ذلك أنها تدخل في صلب الأمن الاقتصادي والمالي الذي يمثل لبلادنا تحديا مصيريا يمكن أن يتم رفعه إذا تظافرت جهود كافة الشركاء الذين لديهم قناعة راسخة بأن مصلحة الجزائر اكبر بكثير من مصلحة الأشخاص.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18050

العدد 18050

الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
العدد 18049

العدد 18049

الإثنين 16 سبتمبر 2019
العدد 18048

العدد 18048

الأحد 15 سبتمبر 2019
العدد 18047

العدد 18047

السبت 14 سبتمبر 2019