الاقتصاد وعالم الشغل في عين إعصار الأخبار المفبركة

سعيد بن عياد

لا يفلت الفضاء الاقتصادي بجميع فروعه من هجمة الأخبار الوهمية، الكاذبة والمزورة، حيث تتحمل الأسواق والمؤسسات ومن خلاله كل المنظومة الاقتصادية، الإنتاجية والمالية والتجارية عبء المضاربة الإعلامية، ما يستوجب من هذه الأطراف الانتباه إلى تداعيات ذلك، حفاظا على السمعة والمركز وتأمين ديمومة التواجد في الساحة محليا وعالميا.
كان في الماضي الصراع حول امتلاك المعلومة الاقتصادية انطلاقا من قاعدة من يملكها يملك القرار في حسم الصفقات والسيطرة على السوق، غير أنه تبيّن في السنوات الأخيرة، وفي ظل انتشار وسائط تكنولوجيات الاتصال التي خرجت عن السيطرة وتجاوز مداها الحدود، تغلغل ممارسة الأخبار الوهمية في الوسط الاقتصادي بحيث يستهدف من وراءها تحقيق مصالح إستراتيجية حتى أنها تهدد الأمن الشامل للبلدان الناشئة.
لم تنج الجزائر من هذا الخطر المبرمج حيث كانت في كل مرة تبلغ فيها مدى متقدما على طريق النمو تتلقى هجمات عبر نشر أخبار مزيفة وأخرى مفبركة تقود إلى إشاعة التشكيك ونشر الريبة في مختلف الأوساط المعنية بعالم الاستثمار والإنتاج وتحقيق الثروة للمجموعة الوطنية، خاصة في وقت الأزمات كما هوالحال اليوم بفعل تراجع الإيرادات من المحروقات مقابل ارتفاع الاحتياجات الخاصة بالتنمية وتلبية الطلب في السوق.
آخر ابتكارات الأخبار المغلوطة التي أثارت الرأي العام أدخلته في دوامة، ما يتعلق بمشروع تعديل قانون المحروقات ونظام التقاعد، حيث انتشرت بسرعة البرق، عبر شبكات التواصل الاجتماعي التقطتها وسائط إعلامية متنوعة أخرى، معلومات تخص تفاصيل وجزئيات تثير المتلقي وتستفزه مما يغذي حالة الغضب ويعيق مسار إعادة بناء الثقة، للانطلاق في مواجهة تداعيات الأزمة بحلول اقتصادية واضحة ترتكز على المبادرة في العمل وإنتاج القيمة المضافة.
مضامين غير دقيقة خيّمت على المشهد، في وقت لم تواكب فيه المصادر المعنية درجة الخطر التي تنجم عن كبح تقديم المعلومة النظيفة أوتعطيل مسارها على مستوى قنوات الاتصال المختلفة، وظهر أنه كلما ارتفع مستوى التردد والتكتم  وجدت الأطراف الأخرى المناوئة الفجوة لتمرير رسائل سلبية معاكسة تستلزم إعادة ترتيب الأوراق ومراجعة المناهج المتبعة، بكل ما ينجر عنه من تكاليف وأعباء ونقص في الربح.
ليس هناك من صدمة تصيب المنظومة الاقتصادية مثل استهداف مكونات العمود الفقري للأمن الاقتصادي والاجتماعي وأبرزها مصدر الموارد المالية بالعملة الصعبة والاستقرار في عالم الشغل، ويتعلق الأمر بقانون المحروقات الذي يرتبط براهن ومستقبل تمويل الاحتياجات الأساسية المعيشية والتنموية للمجموعة الوطنية والتقاعد الذي يمثل آخر العنقود للمسار المهني، بحيث  يرتبط مباشرة بالهدوء والاستقرار اللذين يعززان الإنتاج والمردودية.
حقيقة بسبب تقاعس المصدر وتأخر صاحب المعلومة الدقيقة التي يستوجب نشرها، تجد الأخبار الوهمية التربة المناسبة للنمو والانتشار والتأثير في المشهد على الأقل من باب التشويش على الرأي العام وتوسيع نطاق التشاؤم، بل أيضا الرفع من وتيرة تثبيط العزائم وكسر اتجاه الأمل، فيما تجد الجهات المنافسة أوالتي تسعى للهيمنة على السوق المجال واسعا لتمرير مشاريعها وبلوغ مخططاتها، كون الذي يحسم المعادلة هوكشف الحساب النهائي ومن يحقق المزيد من الثروة والمكاسب المالية والتجارية.
لذلك من مسؤولية أصحاب القرار الاقتصادي والاجتماعي والمعنيين بالملفات الكبرى على كافة المستويات أن يولوا للاتصال أهمية كبيرة، وذلك بالبقاء على درجة من اليقظة والانتباه للمحيط، بحيث يتم إبلاغ الرأي العام، في وقته، بكل المستجدات وإطلاق جسور تواصل شفافة وبدون تمييز مع عالم الصحافة، لإعطاء معلومة نظيفة، دقيقة وموثوقة من أجل قطع الطريق أمام المضاربين وأدوات الإثارة.
إن العلاقة الجدلية بين المصدر (صاحب المعلومة) والمتلقي (ممثلا في الرأي العام) عبر الوسيط المهني (الصحافة)  تستوجب احترام قواعد الاحترافية ومعايير النزاهة والموضوعية، حتى يمكن حينها صياغة معلومة نظيفة لا تلوث المشهد بل تعطيه المناعة أمام الفضاء الإعلامي الإقليمي والعالمي الذي يعجّ بوسائط تترك في حالة الفراغ أثرها لدى الأسواق والمتعاملين.
إن الإعلام الاقتصادي والاجتماعي ليس الإشهار والترويج، وإنما كل ما يتعلق بمعطيات، تفاصيل أخبار ومواقف يحتاج إليها الرأي العام سواء كان من أطراف عالم الاستثمار والصفقات، الشغل والأسواق أوأطراف الإدارة والاستهلاك والمراقبة، بحيث كلما ضاقت مساحة الاتصال كلما عشعشت الإشاعة بكل ما تحمله من ضرر وتدمير، له بالضرورة كلفة مالية تصّب في مصلحة المنافسين والخصوم.


 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18153

العدد18153

السبت 18 جانفي 2020
العدد18152

العدد18152

الجمعة 17 جانفي 2020
العدد18151

العدد18151

الأربعاء 15 جانفي 2020
العدد18150

العدد18150

الثلاثاء 14 جانفي 2020