شركاء الثلاثية يتفقون على خطة تنموية تنهي التبعية للمحروقات

جدية التجسيد وتقييم الأداء مفتاحا التطور الاقتصادي

ف/ بودريش

إن كانت عدة دول ترى في اللقاءات الثلاثية التي تعقدها الجزائر بشكل دوري أو سنوي، تجربة نموذجية ورائدة في الحوار الذي يجمع الشريك الاقتصادي والاجتماعي وكذا الحكومة على طاولة واحدة للفصل في الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وإرساء استقرار وسلم اجتماعي في ظل وجود قنوات التواصل ومناقشة المطالب وإثراء المقترحات، لكن مازالت الثلاثية تبحث عن سقف أعلى من الالتزامات خاصة ما تنتظره الجزائر أن يتحقق على الصعيد الاقتصادي، حيث في كل مرة تطرح توصيات والتزامات وتفتك منظمات أرباب العمل المزيد من المطالب والتسهيلات، دون أن تقيم الآلة الإنتاجية في هذه اللقاءات..ماذا قدمت المؤسسة الوطنية والخاصة إلى غاية اليوم عقب جولات من التأهيل وتطهير الديون وإنقاذ تلك التي تخبطت في ظروف مالية صعبة؟

اتسمت قمة الثلاثية الـ17 بخطاب هادئ وانسجام وتوافق في مواقف الشركاء في تحديد الرؤية وتبني الخيارات، وحول كل ما يجب التركيز عليه في المرحلة المقبلة، وتم استعراض الخطوط العريضة لقانون المالية لسنة 2015 وتقديم ملامح البرنامج الخماسي الذي يمتد من مطلع السنة المقبلة إلى غاية آفاق عام 2019 بغلاف مالي ضخم يفوق 22 مليار دينار، والمتمعن في هذا اللقاء يجد استعداد الدولة وإصرارها على الاستمرار في ضخ الأموال للاستثمار في البنى التحتية والهياكل القاعدية والمشاريع التي تنعكس آثارها على الجبهة الاجتماعية على غرار الصحة والتعليم وإعادة الاعتبار للاستثمار من خلال قطع الطريق أمام الذهنيات التي تكرس البيروقراطية في التعامل رغم وجود قوانين واضحة تحمي المواطن والمعني بالاستفادة.
الشركاء الاجتماعيون ممثلو العمال والشركاء الاقتصاديون القائمين على رأس المؤسسة الاقتصادية والإنتاجية، اليوم شركاء في تجسيد التنمية وأي تراجع أو إخفاق وحدهم من يتحمل أكبر جزء من المسؤولية، فالتجند الحقيقي من المفروض لا يقبل بعملية حسابية أي فشل إلا إذا غابت الجدية في الأداء ولم يتحقق السهر على تجسيد الالتزامات التي نص عليها العقد الوطني الاقتصادي والاجتماعي للنمو والذي يعد بدوره من التجارب المميزة على الصعيدين العربي والإفريقي وحظي حتى بإشادة المكتب الدولي للعمل.
وإن كانت الحكومة سطرت الخطط بالاستعانة بالخبراء الجزائريين والأجانب ثم عرضتها على الفاعلين في الحياة الوطنية للإثراء والنقاش، من المفروض أن وضع قاطرة التنمية على السكة صار مفروغا منه وتحديا طبيعيا مثل المشروع الذي يحضر له ثم يسهر على تطبيقه على أرض الواقع وبعد آجال الانجاز يرى النور ويكلل بالثمار المرجوة منه.
وباختصار لقاء الثلاثية الأخير سطر لوجه الجزائر المستقبلي عقب خماسية من البناء والتشييد، حتى لا يبقى النفط يتحمل أعباء القطاعات الأخرى وضعف أدائها ويغطي على خيبات سوء التسيير التي مازالت تعصف بالعديد من مؤسساتنا التي يمكنها أن تلعب دورا تنمويا هاما بفضل قواعدها المتينة، في وقت رفعت أصوات عديدة متسائلة كيف لقطاع الفلاحة أن يبقى في وضع راكد..ما محل جودة تمور الجزائر وزيتونها وتينها وبرتقالها وبقاءها خارج فرض نوعيتها الجيدة في الأسواق الدولية.. وإن مازال القمح واللحوم الحمراء للأغنام من أحسن ما ينتج عالميا إلا أن عملية الاقتحام لم يبادر بها وبقيت الفلاحة تعاني في الأسواق الداخلية للجملة والتجزئة تستيقظ على وقع المضاربة وتتفنننن  في استنزاف جيوب الطبقة المتوسطة حتى خارج المواسم والأعياد حيث يكثر الطلب رغم وفرة العرض.
وتبدو المعركة المقبلة واضحة الأهداف تحتاج إلى ركائز الكفاءة والجدية في الأداء، وأي فشل يعني أن الالتزامات لم تتجسد وتواصل الجزائر الدوران في حلقة استنزاف آبار محروقاتها دون أن تتقدم وبالموازاة مع ذلك تستمر فاتورة الاستيراد في الارتفاع الصاروخي والفاحش، ولا يتسنى حتى تحقيق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، بسبب فقدان قيمة قوة العمل وحسن استغلال الموارد البشرية وإسناد المهمات لغير أصحابها وتبقى المجاملة الطاغي الأكبر.
والمؤشرات الإيجابية التي توجت بها قمة الثلاثية عديدة أبرزها الاتفاق والانسجام حول تبني الطرح الذي قدم خطة تنموية يحاول فيها التخلص التدريجي من التبعية لقطاع المحروقات وإعادة الاعتبار للابتكار والبحث العلمي والكفاءات الجامعية وطاقات الشباب الخفية، لكن العمل على أرض الميدان يحتاج إلى الكثير من الانضباط والالتزام والتضحية والرقابة، والتقييم الدوري للأداء لأنه المفتاح الحقيقي لتقوية الاقتصاد الوطني.
ولعل تصحيح الوضع الاستثنائي الذي جاءت به فترة معينة عانت فيها الجزائر اقتصاديا منتصف عقد التسعينات، عندما تم الاستعانة واللجوء إلى المادة 87 مكرر في قانون العمل، وأدمجت المنح والعلاوات في الأجر الوطني الأدنى المضمون، لتحسم في معاناة الطبقة المحرومة أو الهشة من الجبهة الاجتماعية بعد ترقب دام سنوات حيث سيستفيد نحو 4 ملايين عامل وموظف من زيادات متفاوتة في الأجور وأخذ بعين الاعتبار وضعية المؤسسات الاقتصادية العمومية والخاصة وكذا ميزانية الدولة حيث إعادة النظر ستشمل بشكل دوري ومستمر شبكات أجور أخرى ستسمح بتثمين رواتب أصحاب الأجور الضعيفة كبداية أولى، وتعتز المركزية النقابية بتحقيقها لهذا المكسب الاجتماعي، وتصحيح الوضع القانوني للمادة 87 مكرر من خلال إيجاد صيغة جديدة تحل محلها من خلال اسناد المهمة للجنة تقنية قد يستغرق عملها عدة أسابيع.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18077

العدد18077

السبت 19 أكتوير 2019
العدد18076

العدد18076

الجمعة 18 أكتوير 2019
العدد18075

العدد18075

الأربعاء 16 أكتوير 2019
العدد18074

العدد18074

الثلاثاء 15 أكتوير 2019