الدكتور كمال رزيق (أستاذ العلوم الاقتصادية)

تراجع مداخيل البترول يعّجل باللجوء إلى الطاقات المتجددة

حاورته: فضيلة / ب

تحدّث الدكتور كمال رزيق، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة البليدة، عن أهم العوامل وأبرز الآثار التي ساهمت في التراجع المحسوس لسعر النفط، ويقف بعد تقديم رؤيته لوضع سوق المحروقات انطلاقا من منظمة “الأوبيك” على تشريح البدائل المتاحة للجزائر لمواجهة تقلص مداخيل هذه الثروة الباطنية السوداء، وتدارك ذلك على المديين المتوسط والطويل.

 “الشعب”: في الآونة الأخيرة تهاوت أسعار النفط .. ما هي الأسباب وآثار ذلك على الاقتصاد واحتياطات الصرف، في ظل تنامي فاتورة الاستيراد ؟
الدكتور كمال رزيق: اتضح أن  أسعار النفط مرّت في الآونة الأخيرة بسلسلة من التراجعات لم يسبق لها مثيل منذ عقد الثمانينيات من القرن الماضي، و يمكن إرجاعأهم العوامل التي أدت إلى انهيار هذه الأسعار  إلى ما دون 70 دولارا ، إلى سلسلة من الأسباب نذكر منها:
قوة صرف الدولار مقابل العملات الدولية، لأن ارتفاع مؤشر سعر صرف الدولار بالنسبة للعملات الرئيسية تدريجيا منذ بداية عام 2014 ، أدى إلى ارتفاع فاتورة الاستيراد للدول المستهلكة رغم انخفاض أسعار البترول، حيث صارت هذه الأخيرة تقلل من عملية الاستيراد للتقليل من الفاتورة، وهذا راجع لارتفاع سعر صرف عملتها، مقارنة مع الدولار.
التراجع في النمو في الدول الصناعية المتقدمة، والاقتصاديات الناشئة في العالم، في سنة 2014، حيث بلغ نسبة النمو في منطقة الآورو بـ 0.20 % وفي ألمانيا قدر بـ 0.1 %  وبفرنسا 0.30 %، أما في اليابان 1.6 % ، وفي الصين 7.3 %، في حين الهند وصل إلى 5.3 % ...  وأثر هذا التراجع في النمو على الطلب النفطي.
- عودة إنتاج البترول العراقي والليبي إلى الأسواق بطرق عديدة خاصة غير القانونية وبتشجيع من الدول الكبرى، زد على ذلك رغم الحروب التي تعيشها هاتين الدولتين، إلى جانب زيادة العرض من الإنتاج النفطي رغم ضعف الطلب، وهذا من خلال أسقف إنتاج كبيرة جدا، وبروز حرب الحصص الإنتاجية التي بدأت بين مجموعة من الدول خاصة منها السعودية ودول الخليج.
يشهد قطاع الطاقة في أمريكا الشمالية طفرة حقيقية، ما يسهم في زيادة إمدادات النفط العالمي. وفي الوقت ذاته، دخول الغاز والنفط الصخري الأمريكي إلى الاستغلال التجاري وبالتالي تعويض ما كان يتم استيراده بالمنتج الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية.
استعمال آلية الأسعار لمحاربة وتكسير روسيا عقابا لها، لتدخلها في أوكرانيا وكذا موقفها من القضية السورية، خاصة بعد فشل سياسة العقوبات التي كانت مفروضة من طرف الغرب على روسيا، كون هذه الدولة تعد من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للبترول، وتعتمد على هذا المورد بشكل كبير.
استعمال آلية أسعار البترول لمحاربة إيران، وكبح نفوذها في الشرق الأوسط، ومحاولة دفعها لتغيير سياستها من قضية سوريا والعراق وأقل درجة بلبنان.
 استعمال آلية أسعار البترول للتأثير على دولة فنزويلا، باعتبارها أكبر بلد منتج للبترول، كما تعتمد على هذه المادة، بشكل كبير في الصادرات لتمويل اقتصادها ودفع ديونها الكبيرة جدا، وهذا من أجل مراجعة سياستها العدائية والمناهضة للولايات المتحدة الأمريكية.
• ارتفاع مخزون النفط بمعدل 5 مليون برميل من الخام التجاري الأمريكي الإجمالي البالغ قيمته 361.7 مليون برميل. وأورد معهد النفط الأمريكي زيادة مشابهة في مخزون النفط الخام بقيمة 5.1 مليون برميل.
رفض منظمة “الأوبيك” و على رأسها السعودية و دول الخليج تخفيض حجم الإنتاج و إعادة النظر في سقفه.
أما فيما يتعلق بآثار ذلك على الاقتصاد الجزائري، فهي وخيمة لأن الجزائر سوف تخسر حوالي 40 % من إيراداتها بالعملة الصعبة، لأنه المردود الوحيد لميزان المدفوعات و أهم مورد لميزانية الدولة.
فيما يتعلق بميزانية الدولة، لا يخفى على أحد أن أهم مورد لها هي الجباية البترولية، التي تحسب في بداية مشروع قانون المالية في حدود 37 دولارا للبرميل لترتفع أثناء إعداد الحساب الختامي للدولة من خلال امتصاص العجز إلى حوالي 75 دولارا كجباية بترولية، هذا مما سوف يؤثر على صندوق ضبط الموارد.
 الاستثمار في الطاقات المتجددة
 يتطلب أموالا ضخمة
حسب المؤشرات..إن آفاق الاستثمار في قطاع المحروقات والطاقة والمناجم مرتبط بتجسيد برنامج ضخم ورائد في الطاقات المتجددة؟
لا يمكن أن يتم تجسيد ذلك إلا إذا توفرت الإمكانيات المالية، وبالتالي لتجسيد هذا البرنامج لابد من رصد الأموال الكافية لكن في ظل  الأزمة من الصعب تحقيق حلم الطاقات المتجددة لأن الثروات السابقة “ البترول والغاز “ تعد ثروات ستزول مع الوقت، والثروات المتجددة تتطلب إمكانات ضخمة سواء في البحث أو تجسيدها كمشاريع استثمارية على أرض الواقع.
وبالنسبة للجزائر، فهي تتوفّر على إمكانيات طبيعية هائلة في هذا المجال، بامتلاكها لأحد أكبر مصادر الطاقة الشمسية في العالم، تتمتع وقادرة على إنتاج وتصدير الطاقة الشّمسية لأنه باستطاعتها تلقي الطاقة الشمسية بنحو 3000 ساعة سنويا. مما يسمح لها بإنتاج وتصدير الكهرباء، ويضاف إليها حقول الرياح التي لها إمكانات كبيرة لإنتاج الطاقة الكهربائية وربما تراجع أسعار البترول ستجعل الحكومة الجزائرية تعجل بالولوج إلى الاستغلال التجاري لهذه الطاقات المتجددة رغم صعوبة المهمة سواء من ناحية إيجاد وتخصيص الموارد المالية اللازمة والكافية لأن هذه الأخيرة مكلفة جدا، يضاف إليها توفير الموارد البشرية المؤهلة، وكل ما تسهر على تجسيده سونالغاز وسوناطراك يصب في هذا الإطار.
وحان الوقت لترصد الجزائر إمكانياتها من أجل استغلال الغاز والبترول الصخري، كون هذه الخيارات تحتاج إلى تجسيد من خلال التنقيب والبحث لكي تكتسب الخبرات اللازمة  من أجل التحكم في تكنولوجية استغلالها لتعويض النقص في البترول والغاز الجزائري سواء الموجه للتصدير أو الاستغلال المحلي الذي ارتفع بصورة كبيرة تصل إلى 100 بالمائة.
بعد إبقاء منظمة “الأوبيك” على نفس إنتاجها..هل يرّشح هذا تسجيل المزيد من التراجع في الأسعار  و هل باستطاعة “الأوبيك”  مواجهة التحولات العالمية ؟
أكيد خاصة إذا علمنا أنه يتوقع الإبقاء على الأسعار أقل من 80 دولارا على الأقل خلال السنتين المقبلتين إلا إذا حدث تغييرا مفاجئا يغير من السياسة المنتهجة لبعض الدول صاحبة الإنتاج الكبير بالمنظمة، كون معظم المؤشرات الاقتصادية تؤكد أن الركود الاقتصادي و أثار الأزمة التي تعيشها أوروبا والعديد من الدول، ستبقى أثارها على الأقل لمدة سنة أخرى أي إلى نهاية 2015 وتستغرق أشهر من آفاق عام 2016، أما في حالة دخول كل من العراق وليبيا بكل إنتاجها يتوقع أن يؤثر ذلك بالسلب على الأسعار ، لذا يمكن التوقع أن تصل الأسعار إلى حدود 50 دولارا.
 لكن حتى تواجه “الاوبيك “ التحولات الطاقوية العالمية يجب  أن يكون قرارها بيدها ولا تقبل تلقي املاءات الدول خارج المنظمة، وإذا عاد القرار  إلى المنظمة وتصبح تدافع على مصالحها فقط، فيمكن لها أن تؤثر باعتبارها أنها تمتلك حوالي 30 % من حجم الإنتاج و المخزون النفطي و الغازي في العالم. بالإضافة أن الدول الأعضاء تعتمد بشكل كبير على النفط في تنميها لذا إذا رجعت إلى تغليب مصلحة دولها يمكن لها أن تصبح مؤثرة جدا في سعر النفط في المستقبل كما كانت عليه من قبل.
  في ظل التأكيد على التراجع في احتياطي النفط في العالم والجزائر، على وجه الخصوص..هل يعني أن بداية انخفاض الأسعار مؤشر على بداية التخلي عن هذه الثروة الباطنية؟
ليست الأسعار من تدفع إلى التخلي على هذه الثروة، وبالنظر إلى الإمارات العربية المتحدة التي كانت تعتمد في السابق 100% على النفط لكن في الوقت الحالي صارت هذه المادة لا يعتمد عليها سوى بـ 30%، لأنها تمكنت من تنويع اقتصادها، والتحدي الذي ينتظرنا تنويع الاقتصاد و التخلي على الاعتماد على هذا المورد بصورة كبيرة.
كيف يمكن تعويض الفارق بالنسبة للإيرادات الجزائرية؟
صعب جدا تعويض هذا الفارق لأن الغلاف المالي  كبير جدا والجزائر لم تتمكن منذ سنة 1990 أن تتجاوز حدود 2 مليار دولار صادرات خارج المحروقات، ولم تتمكن من تخفيض فاتورة الاستيراد، والمطلوب تسطير سياسة جديدة قائمة على تقييم جيد ومحايد لكل السياسات المطبقة إلى حد الآن وتبني استراتجية جديدة تأخذ بعين الاعتبار نقاط القوة والضعف في السياسات السابقة . إذا الجزائر ينبغي لها كسب سلسلة من الرهانات نذكر منها الاعتماد على المنتوج المحلي بدل المنتج الأجنبي، من أجل تخفيض فاتورة الاستيراد، من خلال سياسة واضحة وفعالة في دعم المؤسسات المحلية.
وكذا تشجيع الصناعة خاصة منها الصناعة الغذائية والتحويلية، من خلال إرساء صناعة تركيبية، ثم الوصول إلى نسبة إدماج معقولة ومقبولة والنموذج الصيني أحسن مثال على هذا .
ومع الاستغلال الجيد لقطاع الفلاحة بكل ما يزخر من موارد خاصة المحاصيل الكبرى التي تحقق الأمن الغذائي والعناية بالقطاع السياحي وتشجيع ترقية قطاع الخدمات والصيد البحري والسهر على تحرير المبادرة المالية من خلال السماح بقيام بنوك إسلامية ومؤسسات تأمين إسلامية لجعل الجزائر قطب مالي عالمي في المغرب العربي و إعادة هيكلة قطاع التوزيع سواء تعلق الأمر بأسواق التجزئة أو أسواق الجملة أو الأسواق المتخصصة في كل مناطق الوطن، والتعويل بتطوير الصناعة الدوائية، ومساهمة الجزائري بجدية وفعالية في التنمية.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18054

العدد 18054

الأحد 22 سبتمبر 2019
العدد 18053

العدد 18053

السبت 21 سبتمبر 2019
العدد 18052

العدد 18052

الجمعة 20 سبتمبر 2019
العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019