البروفيسور مزوي مدير مخبر دراسات وتحليل السياسات العامة بجامعة الجزائر

خزّان هائل من الموارد البشرية يمكن الاستثمار فيها

حاوره: أسامة إفراح

ضبط السياسات العامة ضمان للنّجاعة الاقتصادية

يتطرّق البروفيسور محمد رضا مزوي، مدير مخبر دراسات وتحليل السياسات العامة بجامعة الجزائر، في هذا الحوار الذي خصّ به “الشعب”، إلى أهمية السياسة العامة في النجاعة الاقتصادية وخلق الثروة. وينطلق محدّثنا من خبرته وتجاربه المختلفة داخل الوطن وخارجه، ليحلل واقع التنظيم السياسي والاقتصادي في الجزائر، ويؤكد على وجود خزان حقيقي للطاقات البشرية ذات الكفاءة، التي تبقى للأسف دون استغلال.

❊ الشعب: البروفيسور  محمد رضا مزوي، شكرا على قبولكم إجراء هذا الحوار. بداية ما المقصود بالسياسة العامة؟
❊❊ البروفيسور  محمد رضا مزوي: السياسة العامة هي الأفعال التي تقوم بها الدولة، بمعنى القيام بالأمور الواجب القيام بها، بالشكل المطلوب وفق الوقت المتوفر وبالإمكانيات المتوفرة، إذن فالسياسات العامة تتعلق بكيفية تحديد الحكومة لسياستها، انطلاقا من الإمكانيات، كيفيات صنع القرار، التحليل القطاعي، التحليل الأفقي، وتتحدد السياسات العامة عن طريق الخيارات والاستراتيجيات المتبعة.
❊ هذه الخيارات يمكن أن تكون سياسية، ثقافية، اجتماعية..ولكن لنركّز أكثر على الخيارات الاقتصادية: ما هي الأسس التي تسمح لنا برسم سياسة عامة ناجعة اقتصاديا؟
❊❊ من أجل رسم سياسة اقتصادية، يجب في البداية الانطلاق من تقييم الإمكانيات والقدرات، وما نريد أن نقوم به، وكذا الأولويات. ولتحديد الأولويات يجب أن يوجد جدول أعمال، نوضّح من خلاله الموارد التي يمكن تسخيرها، كأن نقول بأن هذا القطاع له الأولوية وبالتالي يلزمه تمويل أكبر، ويترتب على ذلك تخصيص ميزانية للقطاع المرغوب، لتمكينه من إنجاز برنامجه.
ولا يتعلق الأمر بتقييم الموارد المالية فقط، فهناك الموارد البشرية أيضا، كما يجب تحديد المراحل وأخذ عامل الوقت بعين الاعتبار، ومعرفة ما إذا كان الأمر يتعلق بمشروع على المدى القصير، المتوسط أو البعيد..إذن فهناك الموارد البشرية، الموارد المادية، وعامل الوقت اللازم لإنجاز المشروع، دون أن ننسى أن المشاريع هي بدورها وليدة الطلبات والاحتياجات، إذ يجب على الحاكم أن يقوم بجرد احتياجات المحكومين، وترجمتها إلى مهام، وهذه المهام إلى هياكل، والهياكل إلى وسائل إنجاز.
❊ هل يمكن الحديث، في الوقت الرّاهن، عن سياسة عامة وطنية ترسم في معزل عن المحيط الإقليمي والدولي؟ وهل يجب أن تؤخذ التغيرات الاقتصادية الدولية بعين الاعتبار حين رسم السياسة العامة؟
❊❊ بطبيعة الحال من الصعب رسم سياسة عامة منكفئة على الذات، إذ يجب أخذ المحيط في الحسبان، وفي حالة الجزائر نجد أن بلدنا قائم على اقتصاد الريع، فجلّ مداخلينا تقريبا من المحروقات، لذا تصير السياسة العامة الواجب تحديدها قائمة على طرائق أخذ الموارد من البترول وتوظيفها في خدمة تنويع المداخيل، وذلك من أجل سدّ الاحتياجات الأولية، فعلى ضوء سياسته العامة، يعمل البلد على الاستثمار في الشق الاستهلاكي من جهة، وفي شق البنى التحتية من جهة أخرى. ويبدو أن الجزائر قد حددت أولويتها في الاستثمار في البنى التحتية الكبرى، التي سيكون لها أثر دافع للنسيج الاقتصادي الوطني.
كما لا يمكن للجزائر تجاهل العوامل الخارجية، إذ يجب مراقبة سعر صرف الدولار، وأسعار البترول، والعمل للحفاظ على مصالحها من خلال منظمة الأوبيك مثلا، أو الدول الأخرى المصدرة للنفط والتي تعرف نفس وضعنا، إذن يجب أن نحدد سياسة خارجية تتماشى مع المصلحة الاقتصادية للبلاد.
❊ درج البعض على الاعتقاد بأنّ السياسة العامة تختصّ فقط بالقطاع العمومي دون القطاع الخاص، ما الذي يمكن قوله عن الخواص ودورهم في إنجاح السياسة العامة الاقتصادية للبلد؟
❊❊ سؤال جيّد..إنّ السياسة العامة تترك حيزا للسياسة الخاصة والاقتصاد الخاص، لنأخذ مثال متعاملي الهاتف النقال، إذ نجد المتعامل العمومي ولكن الدولة مع ذلك تترك الفضاء للشركاء الخواص حتى يسهموا في الإنتاج، فالسياسة العامة تحدّد دفتر أعباء وتترك المجال للمؤسسة الخاصة لما تكون هذه الأخيرة أكثر إنتاجية من تلك العمومية المثقلة بالبيروقراطية، لذا يمكن تسطير سياسة تحمي القطاع الخاص.
هناك ايضا مسألة الاستعانة بالمصادر الخارجية Externalisation، فالدولة تبقى في قلب مهامها، وكل المهام التي ليس ضرورية للدولة تتركها للقطاع الخاص. مثلا، كنت في المجلس الاقتصادي والاجتماعي بباريس، وهذا الأخير لم يكن يملك سيارات وسائقين، وإنما يجمعه عقد إيجار مع شركة خاصة، كما لديه عقود إيجار لإيواء الإطارات، ووكالة أسفار خاصة من أجل تأمين السفريات والتنقلات، إذن فالإطارات تجد نفسها في قلب مهمتها الأصلية وهي الاهتمام بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية، وليس بالبحث عن سكن أو الجري وراء سيارة أجرة. الفكرة هي أن لا أهتم سوى بعملي والتخطيط الجيد له دون غيره من المهام.
❊ تحدّثنا عن دور القيادة في صنع السياسة العامة، ماذا عن مساهمة السلطات المحلية؟
❊❊ هناك السياسة العامة، وهناك الخطاب العام، والخطاب السياسي، وهناك أيضا الواقع. وعن إمكانية تطبيق الخطاب السياسي على أرض الواقع أم لا، فهذا الأمر ليس بالسهل. يمكن القول إن الاقتصاد ينطلق من القاعدة، وعلى هذا الأساس يجدر بنا إعطاء صلاحيات أكبر للبلديات، التي نلاحظ كيف أنها لا تستطيع توفير التمويل اللازم، فالشركة الناشطة على مستوى إقليم البلدية تدفع ضريبة تسمى الضريبة المهنية، ولكن البلدية لا تسترجع شيئا من هذه الضريبة، رغم أن النشاط الاقتصادي يتمّ لديها.
إذن يجب تمكين البلديات من الموارد، ولكن في نفس الوقت يجب توخي الحذر واختيار أشخاص ذوو كفاءة، وتوفير وسائل العمل الضرورية لهم، ثم العمل على تقييمهم، وبعد التقييم تأتي الجزاءات الإيجابية أو السلبية، وأعتقد أن الناس يكونون فخورين بإنجازهم لمشاريع في ظروف مواتية، وتعود بالفائدة المستدامة على بلدياتهم، وهذه هي الطريقة لشكرهم على كفاءتهم، فالمعيار هنا ليس الولاء لجهة سياسية أو مجموعة ما، وإنما الكفاءة هي ما يجب أن يوضع في المقام الأول.
❊ تحدّثتم عن الكفاءة بصفتكم أكاديميا وباحثا جامعيا، كيف ترون دور الجامعة خصوصا، والأنتلجنسيا عموما، في الوصول إلى النجاعة الاقتصادية؟
❊❊ دور الجامعة هو بطبيعة الحال دور رئيسي ومهم، وقد سبق وأن نشرت في موضوع “أقطاب الامتياز”، وتسمى أيضا Les Clusters، وهو ما يحيلنا إلى خارطة الجامعة الجزائرية، التي نجد فيها مراكز أبحاث ومراكز تعليم عال في جميع ولايات الوطن، ويوجد ما يقارب المليون و400 ألف طالب جامعي، وأكثر من 200 ألف أستاذ، إذن لدينا هنا موارد بشرية يجب استغلالها، وذلك بخلق أقطاب امتياز، من خلال وضع هذه الطاقات البشرية الجامعية في علاقة مع قطاعات نشاط ومراكز إنتاج، هذا الربط يمكن تطبيقه بسهولة أكبر اليوم بفضل تكنولوجيات الاتصال الحديثة، كما يمكن فتح المجال لأصحاب كفاءات لكي يخلقوا مشاريعهم الابتدائية Start-up الخاصة بهم، وبدل أن ينتظروا أن تخلق لهم مناصب عمل في الإدارة، يمكنهم أن يخلقوا بأنفسهم مناصب الشغل.
مثلا في مجال اللوجيستيك والصيانة، هنالك خزان ضخم ينتظر الاستغلال. وهنا نذكر مثال مؤسسة “كوندور” التي ترى بأن لديها دورا يمكن تلعبه في قطاع التكنولوجيا، وهناك الكثير من المؤسسات الأخرى التي يمكن لها أداء دور هام.
سنة 2003، حسب مجلة متخصصة، تمّ إحصاء 42 ألف إطار جزائري يشغلون مناصب هامة واستراتيجية في مختلف دول العالم، وهنا يجب القيام بما قامت به الصين، وعدم اتباع المقاربة التي تقول بأن الاقتصاد يمر بمنحنى خطي عبر مراحل، بل يمكن القيام بقفزات، فالصين التي كانت في المستوى الصفر حين الثورة الثقافية، استطاعت في 30 سنة أن تصير القوة الثانية في العالم، وهي في صدد احتلال المقام الأول. الصين استطاعت استغلال إطاراتها في الداخل، وخلق شبكات اتصال مع إطاراتها في الخارج، ودعوتهم وإنزالهم المنزلة التي يستحقونها، والمطلوب ليس دعوتهم للعودة والاستقرار في البلد الأم، وإنما أن ينقلوا خبرتهم ومعارفهم، والمساعدة على التكوين وجعله عملياتيا، وهو ما نستطيع عمله في الجزائر، هناك مثلا الجزائري الذي اكتشف محفظة الطاقة، واسترجع الألمان الفكرة وقاموا باستغلالها.
يمكننا خلق لجنة اقتراحات وتقييم، واستقبال مقترحات الشباب، وقد يواجهنا الفشل في أحيان، ولكنني متأكد من أننا سنوجد أمثلة تشجع الشباب، ليخلقوا مناصب عملهم بأنفسهم. لدينا خزان حقيقي في مختلف الحرف، لذا يجب تشجيع الشباب على فتح مقاولاتهم، وتوفير السياسات العامة الكفيلة بجعل هذه الرؤية عملياتية وقابلة للتطبيق.
❊ كيف ترون واقع التّمويل وبالأخص القطاع البنكي في الجزائر؟
❊❊ القطاع البنكي لدينا ما زال يسير بعقلية “ما هي الضمانة التي تقدّمها لي؟”، ولكن الواجب القيام به هو دراسة المختصين للمشروع، إذا كان هذا المشروع جيدا فسيموّله البنك ويراهن عليه ويتقاسم المخاطر مع صاحب المشروع. قد نلاحظ أن زبائن البنوك الأوروبية غير مضطرّين للتعامل مع أشخاص في العمليات النقدية اليومية، فكل العمليات صارت مرقمنة، بالمقابل هناك أشخاص يتابعون رصيد كل زبون، وإذا لاحظوا أن ماله قد بقي نائما لمدة طويلة فإنهم ينصحونه إلى استثماره وتشغليه. إذن على بنوكنا أن لا تكون مجرد شبابيك لدفع الأجور للمواطنين، وهو دور تستطيع مراكز البريد أداءه.
❊ كخلاصة لما تفضّلتم به في هذا الحوار،هل يمكن القول إنّ مفتاح النّجاح هو التّنظيم؟
❊❊ إنّ للعامل الديموغرافي دورا كبيرا في صنع قوة الدولة، وقد قال عالم الإحصاء والديموغرافي الكبير لوبرا Le Bras إن جون بودان قد أخطأ حينما اعتبر بأن المورد الأهم هو الإنسان، إذ أن الثروة الحقيقية حسب لوبرا هي التنظيم.
نرى مثلا دولة صغيرة مثل سويسرا، استطاعت بفضل التنظيم الجيد والمحكم أن تكون في صدارة براءات الاختراع والبحث العلمي، وفي المراتب الأولى اقتصاديا، صحيح أن الديمقراطية المباشرة ساعدت أيضا في الحصول على هذه النتائج، ولكن التنظيم هو الذي يسمح بإيجاد الطرق الكفيلة بالتنمية.
وأضيف أن الجزائر تعاني من اللا تنظيم، فالممارسات الموازية هي الأكثر انتشارا، كما لا يجب أن ننسى الجانب الإنساني والمعاملاتي، وهنا يأتي دور ذوي الخبرة والتجربة الطويلة في الميدان، الذين يستطيعون إسداء النصح، لأن التجربة صعبة المنال، ونستطيع الحصول عليها من “المتقاعدين الحديثين”، لأنهم في نهاية الأمر لا يريدون إلا أن يكونوا مفيدين لمجتمعهم.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17977

العدد 17977

الأربعاء 19 جوان 2019
العدد 17976

العدد 17976

الثلاثاء 18 جوان 2019
العدد 17975

العدد 17975

الإثنين 17 جوان 2019
العدد 17974

العدد 17974

الأحد 16 جوان 2019