الخبير الاقتصادي عبد الحق لعميري لـ “الشعب”:

“المقرّرون في قطاع الصناعة جادّون لكن المنهـجية ليست ملائمة”

حاوره: سعيد بن عياد

يتناول الدكتور عبد الحق لعميري خبير في “المناجمنت” إمكانات وقدرات بناء منظومة اقتصادية صحيحة وتنافسية من خلال بعث المؤسسة العمومية، كما يوضح في هذا الحوار فرص بناء الشراكة بين القطاعين العمومي والخاص ومدى القدرة على دخول الأسواق الخارجية، مبرزا تحديات نمو المؤسسة الجزائرية في محيطها العام والثقل الذي يضيفه الحوار الاجتماعي في الساحة الاقتصادية وداخل المؤسسة التي لا تزال بحاجة إلى وقت ومرافقة لتكتسب القوة التي تؤهلها لمواجهة المنافسة الخارجية خاصة في ضوء الانضمام المرتقب إلى منظمة التجارة العالمية. وهذا مضمون الحوار:

 “الشعب”: عرف القطاع الاقتصادي العمومي مؤخرا إعادة تنظيم، ماذا يمكن أن يتحقق من وراء هذه المبادرة خاصة في جانب الإنتاج والتنافسية؟

عبد الحق لعميري: تهدف المبادرة إلى بعث مسار إعادة التصنيع خاصة عن طريق القطاع العام الذي يكون بمثابة المحرك للاقتصاد الجديد مع قطاع خاص يلعب دورا مدعما، بحيث يتوقع أن تكون هناك استثمارات ضخمة من أجل الدفع بوتيرة الإنتاج والشراكة مع القطاع الخاص الوطني ومتعاملين من الخارج على أساس إنتاج سلع مصنعة وتحسين معدلات الإنتاج الصناعي بالنسبة للناتج الداخلي الخام. أعتقد أن المقررين في قطاع الصناعة على درجة عالية من الجدية ويبذلون أقصى الجهود قصد تقويم الوضعية، غير انه للأسف ألاحظ أن المنهجية ليست جيدة كما أن المعطيات التي يفرزها المحيط ستكبح المبادرة ذلك انه لا يمكن أن تكون هناك إستراتيجية قطاعية فعالة بدون إستراتيجية شاملة ولذلك يمكن تحقيق نتائج في نهاية المطاف لكن بعيدا عن إعادة تصنيع حقيقي وتنافسي كما يريده المقرّرون.
 تعد الشراكة بين القطاعين العام والخاص هدفا لدى الشركاء وتحرص عليه الحكومة، كيف يمكن بناء هذه الشراكة؟
 إن الشراكة بين القطاع العام والخاص لا تتم بقرار لكن يجب فقط إنشاء الشروط المشجعة على بناء الشراكة المرجوة ومن المفيد التفكير في محيط المؤسسة وتحسينه. واعتقد أن أفضل طريقة لذلك باعتماد وضع تشخيص وإطلاق إعادة التصنيع عن طريق مؤسساتنا الأفضل تسييرا من القطاع العام أو الخاص كما تفعله الصين (التي تعتمد قاعدة مفادها لا يهم أن يكون القط أسود أو رمادي بل المهم أن يمسك بالفأر).
المؤسسة الجزائرية خاصة العمومية مطالبة باقتحام السوق الخارجية، ما رأيك؟
 إن التصدير يتطلب وجود مؤسسات ذات تصنيف عالمي ولدينا حوالي 10 من هذا الصنف وأفضل طريقة تتمثل منذ البداية بانتقاء (بعد التشخيص) حوالي 50 مؤسسة ذات مستوى تسيير عال قصد تحسينها. بعض المؤسسات التي حاولت التصدير لديها ثقافة داخلية بعيدة عن مستلزمات السوق الدولية في مجال المنافسة، لذلك يجب أولا قلب المسار المناجيريالي(التسيير الحديث). حقيقة هناك تركيز على بعض فروع صناعة المعرفة من خلال التكوين والتعليم وهو مسار جيد، لكن يسجل نقص عناصر أخرى، وقد تناولت هذا الموضوع  في كتاب صدر عن ديوان المطبوعات الجامعية بعنوان “تسيير المعلومة وتصحيح المؤسسات”. إن “المناجمنت” في المؤسسة يشبه كمبيوتر وعليه يجب القيام بالمئات من الأعمال الجيدة وحدوث خطأ واحد فقط يؤدي الى انهيار البناء، ولذلك أي خلل يصيب خيطا يؤدي إلى تعطل الكمبيوتر.
تواجه المؤسسة عراقيل في الميدان، ما طبيعتها وما مدى تأثير المحيط الذي تنشط فيه المؤسسة؟
المشاكل توجد داخل المؤسسة الاقتصادية وفي محيطها، حيث هناك عشرات المسائل التي لا تشتغل بشكل جيد مثل تسيير الذكاء، الابتكار، تحسين المضمون والإنتاجية وكذا الجودة. والمسائل السلبية بالمحيط كبيرة أيضا لا تقتصر فقط على البنوك. ففي التعليم العالي مثلا إذا لم يقم بتطوير قدرات الذكاء الاقتصادي والتكنولوجيات الدقيقة و«الروبوتيك” وتسيير المشاريع وغيرها تتمخض عنه مشاكل يصعب تجاوزها من المؤسسة، علما أن لدينا تأخر في “المناجمنت” الاقتصادي لا يمكن تجاوزه إلا بمضاعفة الجهود والمثابرة.
ادخال الاحترافية في الحوار الاجتماعي
ما هي نظرة الخبير حول إنعاش المؤسسة الاقتصادية العمومية؟
 بنظرة الخبير أرى أننا نحتاج إلى 7 سنوات على الأقل لتدارك التأخر في مجال التسيير الحديث (المناجمنت)، وعليه نحتاج إلى  (مشروع مارشال) لتأهيل الموارد البشرية وعصرنة التسيير في مؤسساتنا وهيئاتنا العمومية وكذا تنويع الاقتصاد والتقدم إلى الأمام. وكل ما أقوله أن العملية معقدة أكثر مما يعتقده البعض، ذلك أن في الاقتصاد الرغبة لا تعني بالضرورة القدرة على الانجاز، فإذا كانت كل المنظومة الاقتصادية (قطاعات اقتصادية، جامعات، مستشفيات ...إلخ) تشتغل بمعدل فعالية لا يتعدى 3 من 10 لا يمكن أبدا تسيير قطاع لوحده والأرتقاء بفعاليته إلى مستوى 7 من 10 مثلا. فالفارق لا يجب أن يتعدى النقطتين ومع إقامة تكامل للمسارات كلها.
الحوار الاجتماعي عامل أساسي في تعميق الاستقرار الاقتصادي، كيف يمكن تطويره؟
إن الحوار الاجتماعي عامل أساسي لتفادي انزلاقات وسوء تفاهم الشركاء، وهو شرط جوهري. لذلك ينبغي إدخال الاحترافية في أوساط الفاعلين الاقتصاديين حتى يمكنهم الدفاع بشكل أفضل عن مصالح الجميع دون الإضرار بالاقتصاد الوطني. إن أفضل درجات النجاعة توجد حيث يوجد تضامن اجتماعي وعدالة في توزيع الموارد مثل ألمانيا والسويد وغيرهما.
 ما هو مصير المؤسسة العمومية في المدى المتوسط جراء الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية؟
في الظرف الراهن  نكسب القليل ونخسر الكثير جراء انضمام الى منظمة التجارة العالمية بطريقة غير معدّة بشكل جيد خاصة وان مؤسساتنا غير جاهزة للمنافسة. لذلك يجب العمل أكثر وبقوة في اتجاهات عديدة من أجل تحسين تنافسية المؤسسة الجزائرية، وحينما نتوصل إلى قياس درجات التحسين بشكل محسوس نكون في وضع أفضل للانضمام. وفي حالة ذلك هناك بعض المؤسسات العمومية وعددها قليل تزدهر وتستمر وتنمو إذا ما تم تغيير كلي لطريقة تسييرها. ولا أرى مبررا لبقاء مؤسسات في الصناعة الغذائية والبناء والسياحة تابعة للقطاع العام بينما هي تابعة للقطاع الخاص في العالم كله. ويكفي النظر إلى الصين، لذلك إن المؤسسات العمومية والخاصة السيئة تؤول إلى الإفلاس مع تكفل بالعمال. ويشير شومبتر وهو أحد أفضل الاقتصاديين في القرن الـ 20 بمقولة مفادها” البلد الذي لا يترك مؤسساته السيئة تزول يعيش دوما في أزمة”.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18054

العدد 18054

الأحد 22 سبتمبر 2019
العدد 18053

العدد 18053

السبت 21 سبتمبر 2019
العدد 18052

العدد 18052

الجمعة 20 سبتمبر 2019
العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019