مشروع “رونو” يعتمد شراكة وفق قاعدة ٥١/٤٩

تساؤلات حول المردود والجدوى الاقتصادية

سلـوى روابحيـة

آخر عقد شراكة لسنة 2012، أبرمته الحكومة الجزائرية مع مجموعة »رونو« الفرنسية لصناعة السيارات بعد مفاوضات عسيرة دامت حوالي سنتين، توصلت فيها الشركة الوطنية للمركبات الصناعية رونو والصندوق الوطني للاستثمار إلى التوقيع على اتفاق لإنشاء مؤسسة مشتركة وفق ما حدده قانون الاستثمار أي 51٪ للطرف الجزائري و 49٪ للشركة الفرنسية وذلك من أجل تطوير قطاع السيارات في الجزائر والتي تندرج في إ طار إعادة تأهيل الصناعة الوطنية.
بعد أخذ ورد حول مكان توطين المصنع الذي كان مقررا في ولاية جيجل، مثلما كان  يرغب الطرف الجزائري، تم الاتفاق على تحويل مكان التوطين من الشرق نحو الغرب تلبية لرغبة الشريك الفرنسي، حيث اختيرت منطقة واد تليلات في الجنوب الغربي لوهران، لتوفرها على عدة مزايا أهمها شبكة الطرقات السريعة وسكة الحديد واليد العاملة المؤهلة وقربها من ميناء وهران فضلا على هياكلها القاعدية الصناعية.
بعد تهيئة المشروع التي قد تستغرق عاما كاملا تنطلق المؤسسة المشتركة في انتاج ما يعادل 25 ألف سيارة ابتداء من عام 2014 على أن يرتفع العدد إلى حوالي 75 ألف على المدى المتوسط قد يخصص جزء منها للتصدير نحول دول إفريقية.. وبمعدل إنتاج 15 سيارة في الساعة.
من بين المعلومات القليلة حول مشروع رونو في الجزائر، أن نسبة الاندماج المحلي للسيارات سترتفع على نحو تدريجي، سعيا لتطوير هذا النوع من الصناعة لتصل إلى 42٪ على المدى المتوسط، وذلك بفضل الاستثمار المشترك بين الطرفين وانعكاساته المباشرة على النسيج الصناعي من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي ستشهد بدورها نوعا من التطور خاصة من حيث توفير بعض مستلزمات المصنع، في إطار تأهيل المؤسسات الجزائرية بالتعاون مع خبراء ومختصي مجموعة »رونو« الفرنسية، مثلما ورد في البيان الصحفي.
أما عن التكوين الذي يمثل أهم عنصر في نجاح المشروع أو بالأحرى تحقيق الأهداف المنتظرة منه، فإن تأهيل  اليد العاملة الجزائرية من حيث المعرفة واكتساب التكنولوجيا، أدرج ضمن ذات الاتفاق،  حيث من المقرر الوصول إلى وضع برامج للتكوين،  وأخرى لاستغلال وتطوير مركز التكوين الواقع بذات المنطقة أي تليلات، الذي سيتخصص في المهن المرتبطة بصناعة السيارات وذلك بدعم من وزارة التكوين المهني ووزارة الصناعة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وترقية الاستثمار.
للوهلة الأولى، يبدو أن مشروع »رونو« لصناعة السيارات في الجزائر الذي كان أبرز اتفاق أبرم بمناسبة زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى الجزائر قبل حوالي أسبوعين.
يعد دعما لقطاع الصناعة الذي يعاني ركودا شبه عام رغم جهود الانعاش المبذولة منذ عقود مضت، خاصة وأن مشاريع من هذا النوع تبدو محدودة للغاية (مشروع مرسيدس في القطاع العسكري)، لكن مردوده الاقتصادي يبقى محل جدل حول جدواه والمنفعة المتأتية منه، بالنظر إلى حجم الاستثمار والعدد الهزيل من السيارات المتوقع إنتاجها على المديين القصير والمتوسط مقارنة بمشاريع أخرى مماثلة.
من وجهة نظر المتحفظين والمنتقدين للمشروع الأول من نوعه على المستوى المدني، فإن حجم الانتاج الأولي يبقى بعيدا عن ذلك الذي يستورد سنويا من ذات النوع، والمتجاوز بكثير 100 ألف سيارة، بقيمة تفوق 4 ملايير دولار في حين أن كلفة الاستثمار تناهز مليار أورو فقط، مما يعني أن العملية في مراحلها الأولى وحتى الثانية مردودها الاقتصادي يكاد يكون متواضعا للغاية وغير مربح، خاصة وأن جزء  ليس بالهين من تكاليف المشروع سيتم تغطيته محليا أي بأموال عمومية.
من جهة أخرى، فإن تمتع »رونو« بالامتياز الحصري في السوق الجزائري، ولمدة ثلاث سنوات، بعد أن كان خمس سنوات، وتقليص المدة يعني إنجازا بالنسبة لوزارة الصناعة، هذا الامتياز الحصري يعني أنه لا يحق لأي مؤسسة عمومية جزائرية إبرام اتفاق مماثل مع صانع أجنبي آخر خلال هذه المدة وكأن المشروع سينقل صناعة السيارات إلى مستويات قياسية ومربحة في الجزائر وعليه فإن الحاجة إلى منافسة في هذا المجال غير مجدية، دفع إلى الاعتقاد أن هذا التنازل للشريك الفرنسي قد تبدو غير محمودة العواقب.
وتأتي في الوقت الذي تشهد فيه الصناعة الفرنسية تدنيا غير مسبوق في مستوى نموها، كان من المفترض أن يدعم موقف المفاوض الجزائري في هذا الملف الحساس، عوض تقديم المزيد من التنازلات أو منح احتكار حصري قد يبدو في غير محله في ظل المنافسة الشديدة في قطاع صناعة السيارات في العالم.
توفير مناصب شغل دائمة وأخرى مؤقتة وجذب ما يعتقد أنه استثمارات خارجية مباشرة وإعطاء الانطباع على أن سياسة تأهيل قطاع الصناعة من خلال مشروع »رونو« لانتاج السيارات في الجزائر بدأت تعطي أولى ثمارها.. كلها عوامل قد يعول عليها مؤيد المشروع من أجل تبرير الجدوى الاقتصادية له، ولكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة مقنعة ماهي الكلفة الحقيقية لذات المشروع، وهل الجدوى تعني تقديم تنازلات مجانية، حيث عامل الربح فيها يبقى خاضعا لإعتبارات أخرى.
الندوة الصحفية المقرر عقدها في الأيام القادمة مثلما أعلن عنه سابقا، قد تميط اللثام عن الكثير من النقاط الغامضة التي تضمنها مشروع صناعة سيارات »رونو« بالجزائر، العلامة التي تحتل المرتبة الأولى في السوق الجزائرية، وقد يجيب عن الكثير من التساؤلات التي يطرحها خبراء اقتصاديون حول المردود المتوقع والأهداف الحقيقية لمشروع أثار جدلا واسعا منذ الاعلان عن بعض تفاصيله ولم يدخل بعد حيز التنفيذ.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018