أحمــين شفــير الأمــين العــام لجمعيــة الاقتصاديــين الجزائريــين

تطبيــق استراتيجيــة للصّعـــود الاقتصــادي..رهـــان المرحلـــة

حاورته: فضيلة بودريش

يقدّم شفير أحمين أستاذ العلوم الاقتصادية والأمين العام لجمعية الاقتصاديين الجزائريين بالكثير من الدقة تشريحا واقعيا لعالم الشغل بتحدياته ومكتسباته، وعلى ضوء خصوصية المرحلة اقتصاديا، يشخّص ويطرح المقترحات حول التعددية النقابية ومشروع قانون العمل والمنازعات التي يشهدها عالم الشغل، وخاصة تلك التي تساهم في تحسين القدرة الشرائية من خلال تدخل قوي للدولة، وفرض صرامة هيئات ضبط الأسعار بعيدا عن القمع.

❊ الشعب الاقتصادي: عشية الاحتفاء بعيد الشغل..ما هو واقع سوق التّشغيل في الجزائر على ضوء تشخيصكم للبطالة؟
❊❊ الأستاذ أحمين شفير الأمين العام لجمعية الاقتصاديين الجزائريين: على أبواب الفاتح ماي الذي يتزامن مع عيد العمال، يمكن القول أنّ هناك تشخيص مزدوج، فمن جهة لا يمكن استصغار الجهود لخلق مواقع الشغل لأكثر من عشرية كاملة، حيث أفضى ذلك إلى تسجيل الانخفاض المحسوس للبطالة، لكن هناك عاملين يجب التركيز عليهما وأخذهما بعين الاعتبار، ويتعلق الأمر أنّه رغم التّحسيس فإنّ معدل البطالة مازال يبعث على الانشغال، فنسبة 9 بالمائة تظل رقما معتبرا نسبيا، ومن المفروض أن تنخفض أكثر إلى أقل من 5 أو 4 بالمائة كأقصى تقدير بالنظر إلى امكانيات الجزائر والأموال الضّخمة المرصودة للاستثمار. أما العامل الثاني يتمثل في إشكالية بنية البطالة، فالباعث على الانشغال هيكل البطالة، كونها في الواقع بطالة شبابية ونسائية، وتنتشر فوق ذلك وسط حاملي الشهادات وطالبي مناصب شغل لأول مرة، ويطلق عليها كذلك بطالة الإدماج، وتتسبّب في خلق المشاكل الاجتماعية لدى الشباب في ظل غلاء المعيشة والإيجار.
إذا يمكن التأكيد أنّه يوجد هشاشة في التشغيل، كون معدل 9 بالمائة من البطالة رغم أنه يثمن، لكن لا يجب الإنكار أن معظم مواقع الشغل التي أنشئت تبقى جد هشة وغير دائمة، ولا مدمجة على غرار عقود ما قبل التشغيل التي تدفع أجورها إلى الهشاشة وعدم إمكانية الاندماج في المجتمع والبقاء على حافته.  
ونلفت الانتباه أنّ نسبة 10 بالمائة من عمال القطاع الخاص فقط يصرّحون بهم لدى مصالح الضمان الاجتماعي، ويسجّل تصريح جزئي، وحتى في بعض مؤسسات قطاع الإعلام الخاص تنتشر ظاهرة عدم التصريح بالعمال. واليوم عبر العالم توجد حملات تقودها الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية وهيئات دولية أخرى، تنادي بتعميم الحماية الاجتماعية التي تعتبر واقيا ومخففا للأزمات ونتائجها الاجتماعية. وخلال الأزمة العالمية بعام 2008، سجّل أنّ البلدان التي كانت لديها حماية اجتماعية لعمالها استطاعت تخفيف الأزمة، والعكس بالنسبة للبلدان الضعيفة من حيث الحماية الاجتماعية.
ويذكر أنّ انتشار التشغيل غير الرسمي يعدّ ظاهرة خطيرة في الجزائر والبلدان النامية، بالنظر إلى النسبة التي يشكّلها من الاقتصاد الموازي وغير الرسمي والتي تناهز سقف 50 بالمائة، ويعتبر تحديا حقيقا للجزائر.
 الحاجة إلى إنتاج وطني مدمج
 ما هي تحديات وآفاق عالم الشّغل..وهل يمكن تحديد المكاسب المحقّقة؟  
❊❊ رغم المكاسب المحقّقة إلى حد الآن في تخفيض نسبة البطالة، لكن الإشكال يكمن في طريقة معالجة البطالة، على اعتبار أنّ عمليات المعالجة مازالت ذات طابع اجتماعي، ومن المفروض الانتقال إلى شكل آخر من النجاعة عن طريق القفز إلى ما يسمى بالبرامج الناشطة بدل الاجتماعية، علما أنّه لا تتجسّد الإجراءات الناشطة إلا من خلال دفع عجلة النمو التي تتطلب دفع قطار التنمية وتفعيل أداء الآلة الإنتاجية، وإحداث القطيعة مع التبعية لقطاع المحروقات من خلال الوصول إلى إنتاج وطني مدمج ومنسجم. وأشير إلى أنّ الجزائر في الوقت الراهن بحاجة ماسة إلى تطبيق استراتيجية للصعود الاقتصادي، ويعدّ مفهوما جديدا ينبغي التركيز عليه، في ظل وجود دول تمكّنت من تحقيق مستويات عالية من النمو خارج قطاع المحروقات والموارد الطبيعية، مثل البلدان الصاعدة على غرار البرازيل وروسيا وجنوب إفريقيا والصين، بالإضافة إلى الجيل الأول من البلدان الصّاعدة، ونذكر منها كوريا التي استطاعت بدورها تطوير قدراتها الإنتاجية عبر تدخل الدولة لوضع إستراتيجية وخطة تنموية، وترقية قدراتها في مجال البحث وتأهيل مواردها البشرية مع تحسين ونجاعة المنظومتين التربوية والجامعية.  
ولا يخفى أنّ هذه البلدان نجحت من خلال تبني سياسة تصنيع فعلية، على اعتبار أنّ التصنيع يعدّ القطاع الذي يقود النمو انطلاقا من تجارب البلدان، وانطلاقا من إستراتيجية تجارية، أي التموقع الجيد في الاقتصاد العالمي، والجزائر في حاجة ماسة للاستفادة من هذه التجارب، والابتعاد عن الوصفات الجاهزة لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي التي أثبتت فشلها في مختلف بلدان العالم التي طبقت فيها.
وخلاصة القول أنّ الجزائر في حاجة إلى استراتيجية للصعود، النموذج الوحيد القادر على توفير مناصب الشغل الدائمة والمدمجة.  
 التّمثيل النّقابي في القطاع الخاص مازال متأخّرا
❊ جرى منذ سنوات عديدة الحديث عن مراجعة قانون العمل، لكن يبدو أن ولادته عسيرة..ما هو سبب التّأخير؟ وهل فعلا هناك صعوبة الحسم في الصّيغة القانونية لعلاقات العمل؟  
❊❊ أعتقد أنّ الجزائر في الوقت الحالي ليست بحاجة إلى قانون عمل جديد، على اعتبار أن النص القانوني الحالي جد إيجابي رغم النقائص المسجلة فيه وتبعثره، لكن الهيكل الأساسي للقانون موجود، ويعدّ من بين أحسن النصوص التشريعية الموجودة في العالم من جميع النواحي، وأرى أن إعادة النظر في هذا النص التشريعي غير موات في الوقت الراهن، ولا يوجد مبرر للجوء إلى إعادة النظر في هذا القانون. ودون شك فإنّ هناك من حرص على الاستفادة من مراجعة هذا القانون لإدراج بعض المواد التي ترضخ لطلبات والالحاحات المتعددة لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وبالخصوص فيما يتعلق بمرونة العمل، وهذا يبدو جليا، من حيث أن هناك محاولة لفرض وتعميم عقود العمل لوقت غير محدد. ويمكن القول أنّ هذا النوع من العقود يعتبر “حصان طروادة” للشركات المتعددة الجنسيات وصندوق النقد الدولي، الذين باسم التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي والعولمة والثورة التكنولوجية وتطبيقاتها يحرصون على تعميم هذا الشكل من العقود خدمة لمصالح هذه الشركات والرأس المال العالمي، لأن التجربة الاقتصادية عبر مسار التاريخ الاقتصادي، توضّح أنه كلّما عمّمنا العقود غير المحددة، كلّما عمّمت الهشاشة، وهذا من شأنه أن يؤثر على الاقتصاد بشكل عام، وتسفر عنه الأزمات. وتؤكد النظرية الاقتصادية أم الطلب يعد حجر الزاوية في كل انطلاقة اقتصادية، وتعميم هذه العقود يكرس لامحالة الانكماش الاقتصادي، ويؤجل الانطلاقة الاقتصادية، لأن توزيع المداخيل بشكل منصف، أحد أعمدة الاقتصاد المعاصر.
  ❊ اتّضح أنّ المنازعات في عالم الشّغل عديدة..ما هي  الأسباب؟  
❊❊ يجب الإشارة أنّ أغلب هذه المنازعات مسجلة في القطاع العمومي، كون التمثيل النقابي نجده في هذا القطاع، الذي يطبّق القانون ويعترف بالحق في التمثيل النقابي وممارسة هذا الحق. ونذكر أنّ المفاوضات الجماعية في القطاع الخاص مازالت متأخّرة، وتتمحور معظم النزاعات حول مطلب رفع الأجور الأساسي، وتحسين ظروف العمل بدرجة ثانية.  
❊ كيف يمكن للتّعددية النّقابية وحق الإضراب أن لا يؤثّر على التّنمية وديمومة المؤسّسة والمرفق العام؟
❊❊ التعددية النقابية مبدأ من المبادئ المكرسة في الدستور، وجميع القوانين، لا يمكن أن تقلّل من أهمية هذه التعددية التي تثري نضال العمال اليومي من أجل تحسين ظروف عملهم ومستوى معيشتهم، لكن يجب التأكيد على أهمية الوحدة النقابية التي لا تتعارض مع التعددية النقابية، بل بالعكس، أقصد بالوحدة النقابية أن تتفق النقابات على حد أدنى من المطالب، والاتحاد على هذه المطالب، لأن تشتّت النقابات وتخندقها لا يخدم المبدأ العام للتعددية، ولا يمكنها أن تثري النضال. إذا ممارسة النشاط النقابي، لا يكفي بتعددية النقابات، وإنما يجب تكريس استقلالية النقابة من كل وصاية مهما كان شكلها سواء سياسية أو تلك التي تخضع لأصحاب المال. ويأتي بعد ذلك تجسيد التمثيل الديمقراطي الحقيقي للنقابات، والممارسة الديمقراطية داخل بيت النقابات حتى يرتفع مستوى تطلعات العمال، ومن هنا صار التكوين النقابي للعمال ضروري لمواكبة التحولات التي تحدث في العالم، وفي الاقتصاد على وجه الخصوص.  
 مؤسّسات أجنبية تخرق  قانون  التّشغيل
❊ من أبرز مكاسب العقد الوطني الاقتصادي والاجتماعي للنمو، الحوار لكن بعض ممثلي أرباب العمل الموقّعين على وثيقة العقد يشتكون من عدم التّطبيق على أرض الواقع؟  
❊❊ للأسف أعتقد أن وضع عقد للنمو يتطلب توفر شروط عديدة، وفي صدارتها إرساء النقاش الديمقراطي الواسع عن طريق إشراك جميع الفاعلين من نقابات
وأرباب عمل، لكن على وجه الخصوص الخبراء والجامعيين. ولو تمّ هذا بالفعل لما سمي هذا العقد، بعقد النمو بل يطلق عليه استراتيجية تنموية، لأنّ الجزائر ليست في حاجة فقط إلى نمو بل إلى نهضة تنموية. وتبقى مسألة النّقاش الديمقراطي الواسع الذي يشرك الجميع أمرا ضروريا لتحقيق الصعود التنموي لأنّها ليست مسألة تكنوقراطية بل تتطلب وفاق جميع الأطراف، وفوق كل ذلك يحدّد فيه الحد الأدنى من الأهداف والفترة الزمنية، والقطاعات ذات الأولوية في التطوير، وكذا الاتفاق على شكل الاندماج في الاقتصاد العالمي، فهل الاندماج يكون عبر الإنتاج أم من خلال السوق. ولا يجب أن يتجاهل نوع التكنولوجيا التي تختار وتطور مع تحديد استراتيجية الانتقال الطاقوي في الجزائر.  
❊ بالنّسبة للمستثمرين الأجانب في قانون العمل..كيف يمكن ضمان مناصب الشّغل وحماية حقوق العمال من أي تجاوزات؟
❊❊ كل مؤسسة ناشطة على التراب الوطني ملزمة بتطبيق القانون الجزائري، وملزمة بالخضوع للتشريعات الجزائرية، لكن للأسف يسجّل تهرب العديد من المؤسسات الأجنبية والوطنية الخاصة من تطبيق قانون العمل، ويسجّل وجود مؤسسات أجنبية متعدّدة الجنسيات جاءت للاستثمار في الجزائر، ومن المفروض أن تخلق مناصب الشغل، لكنّها تستغل الامتيازات التي تمنحها الدولة في إطار تشجيع إدماج المشغلين في عقود ما قبل التشغيل، من خرّيجي الجامعات، ولا تمنح من تشغلهم أي زيادة في الأجر وتكتفي بما تقدّمه لهم الدولة وهذا يعدّ خرقا للقانون.  
❊ هل لديكم مقترحات بخصوص تحسين القدرة الشّرائية للجبهة الاجتماعية؟
❊❊ مسألة تحسين القدرة الشرائية لا تتعلق بالصراع أو النقاش حول الأجور وأسعار السوق، على اعتبار أنّ الأمر يحتاج إلى دور قوي للدولة في مجال التعديل الاقتصادي، وحضور لهيئات الضبط، وفي غياب ذلك سيستمر الأمر على حاله، فأيّ زيادة في الأجور تؤدّي إلى ارتفاع في التضخم، ولن تتحسّن القدرة الشرائية، وذريعة أنّ السعار حرة لأنّنا في اقتصاد السوق ليس مبررا وغير مقنع، فأغلبية بلدان العالم تطبّق اقتصاد السوق ولا تنتج العديد من المنتجات وتستوردها لكن الأسعار لديها مستقرة، وهذا بفضل تدخّل الدولة وضبطها للأسعار .  

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18123

العدد18123

الخميس 12 ديسمبر 2019
العدد18122

العدد18122

الخميس 12 ديسمبر 2019
العدد18121

العدد18121

الثلاثاء 10 ديسمبر 2019
العدد18120

العدد18120

الإثنين 09 ديسمبر 2019