الخبـــير أمحمـد حميـدوش

خلية للذّكاء الاقتصادي ومرصد للمنتجات الفلاحية

حاورته: فضيلة بودريش

اعتبر الدكتور امحمد حميدوش خبير اقتصادي أن غياب المعلومة الاقتصادية لدى المستهلك الجزائري صعّبت من مهمة منافسة المنتوج الوطني لنظيره المستورد، ووقف بلغة الأرقام على غياب ثقافة الإشهار لدى إدارة المؤسسات الإنتاجية الوطنية، وقال من غير المعقول أن تنتظر هذه الأخيرة من الدولة دعما آخرا في الترويج في ظل التحفيزات الكبيرة التي توفرها لها. وآثار مسألة الميزانية العائلية التي يعتقد أنّه في غياب تقارير علمية ودراسات تقنية يصعب تحديدها.

❊ الشعب: أطلقت مؤخّرا حملة واسعة بهدف التّحسيس للإقبال على استهلاك الإنتاج الوطني، الذي يواجه منافسة حادة بسبب الاستيراد وظاهرة إغراق السوق الوطنية بالمنتجات الأجنبية، ما مدى إمكانية نجاح هذه المبادرة؟  
❊❊ الخبير امحمد حميدوش: المنتوج الجزائري في الأصل يعرف تدعيما غير مباشر، على اعتبار أنّ المواد التي تدخل في تركيبة الصناعات الغذائية يقتنيها المنتج بسعر مدعم على غرار الماء والكهرباء، بالإضافة إلى التحفيزات الجبائية، ووجود حماية كون الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية يشترط تخفيض الرسوم الجمركية من 4 إلى 5 من رسوم التعريفة الجمركية، لذا أمام التسهيلات يمكن القول أنه من المفروض أن المنتوج الجزائري لا يوجد من ينافسه، والإشكالية القائمة هل يعرف حد أدنى من الترويج؟ لكن للأسف أن الكثيرين ممّن يصنعون المنتوج يبدو أنّهم يحرصون على الربح، لأنه من المفروض أن المنتوج الجزائري يعرف طلبا كبيرا كونه موجّه إلى نحو 40 مليون جزائري، وفي الحقيقة موجّه كذلك على أرض الواقع إلى دول الجوار بفضل التدعيم الموجه له.  
ويمكن إثارة في هذا المقام سلسلة من الاستفهامات في صدارتها، هل المستهلك الجزائري لديه ما يكفيه من المعلومات حتى يفضل الإنتاج الجزائري على نظيره المستورد؟ وهل المنتج لديه ما يكفيه من طلبات المستهلك؟ ويجب في عملية الاستهلاك التي تحتاج إلى عقلنة أن نجري ثنائية الأجر والنوعية، فعندما تكون عتبة الميزانية ضعيفة أي أقل من 5 آلاف دينار سنجد السعر يسيطر على النوعية، وعندما تتراوح ما بين 5 و10 آلاف دينار، يختلف ذلك من قطاع إلى آخر، وكلّما فاق السعر 10 آلاف دينار نجد سيطرة النوعية، علما أنّ متوسط الأجور في الجزائر يناهز 65 ألف دينار، ونجد أن المرجح يكمن في السعر، وبالتالي يبقى المنتوج الجزائري أكثر طلبا ثم يأتي بعده المنتوج الصيني في السوق الموازية.        
نقص إحترافية الإشهار للآلة الإنتاجية
 ❊ كيف يمكن تكريس إجراءات لحماية المنتوج الوطني من المنتجات المطروحة في السّوق الموازية؟
❊❊ يمكن التّأكيد أنّ التطلع إلى تغيير سلوك المستهلك لن يتحقق بتوفر إرادة سياسية وإجراءات قانونية، ولا يمكن برمجة ذلك بشكل آلي، ونجاح الرهان المرفوع يتوقف بشكل كبير على عملية التسويق الجيد، وكان ينبغي التشخيص على أرض الواقع لمباشرة الحملة، على اعتبار أنّه يسجل ضعف في التسويق، وفي ظل استحالة مخاطبة المستهلك في غياب المعلومة التي يوفرها المنتج. ويعدّ من مسؤولية وزارة التجارة إجراء دراسة لتحديد قائمة المنتجات الوطنية المطروحة في السوق، فهل فعلا المنتوج المركّب يعدّ وطنيا؟ علما أنّ المقياس العالمي يؤكّد أنّ ثلث المواد الأولية التي تدخل في تركيبة المنتجات يجب أن تكون محلية، “فهل العصير الذي يستورد العديد من مكوناته من الخارج محليا؟”، إذا حان الوقت لتحديد قائمة للشركات التي تنتج. والتحدي الثاني نجده في ضعف الترويج لدى المؤسسة الاقتصادية، لأنه من المفروض أن المؤسسات الكبرى تنفق نحو 4 بالمائة من رقم أعمالها في الإشهار، بينما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تنفق ما بين 1 و2 بالمائة من رقم أعمالها في الترويج لمنتجاتها من خلال الإشهار، مع العلم أنّ النسبة تختلف من قطاع إلى آخر، فعلى سبيل المثال في قطاع السيارات 13 بالمائة من رقم الأعمال يخصّص للإشهار، بينما في عملية توزيع أو بيع، فعملية بيع سيارة واحدة تتطلب إشهار بقيمة 200 دولار. أما في قطاع التجميل فنسبة 55 بالمائة من رقم الأعمال يوجه للإشهار، لكن للأسف المؤسسات التي تقوم بالإشهار في الجزائر بهدف الترويج لمنتوجها فهي قليلة، وتحسب على الأصابع، ولا نسجل احترافية في الإشهار لكل ما تنتجه الآلة الإنتاجية الوطنية.
وهناك من لا يدرك جيدا قيمة الإشهار كونه الطريق الوحيد الذي يجعل المستهلك وفيا للمنتوج، حيث أنّ الإشهار يمنح المنتوج صورة مثيرة، ويصبح متميزا في نظر المستهلك من خلال إغرائه، ونجد 82 بالمائة من الشركات تحرص على الإشهار. بينما في المنتجات الصناعية فإن 91 بالمائة من المؤسسات تقوم بالإشهار، وتناهز هذه النفقات 1 بالمائة من رقم أعمالها، وسنويا تشهد زيادة بنسبة2 بالمائة. وفي قطاع التجهيزات 90 بالمائة من الشركات تحرص على الإشهار، مخصصة 0.5 بالمائة من رقم أعمالها، والقطاع يعرف زيادة سنوية في هذا المجال بنسبة 6 بالمائة.
ومن جهتها المؤسسات الوسيطية مثل تلك المختصة في الورق وما شابه ذلك، نجد 87 بالمائة منها تقوم بالإشهار مسخرة 0.7 بالمائة من رقم أعمالها لهذا الأخير.
إذا في ظل إحصاء 800 ألف مؤسسة في الجزائر، وإذا افترض أن 80 بالمائة منها تقوم بالإشهار أي 640 ألف مؤسسة تحرص على الاشهار لمنتجاتها، ولو تمّ إقرار أن 200 ألف مؤسسة مصغرة غير قادرة على الإشهار، فإنّه تبقى 450 ألف مؤسسة من المفروض أن تحرص على الإشهار لكل ما تنتجه، لكن الواقع يفنّد ذلك فلا وجود لبنوك أو مؤسسات تأمين تهتم بالإشهار.
 ❊ هل الجهود المبذولة للحدّ من الاستيراد ونذكر منها تشجيع استهلاك ما ننتج، من شأنه أن يساهم في إلهاب الأسعار؟  
❊❊ للأسف مازال يسجّل تلاعب في الإشهار للمنتجات، ولم نصل إلى هذا المستوى لكي نروج للمنتوج والسعر، ولأنْ الأمر يتطلب تخصيص 40 بالمائة من نفقات التسويق للإعلام والبنوك والاتصال والنقل والتوزيع، و40 بالمائة للصحافة المكتوبة و33 بالمائة للتلفزيون و13 بالمائة لللافتات الاشهارية و7 بالمائة للإذاعة و1 بالمائة لوسائل ترويجية أخرى. والحديث يسري على تخصيص 50 بالمائة للتسويق المباشر خارج دائرة الإعلام، مثل الاتصال بالهاتف والبريد الالكتروني والمطويات، وإجراء تحقيقات في النوعية والجودة، وكذا إنجاز عمليات لسبر الآراء. وفي غياب هذه الآليات لدى إدارة المؤسسة الإنتاجية يصعب على  السلطات إيصال فكرة وفرة المنتوج إلى المستهلك، والعديد من المؤسسات يتطلّعون فقط إلى دعم الدولة وينتظرون حتى الترويج لمنتجاتهم، فلا يعقل ذلك؟  
48 بالمائــــة مـــــن الميزانيــــة العائليــــة تمتصـّها نفقـــــــــات المـــــــــــــواد الغذائيـــــــــــة
❊ هل جملة تشجيع استهلاك المنتجات الوطنية ستساعد على تهيئة المؤسسات للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية؟
❊❊ يجب أن تنشأ وزارة التجارة معهدا للدراسات والأبحاث يهتم بدراسة الإشهار والاستهلاك والتوزيع، إذا فعلا قررنا النجاح في الترويج للمنتوج الجزائري، الذي يحتاج إلى أساليب خاصة، من خلال قيام المختصين في علم الاجتماع والنفس بالبحث وتوجيه المحترفين للإشهار للتحكم في تقنيات الترويج، وكذا الوقوف على سلوك المستهلك ومعالجة ضعف التوزيع. وحان الوقت كي يعكف أرباب العمل على إرساء مثل هذه الآليات الترويجية بهدف الترويج الفعلي لكل ما هو جزائري.
❊ تتفشّى المضاربة عشية حلول شهر رمضان الفضيل الذي لا تفصلنا عنه سوى أسابيع قليلة، كيف يمكن استئصال الظّاهرة؟  
❊❊ بالفعل كل سنة تعود المضاربة بشكل كبير مع حلول شهر رمضان، والإشكال كوننا لا نعتبر من الدروس، ومن الحلول التي تقترح توفير المعلومة الاقتصادية، والتوضيح إن كان المنتوج من المواد الغذائية متوفر، لأن الفلاح يعترف أنه لا يربح كثيرا. وبالموازاة مع ذلك المستهلك يشتكي من التهاب الأسعار في ظل غياب مرصد خاص بالمنتجات الفلاحية أو خلية للذكاء الاقتصادي واليقظة التي تعمل بها العديد من الدول الأوروبية، حيث معظم المنتجات يحدّد هامشها الخام، وتعرف تكلفتها خارج نفقات اليد العاملة، فعلى سبيل المثال ما هي تكلفة البطاطا من أسمدة وبذور وحرث وتضاف لها التكاليف الأخرى؟ وبناء على المنافسة فإنّ هامش الربح في أسواق الجملة 10 بالمائة و13 بالمائة هامش ربح أسواق التجزئة، وتتّضح بعد ذلك صورة سعر المنتوج مام ضرورة إرساء آليات للتنظيم.
❊ هل فعلا يساهم مشروع تحديد “الميزانية العائلية” في تحسين القدرة الشّرائية؟
❊❊ يستحيل الحديث عن ميزانية عائلية فعلية أمام غياب تقارير محسوسة من الواقع، كما أنه بالمقابل يصعب تعميقها، علما أن من 45 إلى 48 بالمائة من الميزانية العائلية تمتصها نفقات المواد الغذائية، بينما التعليم والتثقيف والترفيه يفتك نسبة 4 بالمائة، وكلّما كانت الميزانية ضعيفة يصعب التحكم فيها، وجميع الأسر تبحث عن الأسعار المعقولة وتعطي الأولوية للمواد الغذائية، وتؤجّل الملابس حتى تكون تحت الضغط. يذكر أنّ الدراسة ستكشف عن 10 تصنيفات يؤخذ فيها بعين الاعتبار حد أدنى للأجر، أي على سبيل المثال من 30 ألف دينار إلى 50 ألف دينار، ويجمع عدد الأسر ويقسّم على العدد 10، وتؤخذ بعين الاعتبار 10 بالمائة الأضعف ويقاس عليها، لكن في غياب تقارير علمية ودراسات تقنية يبقى هناك صعوبة في تحديد هذه الميزانية. 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18126

العدد18126

الأحد 15 ديسمبر 2019
العدد18125

العدد18125

السبت 14 ديسمبر 2019
العدد18124

العدد18124

الجمعة 13 ديسمبر 2019
العدد18123

العدد18123

الجمعة 13 ديسمبر 2019