الخروج من رأسمال الشّركات العمومية مع إصلاحات هيكلية لتعزيز القطاع الخاص

أجرى الحوار: سعيد بن عياد

ضعف آليات المنافسة والتّقييس والمعايير جعل اقتصادنا عرضة لضغوطات السّوق الخارجية
   تقفز الموارد البشرية في الظرف الراهن إلى صدارة المشهد الاقتصادي، غير أن المؤشرات التي تتداول تستدعي الوقف عند انعكاساتها من خلال البحث في خلفياتها وتداعياتها المستقبلية، في وقت يقف فيه الاقتصاد على عتبة البحث عن عوامل جديدة لانجاز النمو. ويسلّط المحلّل الاقتصادي والمالي أمحمد حميدوش الضوء على الإشكالية في هذا الحوار الخاص لـ “الشعب الاقتصادي”.
❊ الشعب الاقتصادي: كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي عن مؤشرات التنمية البشرية في السنوات الـثلاث الأخيرة، ما هي قراءتكم من حيث انعكاساتها وإفرازاتها الاقتصادية والاجتماعية؟
❊❊ أمحمد حميدوش: لم أطلع على مؤشرات التنمية البشرية للمجلس الاقتصادي  والاجتماعي، ولكن يمكن الرجوع إلى مؤشر التنمية البشرية للجزائر لسنة 2014 الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة للتنمية والذي يعادل نسبة ٧٣٦ , ٠، والذي بموجبه جعل الجزائر في الرتبة 83 من بين 188 دولة، بحيث يتم حسابه بناء على ثلاثة عوامل وهي دخل الفرد وآمال الحياة والمستوى التعليمي، بحيث كلما اقتربت النسبة من العدد واحد فهذا يعني أن مستوي التنمية البشرية جيد، وكلما اقتربت من العدد0 فإن مستوى التنمية سيء. لكن ما يمكن قوله أن الجزائر ليست من بين أحسن الدول والتي تتميز بمؤشر يفوق ٨ ، ٠ وعددها 49 دولة، كما أنّها ليست في الموقع السيء والتي لها مؤشّر أصغر من 45  ، ٠ وهي 15 دولة، ولكن توجد في مركز أفضل بقليل عن المتوسط العالمي الذي يساوي ٧٢٤ ، ٠. نذكر بأنّ هذا المؤشّر جاء ليعطي أبعادا أخرى للتنمية حتى لا يتم الإعتماد على الدخل الفردي فقط، ويعني أيضا أن التنمية البشرية هي سيرورة خاصة بالزيادة في الاختيارات للأفراد. وعرف هذا المؤشر عدة انتقادات لأنه لم يأخذ بعين الاعتبار الحريات الاقتصادية والاجتماعية للأشخاص، والحق في الحماية من العنف والأمن وعدم التمييز، وما يتفق عليه العديد من الباحثين على أنه يجب على مؤشر التنمية البشرية أن يأخذ في الحسبان المساهمة الفعالة للأفراد في الاختيارات ليكونوا في نفس الوقت الأعوان  والمستفيدين من التنمية.
 أما الانعكاسات الاقتصادية على المجتمع، فيعتبر معامل GINI أهم مؤشر، كونه يبرز توزيع الدخل وحتى نفقات الاستهلاك بالنسبة للأفراد والأسر، وأنّه كلّما اقترب من الصفر فإنه يدل على أن توزيع الثروة عادل، وبالتالي التساوي مثالي في تقاسم الثورة، وكلما اقترب هذا المعامل من العدد واحد فإن الدخل أو الإنفاق محتكر عند بعض الأفراد أو لدى فئات قليلة من المجتمع، والذي تجعل الدول من خلال مخططاتها التنموية إلى تحسين مداخيل الأسر وتكون من بين الأولويات، بحيث تضع برامج تنموية أفقية وعمودية على المستوى المركزي، والتي تكملها برامج تنموية محلية مبنية على المبادرة الفردية.
 أما من الجانب الاجتماعي، فالأمر يخص مكانة أو بطاقة الفرد في المجتمع، بحيث التوجه يبدأ من تمكين الفرد من التخلص من تبعية الآخرين ماديا (العائلة والأخلاء) إلى غاية التمكين من تلبية الحاجيات الخاصة بالترفيه والكماليات، بالإضافة إلى توفير الادخار. ونذكر ماليزيا كمثال بحيث لها برنامج تنموي يهدف إلى تحسين دخل الفرد عنوانه “برنامج التحول الاقتصادي”، يرمي لأن يصبح دخل الفرد يعادل 15000 دولار أمريكي في 2020 مقابل 7059 دولار أمريكي في سنة 2009 مع مجهودات تنموية خاصة لتحسين معامل GINI الذي كان يعادل 44 ، ٠ في سنة 2009، حيث أعطيت أهمية لتنمية مناطق شمال ماليزيا في (Bornéo) وبعض المناطق التي تتواجد فيها الفئات غير الماليزية والصينية.

عصرنة النّظام التّربوي أحد العوامل المفتاحية للنّجاح على المدى الطّويل بتوفير يد عاملة مؤهّلة

❊ بعد تقليصها إلى مستوى مقبول وفي ظل أزمة تراجع إيرادات المحروقات (في انتظار إرساء اقتصاد متنوع وإنتاجي)، عاد شبح البطالة يلوح في المشهد الاقتصادي ويستهدف أكثر الشباب والعنصر النسوي، إلى أي مدى يمكن التحكم في الظّاهرة؟
❊❊ يكمن حل البطالة في الاستثمار والبداية بالاستثمار المحلي الذي له القدرة على استقطاب مستثمرين أجانب (الادخار العالمي)، وهذا ما يتطلب إصلاحات استراتيجية، وتخص بالدرجة الأولى تطوير الموارد البشرية من خلال عصرنة النظام التربوي، باعتباره أحد العوامل المفتاحية للنجاح على المدى الطويل عندما يوفر يد عاملة مؤهّلة، كما يعنينا السعي لتحسين الرتبة العالمية لمؤشر التنمية البشرية، الذي تصدره الأمم المتحدة وبالدرجة الثانية. أعتقد أنه من المهم خروج الدولة من رأسمال الشركات العمومية حتى لا يهيمن وزنها في الناتج القومي مع القيام بإصلاحات هيكلية لتعزيز القطاع الخاص، بحيث يكون الخروج مرحلي وتكتيكي، لأن الدولة بإمكانها تأميم شركات في قطاعات عندما تعم فيها الفوضى عبر الصندوق الوطني للاستثمار، مثلما فعلت ماليزيا لما قامت بتأميم الخطوط الجوية الماليزية لهيكلتها (Malaysianairlines) أو الاستثمار في القطاعات الإستراتجية التي يغيب فيها القطاع الخاص، وكم هي عديدة. كما أن الوقت الراهن يفرض إعادة النظر في المالية العمومية، وبالتالي رسم نظرة جديدة للوعاء الضريبي مع رفع الرسم على القيمة المضافة، والذي يجعل كل اسعار السلع مرتفعة. ولتمكين تمييز المنتوج الوطني عن المستورد من خلال تقديم إعفاءات شبه جبائية للمؤسسة الاقتصادية حتى تتمكن من منافسة الاستيراد بتخفيض السعر (المنافسة بالسعر)، وهذا التوجه يفرض بدوره صياغة جديدة لتوزيع الدعم الموجه للأسر (بصفة مباشرة وحسب الدخل والحاجيات). كما أنّ تحسين مناخ العمل من المفروض أن يكون إحدى أولويات الثلاثية مع وضع القياسات، ويرافق هذا العمل إصلاحات خاصة بعصرنة المنافسة ودعم التنافسية بغية تحسين ترتيب  البلد في التصنيف العالمي للأعمال، والذي ينجزه البنك الدولي. وتحسين الترتيب في تصنيف معهد DAVOS السويسري الخاص بالتنافسية، والذي ينجزه المعهد الدولي لتطوير التسيير والدخول في الترتيب العالمي الذي تقوم به Bloomberg، والذي يخص مجال الفرص في الأسواق وأيضا تحسين الترتيب الذي تقوم به جريدة  Wallstreet، والخاص بمؤشر الحرية الاقتصادية، وفي الأخير تقليص الفوارق الاجتماعية وجعل المناطق الريفية والهضاب العليا والمناطق الصحراوية أكثر إشعاع من خلال الصناديق الحكومية الخاصة (صندوق الجنوب والهضاب العليا والريف) في دعمها لإنجاز مرافق عمومية وتمويل المؤسسات العمومية والخاصة ذات الطابع الإداري والاقتصادي في دفع أجور ورواتب الأجانب لتعويض الفارق بين الأجور الوطنية والبلد الأصلي للمهاجرين حتى لا تبقى هذه المناطق مهجورة، مع العلم أنّ للجزائر تجربة سابقة بحيث تعاملت خلال الستينات والسبعينات مع المتعاونين الأجانب، لأن عدم وجود مثلا طبيب مختص أو جراح في هذه المناطق فإنها تبقى مهجورة، وبالتالي المنطقة التي تستقطب كفاءات بحيث تعوض الكفاءات الأجنبية (غياب أو نقص الكفاءة المحلية) حتى لا تبقى مهجورة، ولكن عوض من أن ينتقل سكان الجنوب للشمال للعلاج مثلا، فيصبح سكان الشمال يذهبون إلى الجنوب، وخير دليل على ذلك العيادة الكوبية المختصة في طب العيون، وما تجذبه من سكان 48 ولاية وإسقاطاتها الاقتصادية على ولاية الجلفة وما حالها لو تواجدت في تمنراست أو إليزي وما تستقطبه من سكان من الجزائر وخارجها (مالي والنيجر) وحتى البرتغاليين لأنهم يفضلون التوجه إلى كوبا للعلاج في طب العيون.
 
الاهتمام بالتّرتيب العالمي للجامعات والمؤسّسات التربوية ومدى فعاليتها في الأداء الاقتصادي

❊ حقّقت الجزائر نتائج ملموسة في مجال المنشآت القاعدية والبنية التحتية، غير أنّ الظّرف الرّاهن يضع التّنمية البشرية في الصّدارة، كيف يمكن إنجاز هذا المسار؟
❊❊ عندما نتحدّث عن المنشآت والمرافق، فبغض النظر عن هدفها فالسؤال المطروح كيف قدّمت مهامها في الميدان؟ وكمثال إنشاء الجامعات أو المدارس والثانويات. للإجابة عن هذا السؤال يعني مراعاة أدائها من خلال المقارنة (Benchmarking)، ويقودنا هذا إلى الاهتمام بالترتيب العالمي للجامعات والمؤسسات التربوية ومدى فعاليتها في الأداء الاقتصادي، فمثلا ما هو ترتيب الجزائر في المسابقات الدولية لشعبة الرياضيات؟ أو هل قمنا باستغلال ومقارنة نتائج مسابقات 30 دولة التي شارك فيه التلاميذ، والذي تنظّمه الجمعية العالمية لتقييم الإنجازات التربوية؟ وما هو ترتيب الجزائر إذا كنا من بين 40 دولة المشاركة في المسابقة الخاصة بتقييم التطور العالمي في مجال القراءة والمجال الأدبي (PIRLS)؟ وما هو ترتيب الجزائر لو تشارك في تحقيق  PISA الدولي والذي يخص تقييم التلاميذ الذي لهم سن 15 عاما في القراءة والرياضيات والعلوم؟ ونفس الأسئلة فيما يخص الترتيب العالمي للجامعات الجزائرية التي تقيّم أساسا على عدد الأطروحات والمقالات العلمية التي تم نشرها في المجلات (revues) العلمية الدولية الدورية، وما هو حجم المشاركات الفعلية في الملتقيات العلمية الدولية وعقود بحوث التطوير الدولية الممضاة والمنجزة وعدد براءات الإختراع التي سجلتها المخابر الجزائرية لدى مؤسسات حماية الملكية الوطنية والدولية.... إلخ.
لهذا المشكل أننا نهتم بالكم والمبالغ المالية (المخصّصات المالية التي تم إنفاقها في المجال التعليمي)، وبالتالي نهتم بالسياسة التربوية الشكلية، تضاف إليها الإنجازات في مجال النصوص القانونية والإدارية، ونهمل السياسة التربوية الفعلية التي تعتمد على فهم ومعرفة مدى تحسين هذه السياسات من خلال التقييم الفعلي، والذي يرتكز على تحليل المعطيات المتوفرة الخاصة بالنتائج المحققة، وليس من منظور وطني وإنما من منظور عالمي، وبالتالي الاهتمام بالسياسة الفعلية والتي في النهاية تبرز محل هذه المنشآت القاعدية على المستوى الجهوي والقاري والدولي. وهنا تكمن قوة الدولة، لأن التقييم يجلب الكفاءة  للتحسين المستمر،  وخاتمته الثقة بين الرئيس والمرؤوس في كل الميادين.

توجد علاقة بين مستوى التّعليم والنمو فكلّما تطور أحدهما تطور الآخر والعكس صحيح

❊ المنظومة التّعليمية والتّكوينية الحلقة القوية في تحقيق وتيرة نمو متقدّمة في مسار التّنمية البشرية؟
❊❊ التّعليم يشمل المعارف والكفاءات التي يجب اكتسابها على كل المستويات من خلال عدد من المقاييس (المفروضة أو غير الإجبارية) مع طرق تقييم أداء كل المنظومة، وبالتالي لا يمكن التحدث عن نمو إذا لم ترافقه آلية التقييم، علما أن ربع عدد السكان الجزائر منخرطون مباشرة في قطاع التربية (حوالي 9 مليون تلميذ في مختلف الأطوار وكذا في محو الأمية مع 700 ألف موظف)، وهذا دليل على ثقله في الاقتصاد، ما يفرض على المنظومة التربوية آليات خاصة بتقييم الأداء، بحيث هناك الفعالية الداخلية وتخصّ نسبة النجاح ونسبة التخلي عن المدرسة وعدد أو نسبة تكرار السنة، وأيضا تقييم الفعالية البيداغوجية ضمن وتيرة، والتي تتمثل في الامتحانات السنوية على مستوى المؤسسات التربوية ونسب النجاح في الامتحانات الخاصة بالشهادات والامتحانات الخاصة بمدى تطور المناهج بالمقارنة مع الديناميكية العالمية للمعارف في الرياضيات والأدب والكتابة مع تقييمها، ومدى تناسق البرامج التعليمية في مختلف الأطوار (حسب مؤشرات خاصة بذلك) وكذا المدة الفعلية للتعليم (الزمن الحقيقي للتدريس) والثقة والجو العام في قاعات الدروس والمؤسسات التربوية. وهناك عدة مناهج لتقييم و نشير مثلا إلى Monitoringlearningachievement والخاص بمنظمة UNICEF كما يمكن إستعماله كنموذج نظام التقييم Educationalquality South AfricaAssertion formonitoring المنتهج في جنوب إفريقيا.
 أما من حيث الأداء الخارجي، يلتفت للآثار الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للتعليم، فتبقى من أهم المؤشرات المعتمدة لأنها تهتم بالعلاقة بين التكوين والشغل وثقافة المواطن، ولها مؤشراتها الخاصة مثل تلك التي تعتمد العلاقة بين التربية والنمو، والتي أشارت إليها عدة بحوث جامعية والتي لاحظت العلاقة بين مستوى التعليم ومستوى النمو، بحيث كلما تطور أحدهما تطور الآخر والعكس صحيح. أما من حيث الفعالية فإنّ لها مؤشّراتها الخاصة تسلّط الضوء على المدخلات والمخرجات في المجال التربوي وعلاقاتها مع الدخل الفردي ومستوى إنفاق الأسر في المجال التربوي والتعليمي، ومدى مستوى الدعم الذي يتحصل عليه كل تلميذ على مستوى كل طور من الدولة. ونشير أن منظمة اليونيسكو (Unesco) أعدت ما يسمى بـ “التعليم للكل”، ويرتكز هذا التوجه على إيجاد العلاقة بين زيادة الموارد في قطاع التربية وتحسن في النتائج أم هي ضعيفة (أي الاهتمام بعلاقة أداء التدريس)، وهذا النوع من التقييم يجعل المناهج التربوية فارغة من المحتوى الإيديولوجي، ويولي الاهتمام للدليل المدرسي والكاتب من جانب متطلبات المعرفة والوقت الخاص بذلك.
 أما التقييم السياسي لقطاع التربية، فإنه يصب في التحليل للوثائق الرسمية والخاصة بالقوانين التوجيهية والتنظيم الساري المفعول من طرف خبراء، وكذا التقارير الرسمية وغير الرسمية والإحصائيات ووثائق الخبرات والتوصيات المقدمة في الملتقيات العلمية، ومدى استقلالية المنظومة التربوية تجاه السلطات العمومية من حيث مبتغى التعليم والوسائل المسخرة لتنظيم التعليم، وكذا محتوى القيم من باب ديمقراطية التعليم، والتي تعني الحق في التربية عند القطاع الخاص والعام بحظوظ متساوية وقواعد الحوكمة في حل المشاكل والمنازعات الداخلية الخاصة بالمؤسسات التربوية ومدى الإجماع على البرامج التربوية، لا سيما في مجال التربية المدنية والتاريخ والأدب ومدى استجابة المنظومة التربوية إلى متطلبات الحياة في المجتمع وقدرتها فيما يخص الإشعاع للفرد، وأيضا مدى علاقة النظام التربوي بالتربية الدينية، بحيث توفّر إمكانية إنشاء مدارس دينية والخاصة بهذا التكوين من الابتدائي إلى الجامعي وأخيرا دور المهارات في التربية وما هي الوسائل المتوفرة والخاصة بتوجيه التلاميذ في مختلف التخصصات ومدى حجم الدعم للتلميذ (عدد الساعات) ومدى الاستعداد للتعامل مع المتوسطة الوحيدة (collège unique)، ثم، ماذا لو أقمنا الباكالوريا 1 ثم البكالوريا 2 للتخفيف من عدد المقاييس (تكلل نهاية السنة الثانية من الطور الثانوي بامتحان في مادة الفرنسية مثلا مع عرض بحث أمام لجنة
وتسمى بالباكالوريا 1، ويتم الاحتفاظ بهذه النقاط و جمعها مع نقاط البكالوريا 2، علما أن في القسم النهائي للطور الثانوي فإن مادة الفلسفة  قد عوضت مادة الفرنسية)، وما هو دور الثانوية العامة والثانوية المهنية وهل يمكن الاختيار بين المنهج الياباني والدانماركي والسويدي والأيسلندي والنرويجي والفنلندي الذي يتشابه، والذي لا يقبل لتلميذ من تكرار السنة لأنه يجبر الأساتذة على إعطاء دروس استدراكية له، أو النظام الذي يقبل من أن يعيد التلميذ السنة مثلما هو الحال في ألمانيا والنمسا وهولندا والمجر، وبالتالي ما هو التوجه، هل نحو نمط كوريا الجنوبية المشابه لليابان أو النمط السويدي بحيث الفرق بين النمطين هو أن الأول ينتهج ديكتاتورية التعليم والذي يرتكز على العصا والثاني الذي ينتهج علي الحاكمية  والديمقراطية في التعليم والذي يرتكز على الزجر.

المنظومة الاقتصادية تبدو كأنّها ليست بحاجة للابتكار والباحثين وإلى ذكاء الأعمال

❊ هجرة الكفاءات (أو الأدمغة كما هو متعارف عليه) مسألة لا تزال مطروحة، كيف يوقف النزيف خاصة في ظل عولمة الاقتصاد وانفتاح الأسواق التي تبحث عن قيمة الابتكار والذكاء وكيف يمكن الاستفادة منها؟
❊❊ السّؤال يقودنا إلى نظام تقييم الجامعة، بحيث نظيف إلى ما أشرنا إليه سابقا فيما يخص الترتيب العالمي للجامعات عدد العقود الصناعية التي تتطلب تدخل المخابر الجامعية، وهنا يكمن الضعف. فإذا رجعنا إلى الإدارات المركزية والمؤسسات الإدارية فإنها بحاجة إلى تنوير صاحب القرار السياسي أو الإداري، وبالتالي هذه الهيئات الرسمية والمؤسساتية ترتكز في عملها على عمل اللجان  واللجان الفرعية التي تضم ممثلين لجمعيات واداريين وشبه مختصين والمعنين وغير المعنيين وبالنظر إلى اعتمادها حل الإشكال أوالمعضلة من زاوية معينة، فإنها تتميز بقصر نظرها وعدم إمكانية مقارنة النماذج والتجارب الدولية الناجحة وإن حرصت في عملها على النتائج، إلا أن اقتراحها يجسد في الميدان من باب الممارسة (الجانب الإداري)، وهذا ما أدى إلى وجود نقائص في المجال التشريعي والتنظيمي، لا سيما فيما يخص وضع آليات المنافسة والتقييس والمعايير والمطابقة مما جعل اقتصادنا عرضة لكل  ضغوطات السوق الخارجية مع ضعف المنافسة بالإضافة إلى غياب العوائق التقنية للتجارة الخارجية.
 وبالنسبة للمؤسسات الاقتصادية وفي غياب المراكز التقنية لمختلف الشعب (بحيث يوجد في فرنسا 17 مركزا تقنيا خاصا بالبلاستيك والحديد والورق والخضر والفواكه...إلخ)، والتي لها دور الوسيط بين كل من المخابر الجامعية ومراكز التجارب والمؤسسات الاقتصادية، لتبقى أهم الوظائف في المؤسسة الإقتصادية والخاصة بالبحث والتطوير غائبة في جل الشركات، مما جعل المنظومة الاقتصادية كانها ليست بحاجة للابتكار والباحثين وإلى ذكاء الأعمال، بل تعتمد على الحيلة والحيل.
ولفهم الموضوع ندعو إلى تقييم أي مدرسة وطنية، ولعل أحسنها المدارس المتعددة التقنيات (polytechniques) مع الاعتماد على المعايير الثلاثة التالية، وهي أولا، اندماج الطلبة (نقطة حول اندماج التلميذ، المدة الإلزامية لتدريب خارج المدرسة بالأشهر، الأجر السنوي عند الخروج من المدرسة، عدد الأشهر التي ينتظرها المتخرج قبل الحصول على العمل، عدد التلاميذ القدماء الذين لا يزالون يمارسون النشاط في التخصص)، وثانيا، الخاصة بالمجال العالمي (أي النقطة أو الترتيب العالمي، عدد اتفاقيات الشراكة مع الخارج، عدد الطلبة المسجلين في الخارج بالنسبة المئوية، عدد ازدواجية الشهادات للطلبة في الداخل والخارج، عدد الطلبة الأجانب في طور التكوين)، وثالثا، وأخيرا وتخص  البحث (تنقيط خاص بعدد العقود ونوعيتها، رقم الأعمال الناجم عن عقود البحث، عدد الطلبة المسجلين في الطور الثالث ماجستير والدكتوراه، عدد المناصب الخاصة بالأستاذة الباحثين). يقودونا هذا التقييم حتما إلى التفكير في عدد البراءات والاختراعات والتكنولوجيات الإبداعية، والمهن الجديدة والمستقبلية التي يجب من أن نصل إليها.

اقتصاد المعرفة يمثّل في الدول المتطوّرة أكثر من 50 % من النّاتج الداخلي الخام

❊ بلدان عديدة نجحت في بناء اقتصاد المعرفة ليعوّض العجز في البنية الاقتصادية التّقليدية (المادية)، أين نحن من هذا؟ وما مدى مسؤولية المؤسسة الجزائرية (الانفتاح الناجع على الجامعات ومراكز البحث التطبيقي)؟
❊❊ أفضّل عدم الإجابة على هذا السؤال، لأن من الجانب الأكاديمي يمكن كتابة مجلدات لأن اقتصاد المعرفة يبدأ من إدراك دور المعرفة والتكنولوجيا في النمو الاقتصادي بحيث تعتبر المعرفة الرأسمال البشري، والتي تدرج التكنولوجيات باعتبارها مركز التطور الاقتصادي، بحيث أصبح اقتصاد المعرفة يمثل في الدول المتطورة أكثر من 50 % من الناتج القومي المحلي (الدخل المحلي الوطني)، وهذا ما يعني أن اقتصادياتها أصبحت ترتكز على اقتصاد المعرفة، لأن الإنتاج والعمل أصبح يعرف توسعا سريعا في الصناعات المتطورة كالإعلام الآلي والإلكترونيك والفضاء، وما يرافقه من خدمات وما يستقطب من رأسمال. وما حدث هذا الأسبوع خير مثال ودليل لإجابة عن السؤال بحيث كانت الريادة  لشركة Apple في البورصة الأمريكية بورصة S&Pg نيويورك لتتجاوزها منذ يومين فقط شركة Alphabet صاحبة محرك البحث Google والتي أصبحت رسملتها البورصية (الرأسمال الاجتماعي المطروح في البورصة) يساوي ٢ ، ٥٤٣ مليار دولار، وتصبح أكبر شركة في العالم بتفوقها على شركة  Apple التي كانت تحتل هذه الريادة سابقا برأسمال في البورصة قدره ١ ، ٥٣٠ مليار دولار، وجاء هذا الفرق بين الشركتين المختصتين في قطاع تكنولوجيات دقيقة، هو أن شركة Alphabet أخذت أكبر مخاطرة لأنّها راهنت على توجه في المستقبل (سيناريو مستقبلي) يتطلب معرفة جديدة لازالت قيد البحث والتطوير، وأنّ الابتكار الجديد غير مضمون. 

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18362

العدد18362

الأربعاء 23 سبتمبر 2020
العدد18361

العدد18361

الثلاثاء 22 سبتمبر 2020
العدد18360

العدد18360

الإثنين 21 سبتمبر 2020
العدد18359

العدد18359

الأحد 20 سبتمبر 2020