محمد الأخضر بدر الدين (أمين عام سابق لفيدرالية المحروقات):

اعتداء “تيقنتورين” استهدف ضرب نجاح تكريس الاستقرار والتنمية

أجرى الحوار: سعيد بن عياد

 السيد محمد الأخضر بدر الدين نقابي واكب مسار التأميمات، أمين وطني سابق مكلف بالاقتصاد، أمين عام اتحادية النفط من 1992 إلى 2007 ومجاهد حيث زج به الاستعمار الفرنسي في سجن فران بباريس وعمره 19 سنة. يعود في هذا الحوار إلى واقع قطاع المحروقات قبل وبعد التأميمات ورؤيته للمستقبل والمغزى من إحياء ذكرى 24 فيفري هذه السنة بموقع تيقنتورين لإنتاج الغاز الذي تعرض لاعتداء إرهابي استهدف مصدر قوت الشعب الجزائري قبل أن يسحقه بواسل الجيش الوطني الشعبي حامي الحمى والذراع الضاربة للجزائر المستقلة، وفيما يلي مضمون الحوار.
 الشعب: يجري إحياء ذكرى تأميم المحروقات بموقع تيقنتورين بعين اميناس، إلى ماذا يرمز هذا وما هي أبعاد الاعتداء الإرهابي متعدد الجنسيات الذي استهدف مصنع إنتاج الغاز؟
محمد الأخضر بدر الدين: الاعتداء الإرهابي على الجزائر بدأ في التسعينات وواجهته بإرادة الشعب وبمؤسساته، لكن اعتداء تيقنتورين بعين أميناس نفذته عناصر من جنسيات مختلفة استهدفوا ضرب نجاح بلادنا في تكريس الاستقرار والتنمية في وقت تعاني بلدان أخرى من أوضاع صعبة. لقد مررنا بتلك المرحلة الحرجة واليوم نشق الطريق السليم الأمر الذي لا يناسب أهداف بعض الأوساط ذلك أن امبريالية اليوم أو الاستعمار الجديد اخطر بكثير من استعمار الأمس فهو يتسلل خلف شعارات مثل الديمقراطية، الحريات وازدهار الشعوب ليحدث فتنة داخل المجتمعات فتنهب ثروات الشعوب التي تقع في الفخ.
لكن بالمقابل هذا الاعتداء منح الفرصة للعمال الجزائريين ليؤكدوا تشبعهم بالشجاعة والحكمة والتجند الفوري للدفاع عن القاعدة الغازية الرمز كما هي الفرصة تماما للجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني ليعطي لهم العبرة بحسم للموقف على درجة خطورته فقطع دابر المؤامرة ومن ثمة التأكيد على أن حرمة السيادة الوطنية خط احمر لا هوادة في الدفاع عنها وان لدينا جيشا في مستوى الأحداث، وهنا اغتنم الفرصة لتحية جيشنا الباسل وكافة أسلاك الأمن لبلادنا التي تضحي من اجل امن وسلامة البلاد والعباد.
وبالنسبة للشركاء الأجانب فهم يدركون أن الذي حصل بتيقنتورين اقل مما حصل في اعتداءات نيويورك في11 سبتمبر 2001 وان الإرهاب يتجاوز الحدود والمجتمعات ومن ثمة فان المعالجة التي لجأت إليها الجزائر في مواجهة العدوان تبعث فيهم الاطمئنان. وينبغي الإشارة إلى أن مكافحة الإرهاب مسؤولية كافة المجتمع وليست جهة معينة وفي الجنوب ينبغي تجنيد العمال وتوعيتهم بربط اتصال دائم معهم إلى جانب تواجد الجهات الأمنية المختصة.
إن قطاع النفط يبقى قطاعا رائدا كونه ثروة قبل أن يكون صناعة، لكن لا يجب أن يدفع هذا إلى التهاون والاتكال لان الثروة ستزول يوما وعليه الأهم توظيف مداخيلها في البناء والتطور الصناعي في قطاعات لدينا عجز فيها مثل الدواء، الغذاء والسياحة باعتبار أفضل تصدير هو الحد من الاستيراد. والخيار الأجدر يكمن في الاعتماد على الذات واعتقد أن الدولة حاليا في الاتجاه المطلوب والمجتمع مطالب بالمساهمة أكثر.
تتزامن الذكرى مع تاريخ ميلاد الاتحاد العام للعمال الجزائريين في 24 فيفري 1956 ، إلى ماذا يرمز هذا وما هي مكانة النقابة العتيدة في المشهد الوطني في ظل تحديات على أكثر من صعيد؟
- ميلاد اتحاد العمال كان بفكرة وطنية وواجه حينها ما تعرضت له الثورة، ولذلك للاتحاد مسار طويل وربما النقص يكمن في عدم إنشاء معهد لتاريخ الحركة النقابية والاتحاد أساسا. لقد لعبت النقابة خلال الثورة دورا دبلوماسيا قويا من خلال العلاقات مع النقابات في بلدان مختلفة فأثرت في حكوماتها للاعتراف بالقضية الجزائرية والحكومة المؤقتة وتم استثمار وجود اتحاد العمال في الحركة النقابية العالمية الحرة(سي.أس.أل) لكسب تأييد عالمي لثورة التحرير.
وبعد استرجاع السيادة الوطنية قام اتحاد العمال بدور كبير لخدمة البلاد والمجتمع فكل المعامل التي هجرها الفرنسيون سيرها العمال الجزائريون وأحيانا كثيرة بإمكانياتهم البسيطة. كنا نقابة حرة لكن ساندنا كافة القرارات التي اتخذتها الدولة مثل تأميم المناجم، البنوك والمحروقات ورافقنا مسار التصنيع، لم نكن نقابة معارضة بل مكملة للدولة في خدمة المجموعة الوطنية وهذا ما يهمنا.
واصلنا الدفاع عن حقوق العمال دون المساس بالمصلحة الوطنية للبلاد وكافح النقابيون الإرهاب الذي أزهق أرواح 500 نقابي واسأل من قدم أكثر من العمال ومن كان في الصفوف الأولى في زمن غادر فيه الكثير البلاد؟. لهذا لا يمكن أن نكون غير نقابة وطنية في خدمة المصلحة الوطنية ومن ثمة تكون معارضة الحكم عندما يكون ضد الشعب والعمال لكن طالما أن الحكم يخدم الأمة والعمال لا يمكن معارضته.
وبالمناسبة احيي اتحاد العمال وأمينه العام الذي يعمل بحكمة وصبر من اجل تدعيم مناخ الاستقرار وحماية المصالح الوطنية والدليل أن أول ماي تم إحياؤه بتمنراست و24 فيفري هذه السنة بتقنتورين للتأكيد على التضامن مع العمال والمؤسسة الاقتصادية. حقيقة هناك مشاكل اجتماعية لا يمكن تجاهلها لكن يوجد عمل لمعالجتها بالحوار ويتم العمل مع الشركاء لإيجاد مفاتيح الحل بإشراف الأمين العام للمركزية النقابية شخصيا. وبرأيي القدرة الشرائية لا يمكن حلها إلا إذا دخلت الدولة للحد من سيطرة الوسطاء مما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويسقط حسابات الذين يصطادون في المياه العكرة.
بالمناسبة نعود إلى ما قبل التأميمات، كيف كانت أوضاع العمل مع الشركات الأجنبية وما هو ثقل قطاع المحروقات في ديناميكة الثورة ضد الاستعمار، وهل كانت هناك حركات احتجاجية ومناهضة تمهد لاسترجاع الثروات الوطنية؟
- بعد الاستقلال الذي نالته الجزائر بفضل الثورة التحريرية الخالدة ورثنا قطاعا بتروليا خاصا سواء في الإنتاج او التوزيع عبر التراب الوطني، ولان الثورة لم تكن من فراغ وبدون مرجعية تصدى قادتها الذين يمتازون بالاستثناء في الذكاء والعزيمة لمشروع ديغول في محاولته فصل الصحراء عن المفاوضات حينما صرح بنعم للاستقلال لكن خارج الحديث عن الصحراء وذلك من اجل الاستحواذ على ثروات النفط، غير أن القادة الذين تفطنوا للمؤامرة أحبطوا مشروعه متمسكين بالصحراء جزءا لا ينفصل عن البلاد. وفي خضم الحرب فان الفترة من 1958 إلى 1962 ربما شهدت ارتفاع عدد الشهداء الأبرار الذين سقطوا فداء للجزائر أكثر من الفترة السابقة بالنظر لاشتداد الصراع مع الإدارة الاستعمارية بشأن تقرير المصير ومستقبل الصحراء التي تم استرجاعها بقوة الحرب والقدرة التفاوضية الرهيبة التي تمتع بها بواسل جيل صمم على إنهاء احتلال استنزف الأرض والعباد.
وعقب استرجاع السيادة الوطنية بادرت الجزائر بإنشاء معهد المحروقات والنسيج ببومرداس ثم تلاه المعهد الجزائري للنفط من اجل إعداد وتحضير الإطارات مما يؤكد أن الثورة التحريرية بقدر ما كانت تقود المعارك على الأرض بقدر ما كانت أيضا تهيئ الظروف التي تتطلبها عملية استرجاع الثروات الطبيعية وخاصة النفط لفائدة المجموعة الوطنية وهو ما تم انجازه بإعلان قرار التأميم في 24 فيفري 1971 وبالفعل لم يكن قرار استرجاع المحروقات قرارا ارتجاليا أو مجرد رد فعل.
وجراء قيام الحرب العربية الإسرائيلية في جوان 1967 قامت القيادة السياسية الجزائرية بتأميم الشركات الامريكية لتوزيع النفط (ايسو وموبيل)، وفي 1968 أممت جميع شركات التوزيع الأجنبية ومؤسسات النفط مثل ( توتال) و(ب.ب) التي اشترتها الجزائر سنة 1967. وخلال تلك الفترة كنت ضمن اتحادية النفط والغاز والمواد المشابهة التي كانت تضم نقابيين من مستوى عال ولديهم مواقف وفكر تقدمي. وفي ماي من سنة 1968 تمت المبادرة بتنظيم ندوة دولية لنقابات البترول والغاز والمواد الكيماوية افتتحها الرئيس الراحل هواري بومدين حضرها نقابيون من الوطن العربي وبلدان القطب الاشتراكي والنقابات التقدمية مثل (س.ج.ت) الفرنسية. ومن تلك الندوة تشكل إطار ما بين النقابات تدعى الهيئة المناهضة للشركات الاحتكارية ويتعلق الأمر بالشركات متعددة الجنسيات. وضمن الاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي تأسس في سياق تحرير البلاد وبنائها عملنا في أوساط العمال لتحضير المناخ في ميدان التأهيل وكانت النقابة حينذاك تطالب بجزأرة المناصب، ولتحقيق هذا تم إنشاء مدارس للتكوين تستقبل العمال في المساء والليل ولا تزال إلى اليوم وتم الحرص على تكوينهم سياسيا ليكونوا في الموعد.
و خاض عمال الشركات البترولية الأجنبية سلسلة من الإضرابات في الجنوب على مستوى الحقول المنتجة وبالذات في الموقع المسمى حاليا “24 فيفري” الذي كان يحمل اسم “الدار الخضراء”، وذلك لرفض الأمر الواقع كون النظام القانوني لتلك الشركات كان يميز بين العمال الجزائريين والأجانب حتى في الدخول إلى المطعم والمقهى لقد كان “ابرتايد” بمعنى تمييز عنصري حقيقي والجزائر مستقلة. وبعين اميناس عل مستوى شركة “كرابس” قمنا بشن إضراب لمدة قاربت الشهر سنة 1968 ، وكان موقفا قويا إلى درجة إغلاق الآبار. وكان حينها تصدير البترول يتم عبر ميناء “سخيرة” بتونس ولذلك لم يكن لدينا الإمكانية لمراقبة الكميات التي تصدرها الشركة الأجنبية من بترول بلادنا. وبعد ذلك تطور الأمر إلى القيام باحتلال النقابة لمقر الشركة حيث تم اكتشاف جريمة التزوير في السجلات الخاصة بالحسابات وتم إبلاغ السلطات المختصة للدولة.
ويجب التوقف عند تأسيس شركة سوناطراك سنة 1963 حيث ساد انسجام عميق بين المسؤولين والنقابة بالرغم من تدني الأجور مقارنة بالشركات الأجنبية. واعدت النقابة جميع الوسائل التي أدت إلى إبرام اتفاقية سنة 1970 تجسد سياسة الحوار والتشاور القائم حاليا داخل هذه المؤسسة وذلك من اجل تجنيد الطاقات وتوفير المناخ المناسب لكل القرارات التي تصدر عن الدولة على مسار إتمام التحرر بكامل معناه.
وفي يوم 24 فيفري 1971 التاريخي لما أعلن الرئيس الراحل بومدين ـ وهو محل تقدير وشكر من كافة الأجيال التي يبقى في أذهانها ـ من دار الشعب حيث مقر اتحاد العمال عن قرار تأميم البترول والغاز وإنهاء وضع غير طبيعي في بلد انتزع استقلاله سادت فرحة عارمة كل أرجاء البلاد خاصة في أوساط عمال القطاع البترولي والنقابيين الذين كانوا يتطلعون لذلك ومنه تم الشروع في العمل في ظل عهد بترولي جديد أعاد للأمة ثروتها التي لا تزال تضمن النمو. وفي ذلك اليوم كان المناخ اكبر من أن يوصف، فقد انطلقت عبارة قررنا التأميم من دار الشعب وفي يوم إحياء ذكرى تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين. وجرى الاعتماد في تجسيد القرار السياسي المشهود على العمال ولهذا السبب بقيت وفيا للقرار وقاومت مشروع قانون المحروقات للوزير شكيب خليل الذي حاول إلغاء مكاسب التأميمات.
 بعد كل هذا المسار من استرجاع النفط للمجموعة الوطنية، ماذا تحقق جراء تلك القرارات التاريخية وماذا تمثل للأجيال في بلد قدم فيه الأسلاف كل غال من اجل الكرامة والرفاهية؟
-  بوضوح حققت البحبوحة التي توجد حاليا. إن من كان يتمتع بخيرات بلادنا قبل تأميمها هم الأجانب، وكنا نخشى انعكاسات الحصار الاقتصادي الذي قامت به فرنسا لمحاولة كسر القرار مروجة أن البترول الجزائري غير جيد لأنه احمر، احمرار دم الشهداء الأبرار طبعا كما عقب على ذلك بومدين مصمما على المضي قدما في العملية. وكنا نخشى تكرار فشل تجربة محاولات تأميم سابقة في بلدان أخرى مثل إيران حيث راح مصدق ضحية مؤامرة الشقيقات السبع التي أسقطت نظامه التقدمي في سنة 1952. والحمد لله نجحت الجزائر في مخططها على طريق الاستقلال الاقتصادي وتمكين الشعب الجزائري من استغلال موارده في بناء الإنسان والبلاد. وبفضل الجزائر قامت بلدان أخرى بنفس الخيار ولذلك فان ثمرة نوفمبر حررت أفريقيا والـ24 فيفري حرر الثروات الباطنية. وفي ماي 1971 شاركنا في ندوة دولية بألمانيا الديمقراطية سابقا حيث طالبنا بتضامن دولي. وحينها لم نجد تضامنا ما عدا من نقابة س.ج.ت، أما النقابات العربية فلم تتجاوب معنا فعبرنا عن احتجاجانا القوي حتى كسبنا منه تضامن نقابات دولية عديدة زارت الجزائر لتأكيد ذلك.
لقد غادر الفرنسيون بلادنا وهم يحلمون بتوقف النشاط البترولي لكن بفضل عمالنا وبالأخص الإطارات التي تكونت في المعاهد أمكن ضمان تشغيل الآبار فتم رفع التحدي وتبخر حلم الفرنسيين الذين كانوا ينتظرون انطفاء الشعلة التي بقيت متوهجة في إشارة إلى أن الجزائر لن تتوقف. وهكذا بفضل النفط تملك الجزائر نسيجا صناعيا هائلا وها هي الدولة تعود اليوم لتأهيله حتى يكون في خدمة المجتمع لان الجزائر دفعت ثمنا باهظا خلال تعرضها للإرهاب ودكتاتورية “الافامي” والبنك العالمي الذي كان يروج للخوصصة على أنها الحل قبل أن يدركوا أنها ليست الحل بدليل أن نائب مدير البنك العالمي اصدر كتابا بعنوان “وهم الخوصصة”.
للأسف مقابل كل هذه الحصيلة والمكاسب يمر قطاع المحروقات بمرحلة تطرح الفساد في الواجهة مما يثير تساؤلات تتطلب إجابات لإحباط كل مزايدة وطمأنة المجموعة الوطنية في مواجهة محيط يفرز مخاطر عديدة، ما تعليقك؟
- في عهد الوزير شكيب خليل عارضته في وضح النهار ونددت بما كان يقوم به على صعيد التسيير وكانت لديه قوة نفوذ كبيرة مع محيطه. اليوم يجب تقديم أدلة في مسألة مثل هذه فلا يمكن تقديم اتهامات بدون أدلة. والسؤال هل هناك تورط للأشخاص المذكورين فيما يعرفه الرأي العام، وهل هناك جهات تريد توظيف الموضوع لضرب الاستقرار؟ وإذا ثبت التورط فلا نندهش لان الفساد استشرى جميع القطاعات غير انه يجب تسليط الضوء على هذه المسألة بكثير من الحذر، وهنا ادعم موقف الوزير يوسف يوسفي الذي صرح من منتدى جريدة “الشعب” مؤخرا بأنه يجب ترك العدالة تعمل وفي ضوء ما تصل إليه يتم اتخاذ ما يفرضه القانون ذلك أن مصلحة الأمة اكبر من الكل.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17800

العدد 17800

الثلاثاء 20 نوفمبر 2018
العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018