الجامعة العربية بأمين عام جديد

أيّ دور في المشهدين السّياسي والأمني اليوم؟

جمال أوكيلي

الجامعة العربية هذا «الكيان السياسي» لم يطرأ عليه منذ سبعين سنة أي تغيير يذكر على صعيد تفعيل الميثاق ما بين البلدان الـ ٢٢، وما أفرزه من التزامات ملحّة وفارضة لنفسها كمعاهدة الدّفاع المشترك التي للأسف بقيت حبرا على ورق، يستحيل بعثها في الوقت الرّاهن بسبب السّياق الأمني الموجود في الدّول العربية والمتميّز بالتمزق والتّهديد
وقيل ما قيل عن هذه المؤسّسة، وكل الاتجاهات أبدت عدم رضاها عن أدائها على أكثر من مستوى خاصة السياسي منه، أما العسكري فحدّث ولا حرج، والغريب في كل هذا أن المتتبّعين للشّأن العربي لا يتذكّرون أيّ موقف تاريخي سجّل لصالح القضية العربية، لا لشيء سوى لأنّ موازين القوى في صناعة القرار بداخلها أو قل في أروقتها كان مختلاّ لصالح المهادنة وليس للمواجهة.
وقد ضيّع العرب فرصة قمّة الجزائر لإصلاح الجامعة بشكل جذري، وهذا عندما طرحت بدائل عملية، منها ما يعرف بتدوير الرّئاسة وعدم تركها رهينة أو في قبضة جهة معيّنة. للأسف هذه الاقتراحات لم تجد أذانا صاغية، كون «التيار المحافظ» رغب أو أراد الاستمرارية في هذا النّهج غير الطّبيعي، والذي يتنافض مع إرادة التّغيير التي كانت في محلّها آنذاك، وحتمية لا مفر منها تريد أن تتساوق مع الأحداث، وأصرّ البعض على تغيير التّسمية من جامعة إلى اتحاد.
ولم يتحقّق أي شيء من كل هذه الأفكار المطروحة ماعدا الاجتماع السّنوي للقادة العرب، أما ما تقرّر من إصلاحات عميقة ذات النّوايا الحسنة التي أعلنت في الجزائرلم تجد التّطبيق الميداني، وفضّل الكثير الابقاء على هياكل تسيير أكل عليها الدهر وشرب، وتجاوزتها الوقائع خاصة عقب سقوط جدار برلين وانهيار المعسكر الاشتراكي.
وفي خضم هذه الحركية الدّؤوبة، كان لميلاد جبهة الصّمود والتصدي القطيعة النّهائية مع الردة والارتماء في أحضان إسرائيل، هذا الموقف الوطني النّابع من رحم الشّعوب العربية التواقة إلى الانتصار عقب تلك الهزائم المتتالية اتّخذته الطّلائع القومية المؤمنة إيمانا راسخا بمستقبل هذه الأمّة والذّود عن شرفها.
وهكذا تمّ نقل مقر الجامعة إلى تونس ليترأّسها السيد الشاذلي القليبي، وحاول هذا الأخير التكيف مع المستجدات، وهذا بالسعي لإعادة بناء الذّات العربية الرّافضة التّطبيع مع إسرائيل، إلاّ أنّ الجامعة عادت مرة ثانية إلى «مسقط رأسها» إلى غاية يومنا هذا.
وهكذا عجزت هذه الجامعة في التكيف مع التّغييرات الحاصلة في العالم، كل المنظّمات سعت لتغيير طرق عملها بما يتناسب مع سيرورة العلاقات الدولية إلاّ الجامعة العربية التي تعاني من «أمراض مزمنة» ألزمتها السّكون.
فماذا عساها أن تقوم به اليوم في وسط هذه الأهوال التي يعيشها العالم العربي؟ على ضوء انتقال «الرّئاسة» من نبيل العربي إلى أبي الغيط، تساؤلات مشروعة تثيرها أوساط مهتمّة قد تتحوّل إلى تخوّفات ناجمة عن الأخطاء المرتكبة سياسيا، والتي لا تتماشى مع الظّرف الرّاهن. ونقصد هنا القرارات المتّخذة التي يغيب عنها الاجماع كونها ذات صلة وثيقة بمسائل ضيّقة جدا لا تخدم المواطن العربي بقدر ما تزرع فيه روح الشك تجاه ما يجري حوله.
وإلى يومنا هذا، علينا الاعتراف بأنّ العرب لم يولوا ذلك الاهتمام للملف السّوري، وهذا عندما نقلوه إلى أطراف أخرى لتتلاعب به كما يحلو لها، وتدرجه في أجندات معيّنة، هذا ما ولّد كل ذلك الاختلاف حول كيفية النّظر إلى حزب الله.
فصيغة التّضييق هذه يتبعها الأمريكيون وبدرجة أقل الأوروبيين، الذين يسلّطون عقوبات صارمة على كل من يدرجونه في قوائمهم، خاصة في الجوانب المالية والأعمال، وهذا ما يسجل اليوم.
هذه العيّنة التي نسفت المواقف العربية تجاه حزب الله، تعود إلى عدم الالمام بالموضوع في زواياه الاستشرافية، فبدلا من إعادة طرح الأزمة السّورية بأبعادها، راح البعض إلى إثارة الجزء من الكل، وبإمكان المناوئين لذلك التّنظيم أن يلحقوا به الضّرر السياسي، لكن ذلك لا يغير أي شيء على الواقع، وعليه دعت البعض من الدول العربية إلى التحلي بالنّظرة الواقعية في هذه القضايا، أي عدم جرّ الجامعة إلى متاهات أكبر منها، وهذا بزجّها في مسار ضيّق لا يخدم أي جهة ماعدا البحث عن الهالة السياسية.
والاشارة إلى هذه النّقطة هي بمثابة تنبيه إلى الأمين العام الجديد، المطلوب منه أن يخرج الجامعة عن إطار اللّعبة والمناورة السياسيتين التي قد تضرّها أكثر ممّا تنفعها، وتحرمها حتى من الدور المنوط بها والمخوّل لها في خدمة القضايا العربية  الحسّاسة كفلسطين، أزمات سوريا، اليمن وليبيا، هذه هي التحديات التي تنتظر أبو الغيط بعيدا كل البعد عن الاملاءات.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18293

العدد18293

الأربعاء 01 جويلية 2020
العدد18292

العدد18292

الثلاثاء 30 جوان 2020
العدد18291

العدد18291

الإثنين 29 جوان 2020
العدد18290

العدد18290

الأحد 28 جوان 2020