الدكتور عمار شلابي (أستاذ بجامعة سكيكدة ):

الارتقـاء بالإنتـاج إلى مستـوى المنافسـة الخارجيـة

كيكدة: خالد العيفة

يرى الدكتور عمار شلابي، أن النهوض بالقطاع الاقتصادي العمومي، وخلق محيط اقتصادي أكثر وضوحا وشفافية، أصبح ضرورة حتمية تمليها التحديات التي تحيط بمؤسسات هذا القطاع، خاصة وأن الجزائر تسير بخطى حثيثة من أجل الاندماج في حركية الاقتصاد العالمي، وبالتالي بات لزاما على هذا القطاع التزود بالوسائل التي تقيه صدمة الانفتاح بعيدا عن الحماية التي ضمنتها الدولة لعقود من الزمن، فالقطاع الاقتصادي العمومي أمام خيارين، إما التجدد أو التبدد، في وقت تأكد فيه أن تعظيم مكاسب الاندماج في الحركية الاقتصادية العالمية يتطلب تبني سياسة وطنية اقتصادية أكثر وضوحا وشفافية ضمن سياسة الإصلاح والتأهيل للنهوض بهذا القطاع، والارتقاء به إلى مستوى التنافسية والكفاءة الاقتصادية.

وأكد أستاذ الاقتصاد بجامعة 20 أوت 55 بسكيكدة، على أن إجراءات التقويم المطبقة لحد الآن لم تكن ذات جدوى اقتصادية وأن رفع الإنفاق في مجال التجهيز لم يحل أبدا مشاكل هذا القطاع مادام المحيط لم يتغير، فمعدلات النمو الاقتصادي المعلنة لم تكن بفعل نشاط المؤسسات الاقتصادية وإنما بفعل عوامل ظرفية من جهة وخارجة عن نطاق السيطرة من جهة أخرى، تتمثل أولا، في ارتفاع أسعار المحروقات بالنسبة لقطاع المحروقات وثانيا الظروف المناخية بالنسبة لقطاع للفلاحة وثالثا في نشاط القطاع الخاص بالنسبة للقطاع الصناعي.
التكنولوجيا الحديثة تحسم المنافسة
والسؤال الذي يطرح، هل هذا القطاع مؤهل للدفع بعجلة التنمية الاقتصادية وقيادة قاطرتها؟، خاصة وأن عولمة المنافسة وتنوع الأسواق وتجديد المنتجات وتطبيق التكنولوجيا الحديثة قد غيرت من محددات المنافسة، حيث لم تعد تقتصر فقط على مستوى تكلفة عوامل الإنتاج وتوفير المواد الأولية، بل تتعداها إلى الأمور المتعلقة بـنوعية هيكل مؤسسات القطاع الاقتصادي العمومي ثم  مدى ضغط المنافسة على الكفاءات والقدرات التنظيمية والتقنية للمؤسسات العمومية في الاستجابة السريعة لحاجيات الطلب والتغييرات الحاصلة فيه، وأخيرا  فعالية مصادر التجديد داخل المؤسسة العمومية.
حيث أن دواعي النهوض بالقطاع الاقتصادي العمومي تتمثل على وجه الخصوص في التوجهات الجديدة نحو اقتصاد حر وتنافسي والذي يتطلب إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية العمومية على أسس صحيحة تعتمد على مبدأي الكفاءة والمردودية.
وثانيها الوضعية الحالية للمؤسسات الاقتصادية العمومية التي تعاني من إختلالات أصبحت تعصف بوجودها.
وأخيرا، العولمة الاقتصادية وما تفرضه من منافسة تستدعي رفع قدرة المؤسسات لمواجهتها من جهة و للاستفادة من مزايا الاندماج الذكي في الاقتصاد العالمي.
من جهة أخرى، إن كل هذه الدواعي تتطلب وضع برنامج وطني لإعادة تأهيل القطاع العمومي ورفع قدرته على المنافسة بما يؤدي إلى تحسين المنتوج كما ونوعا وتخفيض كلفته، وإذا كانت معظم برامج التأهيل المعتمدة لحد الآن لم تحقق أهدافها المرجوة، فذلك راجع إلى الضعف الذي ميز هذه البرامج سواء من حيث الإعداد أو التنفيذ أوالمتابعة، يضاف إليها تركيز برامج التأهيل والتحديث الصناعي على المسائل الإدارية أكثر من تركيزها على تحسين نوعية المنتوج وتقليص كلفته، الأمر الذي جعل معظم هذه البرامج مجرد زقزقة في بقبقة، كما يقال.
فالمتحمسين لعولمة الاقتصاد الوطني يرون أن تخلف الجزائر يجعلها في عزلة، خاصة وأن معظم دول العالم أصبحت عضو في المنظمة العالمية للتجارة، والاندماج أصبح حتمية، وله مزايا عديدة تتمثل في:
 - السماح بقطع أشواط جديدة في مسار الإصلاحات وبذل المزيد من الجهد في إطار تأهيل المؤسسات الاقتصادية العمومية ومحيطها لمواجهة متطلبات العولمة.
 - الاستفادة من مزايا الاندماج والمتمثلة على وجه الخصوص في توفير السلع والخدمات على مستوى السوق المحلي بجودة عالية وأسعار تنافسية.
 - إن الاندماج في منظومة الاقتصاد العالمي ضمانا أساسيا يعطى للمستثمرين الأجانب وهو امتحان لإرادة الجزائر على ضمان الظروف المواتية التي تسمح للاقتصاد الجزائري بالاندماج على أحسن وجه وبأخف الأضرار في الاقتصاد العالمي.
 - خروج الجزائر من العزلة التي عانت منها والمقاطعة الاقتصادية غير المعلنة التي وجدت نفسها فيها بفعل الأوضاع الأمنية التي ميزت العشرية السوداء، والمساعدة على تحسين الأوضاع الأمنية في إطار التنسيق مع الدول الأعضاء.
 - إن الانضمام لا يلغي تماما إجراءات الحماية، بل إن المنظمة العالمية للتجارة تكفل حماية المؤسسات من المنافسة غير المتوازنة كما هو الشأن بالنسبة لسياسة الإغراق المفترس.
 - ارتفاع القدرة الشرائية للأسر الجزائرية وتخفيض أسعار المواد المستوردة، حيث يؤكد تقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي تحت عنوان »تحليل الانعكاسات الاقتصادية الكلية والقطاعية لاتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوربي« أن المستهلكين الجزائريين يدفعون رسوما إضافية في الأسعار المعتمدة تقدر بـ 12٪ من سعر بيع المادة ناتجة عن الحماية الجبائية والجمركية.
 - القضاء على التهريب من خلال إزالة الرسوم الجمركية نهائيا عن بعض السلع المستوردة، علما أن المهربين يستفيدون من وجود الرسوم التي تتحول إلى أرباح عند التهريب، وبعملية حسابية بسيطة، فإنه كلما ارتفعت نسبة الرسوم الجمركية ارتفعت معها أرباح المهربين والتجار غير الشرعيين، كما أن إلغاء الرسوم الجمركية لن تكون لها سوى تأثيرات هامشية على الموارد المالية للدولة باعتبار أن هذه الرسوم لا تشكل موردا أساسيا للاقتصاد الجزائري.
 إلا أن انعدام الفعالية الاقتصادية لمؤسسات القطاع العام يجعلنا أمام حتمية إعادة تأهيل هذا القطاع بالبحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الأعطال التي عانى منها والعمل على معالجتها ذلك أن الجهود السابقة ركزت على الأعراض المتمثلة في تسوية المشاكل المالية والعضوية التي تعاني منها هذه المؤسسات وأهملت الأسباب التي أدت إلى هذه المشاكل وهذا ما يجب تداركه في إطار جهود التأهيل.

 التزامات الدولة ومسؤولية  المتعاملين   

وأشار الدكتور شلابي أن الدولة عليها أربع التزامات، أولا تسهيل عملية الوصول إلى موارد الاستثمار (القرض، العقار الصناعي...إلخ) وثانيا، تسهيل عملية سوق الصرف والتحويل لفائدة المستثمرين والمؤسسات من خلال إعادة النظر في كل سياسة الصرف الحالية وإعطاء رؤية واضحة للمؤسسات وثالثا، دعم وتشجيع السوق ومحاربة القطاع الموازي والاقتصاد غير المصرح به، وأخيرا، محاربة البيروقراطية التي تعد وراء تأخر الاستثمار في الجزائر.
كما يتعين على الدولة الإسراع، في رأيه، في إقامة المحافظة العامة للتخطيط والاستشراف التي تتكفل بإعداد الرؤية الإستراتيجية للتنمية الاقتصادية ومعالجة إشكالية العقار الصناعي من خلال التكفل بفائض العقار العمومي على مستوى المؤسسات العمومية التي تستحوذ على الآلاف من الهكتارات دون استغلالها، ثم مواصلة استكمال إصلاح المنظومة البنكية والمصرفية وتطوير منظومة الدفع، وعصرنة الجمارك ومحاربة الغش  ومراجعة القانون التجاري، وتفعيل دور مجلس المنافسة
ثم إنشاء وكالة لتسيير الدين العمومي وتحضير برنامج تكميلي لدعم النمو على غرار مخطط دعم الإنعاش الاقتصادي، مع التأكيد على أهمية اختيار أصوب البرامج والمشاريع والتحكم في آجال وكلفة الإنجاز، وأخيرا مواصلة عملية التأهيل بالنسبة للقطاع الاقتصادي العمومي وتطهير محيط المؤسسات، وتكييف النظام الجبائي، في سبيل مساعدة الاستثمار، ثم العمد إلى حلول الشراكة والخوصصة بالنسبة للمؤسسات العمومية الاقتصادية.
ويجمع الدكتور شلابي على أن مستوى النمو الاقتصادي يرتبط بشكل كبير بقدرة المؤسسات الاقتصادية على خلق المنافع أو الزيادة فيها مهما كانت طبيعة القطاع الذي تنتمي إليه المؤسسة وبالتالي قدرتها على اقتحام الأسواق الدولية، وهذا يتطلب درجة عالية من التأهيل سواء تعلق الأمر بالمؤسسة الاقتصادية أو بهياكلها الارتكازية، لذا يتعين على السلطات العمومية مرافقة هذه المؤسسات في إطار مخطط وطني لإعادة تأهيلها، وتمكينها بالتالي من محركات التنافسية، من أجل الاطلاع بدورها في قيادة التنمية.

1 تعليق

  • رابط التعليق عبد الرؤوف عبد الرؤوف 21 أفريل 2013

    مقال جيد و معلومات قيمة , و لاكن المشكلة القائمة هي كيف نطبق هده الأفكار ؟ كيف نجسدها في أرض الواقع في ظل الظروف السياسية و الفساد التى تعانيها القطاعات الاقتصادية ؟ و تبقى الأسئلة مطروحة

    تقرير

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018