البعد البيئي في الاستثمار الصّناعي

سعيد بن عياد


إلى وقت مضى لم تكن للاعتبارات المتعلقة بالبيئة مدرجة في المشاريع الاستثمارية خاصة الصناعية بل أن متطلبات التنمية السريعة تحت طائل الضغوطات الاجتماعية أسقطت اعتبارات البيئة من الحسابات فكانت التكلفة مرتفعة بعد عقود، إذ انكمشت المساحات الصالحة للزراعة وتلوثت الآبار وتدهور المحيط أمام ثقل النفايات الصناعية وانبعاث إفرازاتها في الهواء. إلا أنه سرعان ما تمّ تدارك الموقف خاصة بعد أن انخرطت الجزائر في ديناميكية الحفاظ على البيئة ومشاركتها في تنمية التعاون الدولي من خلال اتفاق كيوتو وأخيرا دورها البارز في ندوة كوب 21 بباريس.
لم تنتظر كل ذلك الحراك الدولي الذي يخضع لتأثيرات القوى العالمية - المتحكمة في الصناعة والتكنولوجيات المتقدمة - المتورطة في تلويث المناخ، وبالتالي تدمير البيئة، لتبادر الجزائر بمواجهة الوضعية بالقدر المتاح من إمكانيات وتأطير تشريعي يوفر اليوم كافة الضمانات لحماية البيئة بإلزام المستثمرين والمؤسسات بتخصيص اهتمام لجانب البيئة في المشاريع والعمليات الاستثمارية خاصة الصناعية، وذلك بتخصيص موارد مالية ملائمة تساعد على تجسيد التوجه الجديد لإدراج البعد البيئي في الاستثمار.
وبالفعل يشكل هذا الموضوع انشغال عالم الاستثمار بالنظر للكلفة المالية التي تترتب عن خيار «اللاّبيئة» بمعنى إتلاف العناصر الحيوية في الطبيعة، وما يترتب عن أعباء التلوث بكل أنواعه مقارنة بخيار «حماية البيئة» بالمفهوم الواسع الذي يشمل إخضاع البرامج والمشاريع الصناعية والزراعية والسياحية والتكنولوجية لضوابط وشروط حماية البيئة والمحيط. وللإشارة، فإنّ الضّغوطات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة من متطلبات التشغيل وإنتاج الثروة وكل ما له صلة بالتنمية الشاملة قد تدفع أحيانا إلى تجاوز اعتبارات حماية البيئة الأمر الذي يقود في نهاية المطاف إلى نتائج وخيمة قد تنسف كل المكاسب التي تتحقق من قبل.
وفي ظل التوجه القائم على قاعدة النمو من خلال إرساء منظومة لمشاريع استثمارية إنتاجية على امتداد التراب الوطني خاصة في الهضاب العليا والجنوب، ينبغي التركيز على جانب حماية البيئة والمحيط من أخطار التلوث الذي قد يلحق ضررا بالموارد الباطنية والمناخ ويهدد مصادر حيوية مثل المياه الجوفية والغطاء النباتي والبنية الجغرافية بالنسبة للمناجم والمحاجر خاصة، وكذا الغابات الأراضي الخصبة.
لذلك فإنّ المتعامل الاقتصادي ملزم أن يستجيب لشروط ومعايير الحفاظ على البيئة من خلال إتباع قواعد ينص عليها القانون في كل القطاعات مثل إدخال وتركيب التجهيزات اللازمة، واتّباع مسار إنتاجي يضع البيئة في صدارة الانشغال قبل البحث عن الربح المالي، وذلك ضمن رؤية بعيدة المدى تدرج عنصر البيئة في لوحة قيادة المشروع مع إرساء برامج للتكوين الخاص للموارد البشرية بمختلف مستوياتها لإدراك الأهداف المحددة القائمة على معادلة إحداث التوازن بين إنتاج الثروة من جانب وحماية الموارد الطبيعية من جانب آخر.
وارتباطا بهذا الخيار الحتمي الذي يدرج الاستثمار والتنمية في المسار الاستراتيجي للتحول الاقتصادي، يقع على عاتق الجماعات المحلية عمل كبير في هذا المجال بالوقوف على كافة جوانب العملية الاقتصادية من خلال التواجد كطرف معني مباشرة خاصة بالحرص على مراقبة كل ما يتعلق بالبيئة ومرافقة المشاريع ضمن المعايير التي يسطرها القانون والإجراءات التنظيمية ذات الصلة مع ضرورة توسيع دائرة الاهتمام بالموضوع على مستوى غرف التجارة والصناعة وغرف المهن وكافة المتدخلين في الشأن الاستثماري لإرساء ثقافة استثمارية ذات أبعاد بيئية، بحيث يكون صاحب المشروع أول حريص على هذا التو

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018