الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية على عتبة الجولة الـ 12

الثمن مكلّف إذا تأخّرت المؤسسة الاقتصادية عن الاصلاحات

سعيد بن عياد

يسيل مسعى انضمام الجزائر إلى منظمة التجارة العالمية حبرا كثيرا، كما يثير تساؤلات لا تتوقف بشأن الانعكاسات الايجابية والسلبية في ضوء تجربة الشراكة
مع الاتحاد الأوروبي، وفي ظل عدم استكمال بناء المنظومة الاقتصادية القادرة على مواجهة منافسة تطرق الباب مبكرا وتلقي بظلالها على عالم الاقتصاد، بينما يبدو القائمون على شؤون دواليب
المؤسسات الاقتصادية في مفترق الطرق وفي حيرة لاختيار الوجهة بين إشارة الذهاب إلى المنظمة أو الخروج من دائرة المنظومة الاقتصادية والتجارة العالمية في المدين المتوسط والبعيد.

وفي هذا الإطار، يتوقع أن تجري من 21 إلى 23 ماي الجاري سلسلة لقاءات للتفاوض الثنائي بجنيف في ظل تسجيل مؤشرات لاستعداد عدد من البلدان لإتمام الاتفاق الثنائي.
وتوجد ستة لقاءات مبرمجة تتعلق بكل من أندونيسيا، ماليزيا، كندا، أستراليا، زيلندة الجديدة وتايبي الصينية.
وبالموازاة تحضّر الجزائر أجوبتها عن أسئلة بلدان أعضاء بالمنظمة لتقدّمها قبل نهاية شهر جوان أو منتصف جويلية القادم على أكثر تقدير، ويبدو أنّ ست اتفاقات ثنائية تمّ الانتهاء من إعدادها، وتخص بلدان فنزويلا، كوبا، سويسرا، البرازيل، الأورغواي والأرجنتين.
ويصبّ كل هذا في سياق التحضير للجولة الـ 12 المتوقعة في الخريف القادم في غياب حقائق في العمق حول مضامين التفاوض وتساؤلات البلدان التي بقدر ما فيها أطراف إيجابية بقدر ما فيها أخرى تعرقل وتعطل المسار.
لم يتوقّف الجدل بشأن مسار السعي للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، والذي قطع جولته الـ 11 في أفريل الماضي، التصعيد ولو وراء الستار بين دعاة الانفتاح والارتماء في أحضان المنظمة كخيار لا مفر منه، ودعاة الانغلاق والانكفاء على الذات ولو بفاتورة لا تقدر بالنظر للنظام العالمي الاقتصادي الذي أسقط الحواجز.
وسبق أن اصطدم وزير التجارة بممثل لحزب العمال في جلسة برلمانية في فترة سابقة في جو مشحون مع تخندق كل طرف وراء حججه ومبرراته، فيما للجزائر حججها ومبرراتها التي يجب أن تعلو فوق كل الحسابات.
وضمن هذا التوجه يرتقب أن تتواصل المفاوضات جلسات الحوار الاقتصادي دون تسرع أو تهاون، فيما ينتظر أن يضاعف الوفد الجزائري المفاوض من أدائه بكل الحنكة والذكاء اللازمين من منطلق أنّ الرغبة في الانضمام إلى هذه المنظمة التي تتحكم في التجارة العالمية وتفرض سلطانها بثقل يتعدى سلطان الحكومات هي رغبة جزائرية خالصة تعكس موقفا سياسيا تمت صياغته بحرية، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر لم يخفها وزير التجارة نفسه، عندما أعلن في تصريحات سابقة أنّ هذا الانضمام يحمل مخاطر على مستقبل المؤسسات الاقتصادية الوطنية، كون هذه الأخيرة ستكون حتما في مواجهة منافسة شرسة تفرضها الشركات الأجنبية لما تتوفر عليه من نجاعة.

 حماية فروع اقتصادية منتجة

 وتحسّبا لمثل هذا المآل وهو أمر يدق ناقوس الخطر لما تلوح به الشركات العالمية في كافة محاور النشاطات الاقتصادية والتجارية، من المفيد أن ترتّب آليات مندمجة من أجل حماية محاور الاقتصاد المنتجة تفاديا لتكرار تجربة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي لم تحقق مقابلا مناسبا لفاتورة التفكيك الجمركي من جهة، وتشجيعا لتنمية الصادرات خارج المحروقات التي حقّقت زيادة بنسبة 76 بالمائة في الثلاثي الأول من سنة 2013 مقارنة بنفس الفترة من سنة 2012. وقد سجّلت هذه الصادرات طيلة سنة 2012 أقل من 3 بالمائة من الحجم الإجمالي للصادرات، بما يعادل 2 ، 2 مليار دولار بالرغم من زيادة تجاوزت بـ 6 بالمائة من الحجم المسجل في سنة 2011.

ناقوس الخطر يدق...

 وعلى صعيد آخر ذي صلة بالموضوع، دقّ الوزير الأول عبد المالك سلال ناقوس الخطر بمناسبة تنظيم اجتماع لرؤساء المجالس المديرة لشركات تسيير مساهمات الدولة منذ أيام قليلة، مستنفرا الهمم للإسراع في ضخ دماء جديدة في دواليب المنظومة الاقتصادية الشاملة وبالأخص الصناعية منها، وذلك من أجل تثمين الكفاءات من خلال تعزيز الشراكة المحلية بكافة جوانبها العمومية أو المختلطة مع القطاع الوطني الخاص، أو الأجنبية باستقطاب متعاملين وشركات ذات وزن تعرف حاليا أوضاعا صعبة بفعل تداعيات الأزمة المالية العالمية.
وضمن هذا التوجه، وبالإضافة لجملة المشاريع الاستثمارية التي تم التوصل إليها في الفترة السابقة، أضيف إلى الحصيلة التي يجب الحرص على انجازها في آجالها، اتفاق لإنشاء مصنع للنسيج والتفصيل بالشراكة مع متعامل من تركيا يكون موقعه بغيليزان، وهو من ضمن ثماني وحدات مع مركز للتكوين والتدريب المهني.
غير أنّه يجب الحرص على تسريع آليات تجسدي المشاريع لكن دون تسرع، وبالتزام قوي بالمواصفات قصد التمكن حقيقة من استهداف الأسواق الخارجية التي تحسم فيها التنافسية الاقتصادية وفقا لمقاييس الجودة والأسعار.

مؤشرات خضراء إلى حين

 وفي ذات الإطار، فإنّ المؤشّرات الكلية لا تزال خضراء مكرّسة مناخ ارتياح يجب أن يوظف لإعداد المرحلة المستقبلية، ولعل أبرز مؤشر ما أكده خبراء صندوق النقد الدولي الذين أقاموا مؤخرا بالجزائر من تراجع لمعدل البطالة من 27 ، 7 بالمائة سنة 2000 إلى 10 بالمائة سنة 2011 ، أي أنّها تقلّصت بأكثر من النصف خلال 11 سنة فقط، كما أشاروا إلى توقع استمرار تراجعها من 9 ، 7 في 2012 إلى 9 ، 3 سنة 2013 ليصل معدلها نسبة 9 بالمائة سنة 2014.
وتصنّف هذه المعدلات بالمشجّعة كونها تقارب أو أفضل من معدلات في بلدان أوروبية، حيث وصلت البطالة في اليونان نسبة 60 بالمائة وبإسبانيا 56 بالمائة، وبلغت 24 بالمائة في منطقة اليورو خلال شهر فيفري المنصرم.

 مكافحة الفساد...صمّام الأمان

 وعلى صعيد آخر، تمثل مكافحة الرشوة مهمة جوهرية في صلب الإصلاحات، وهي بمثابة تأشيرة لدعم الخيار الذي سطرته الجزائر بما فيه الانضمام إلى المحفل التجاري العالمي.
وفي هذا الإطار، استقبلت قبل أيام مضت وفدا من خبراء معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الرشوة لتعميق الآليات والدفع بالمسار إلى الأفضل، علما أنّ الجزائر كانت من البلدان السباقة للتوقيع على المعاهدة لما في الموضوع من أهمية لحماية المنظومة الاقتصادية وتكريس مناخ شفاف يفسح المجال أمام المنافسة الشرعية.

  القطاع العام يتجدّد أو يتبدّد

ولأنّ الذهاب إلى منظمة التجارة العالمية ليس رحلة أو مغامرة بقدر ما هي مسؤولية، فلا غرابة أن يؤكد الوزير الأول لدى قيادته اجتماعا لمسؤولي شركات تسيير المساهمات على توقف المؤسسات العمومية عن طلب دعم الدولة، وإنما هي مطالبة بان تواجه السوق بترقية الإنتاج والخدمات وتعميق مراقبتها الداخلية والحرص على البحث عن الربح، ومن ثمّة فإنّ القطاع العمومي إما أن يتجدّد أو يتبدّد.
كما ربط وزير المالية بالمناسبة تقديم الدعم المالي بتلبية المؤسسة العمومية لشرط التنافسية في المبادرة ودخول الأسواق، وحمل مسؤولي شركات المساهمة تقديم إجابات واضحة بهذا الخصوص في ضوء اختلال معادلة التطهير المالي وإنتاج القيمة المضافة، في وقت لا يزال فيه النظام الاقتصادي هشا بدليل تسجيل ارتفاع في فاتورة الغذاء خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2013 بحوالي 19 بالمائة تقريبا مقارنة بنفس الفترة من 2012، أي بغلاف مالي ناهز 3 ، 3 ملايير دولار، وبهذا يعدّ فرع الصناعة الغذائية أحد المحاور الاستراتيجية التي يجب التركيز على تنميتها بالشراكة الخارجية بجذب متعاملين من مختلف جهات العالم يملكون علامات رائجة ويبحثون عن طوق النجاة من دوامة الأزمة المالية العالمية، التي تمثل للجزائر فرصة نادرة لإعادة ترتيب أوراقها ليس كمستهلك تقليدي، وإنما كمستثمر منتج للسوق الداخلية ونظيراتها الأجنبية على أساس تقاسم المنافع والأعباء.

الفلاحة “تأشيرة” لما بعد البترول

وقد أكّدت زيارة الوزير الأول إلى ولاية باتنة، وقبلها إلى ولايات أخرى من الهضاب العليا، أنّها قادرة على أن تكون رائدة في الصناعة الغذائية والتحويلية بفضل مؤشرات النمو في بعض الفروع كاللحوم البيضاء والحمراء والأعلاف، لكن بالمقابل لا تزال مصالح أملاك الدولة المكلفة بالعقار الفلاحي متأخرة عن تسوية ملفات تسليم عقود الامتياز، إذ لا يعقل أن لا تتعدى النسبة 23 بالمائة من مجموع الفلاحين الذين تحصلوا على الامتياز، وذلك قبل ثلاثة أشهر فقط من حلول آخر أجل لإنهاء العملية، وهذا عامل إضافي لا يشجّع على تنمية وتيرة العمل خلافا لما لم تتوقف الدولة عن الدعوة إليه لتجاوز مرحلة البيروقراطية الزراعية إلى الإنتاج والاستثمار الواسع والصناعي، ومن هنا فقط يمكن التأسيس للأمن الغذائي المعرض لتقلبات الأسواق العالمية. 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018
العدد 17745

العدد 17745

الجمعة 14 سبتمبر 2018