قاطرة النمو ومصدر القيمة المضافة

تجاوز النقائص والتركيز على الترويج

فضيلة بودريش

توسيع الاستثمار ومواجهة تحدي هياكل الاستقبال

يتطلع قطاع السياحة في الموسم الحالي إلى استقطاب عدد معتبر من السياح الأجانب والجزائريين المغتربين خارج الوطن، وإن كانت سنة 2017 قد جذبت نحو 2.5 مليون سائح، لكن يبقى هذا الرقم غير كافيا بل ولا يعكس القدرات الكبيرة التي تتمتع بها الجزائر، حيث من المفروض أن تكون أحد أهم الوجهات السياحية في منطقة شمال إفريقيا، خاصة أن قطاع السياحة يعول عليه كثيرا في خلق الثروة خارج قطاع المحروقات، لكن يبقى يواجه تحدي توفر هياكل الاستقبال والإيواء والترويج له كما ينبغي، ولا يمكن أن يتجسد ذلك من دون إرساء استثمار حقيقي سواء تعلق الأمر في الموارد البشرية من خلال تكوينها وتأهيلها، أو إنجاز الفنادق وتهيئة المناطق السياحية وتنظيف الشواطئ وترميم المعالم التاريخية لاستغلالها سياحيا.

بالفعل حظي قطاع السياحة بالاستفادة من سلسلة من التسهيلات عقب صدر قرار اعتماده قطاعا استراتيجيا يعول عليه كمنتوج خدماتي يدر الثروة والقيمة المضافة للاقتصاد الوطني، علما أن ورقة طريق النهوض بالسياحة اتضحت معالمها منذ إطلاق المخطط التوجيهي للتهيئة السياحية عام 2009، في إطار قانون المالية التكميلي الذي تضمن التخفيضات والتسهيلات للمستثمرين في قطاع السياحة، لكن هذا القطاع الحيوي الذي رصد له الأموال وسخرت له الإمكانيات ما زال نموه بطيئا وإقلاعه يحتاج إلى تفعيل في ظل استقرار الوضع الأمني حيث تعد الجزائر من البلدان العربية القليلة التي تتمتع بالسلم والاستقرار وتبذل جهودا لبلوغ مستوى أعلى من النمو والتقدم، وعلى خلفية أنه لم يتمكن قطاع السياحة من استحداث سوى 800 ألف منصب شغل.

منافسة شرسة وعروض متنوعة

يرى الخبراء أن قطاع السياحة في حاجة ماسة إلى نهضة حقيقية، وبالتالي عدم ترك الفرصة لبلدان أخرى تخطف عدد أكبر من السياح، لأنهم اعتبروا أن السياحة تعدا سوقا مهمة لعرض المنتوج السياحي وخطف نسبة عالية من الزبائن، بل يعد أكبر سوق على الإطلاق، ومفروض على الجزائر أن تسارع لتحافظ على موقعها ومكانتها في هذه السوق التي بدورها تعرف منافسة شرسة وعروضا متنوعة، في ظل تنوع خيارات الوجهات السياحية في منطقة المغرب العربي والبحر المتوسط والشرق الأوسط، لأنه لا يعقل دولا بالجوار أقل من الجزائر من حيث المساحة والثراء السياحي، بينما عدد السياح الذين يختارونها أضعاف عدد السياح الذين يزورون الجزائر، لأنه في عام 2016، لم تتمكن الجزائر من استقطاب سوى 2.5 مليون سائح، من بينهم 20 ألف سائح أجنبي، مسجلة ارتفاعا نسبيا ناهز 18 بالمائة مقارنة بالحصيلة المسجلة عام 2016، وخلاصة القول أن القطاع السياحي ساهم بنحو لا يقل عن5.1 بالمائة من الدخل الوطني، أي ما تناهز قيمته 330 مليون دولار. وتبقى هذه النتائج بعيدة عن ما كان يطمح إليه، بهدف جعل القطاع في صدارة القطاعات التي يمكن الارتكاز عليها مستقبلا والاعتماد عليها في خلق الثروة خارج القطاع النفطي.

معادلة التخطيط والترويج

ولعل بداية التفعيل السياحي لا يمكن أن تتكرس من دون استثمار عميق وتغيير الذهنيات وبإشراف وتسيير من طرف إطارات تتمتع بالكفاءة، على اعتبار أن التسهيلات التي أرستها الدولة والتحفيزات التي حظي بها قطاع السياحة من المفروض أن تكون كافية لإقلاع قوي ونمو أعلى، ينعكس على القيمة المضافة التي يوفرها القطاع الذي تعتمد عليه العديد من البلدان الناشئة والمتطورة في اقتصادياتها. ومع ضرورة الإدراك أن قطاع السياحة اليوم ليس كما بالأمس، لأنه بات  في حاجة إلى تكنولوجيا وتخطيط وترويج ودراسات، لذا يتطلب الأمر إسناد مهمة الاستثمار إلى متعاملين جادين لديهم رؤية واضحة المعالم، على خلفية أن الجزائر مازالت مستمرة بفضل ثرائها في إعداد دراسات لتحديد مناطق العقار السياحي والذي تبلغ مواقعه غير مستغلة بنحو 225 موقع سياحي.
وما يجب الوقوف عليه أن مشروع عصرنة الفنادق العمومية الذي انطلق عام 2011 وواجهته العديد من التحديات، حيث رغم مرور  نحو سبع سنوات كاملة تم الانتهاء من عصرنة 10 فنادق فقط، ومازالت 10 فنادق المتبقية في طور الانجاز، حيث من المقرر أن تنتهي بها الأشغال نهاية 2019 إذا تم احترام آجال التسليم على مستواها.
ولا يخفى أن المتعاملين والمستثمرين في مجال السياحة استفادوا من مزايا كبيرة من بينها إقرار تخفيضات على فوائد القروض البنكية بنحو 3 بالمائة بالنسبة للشمال، ونسبة 4.5 بالنسبة لمنطقة الجنوب الكبير، وبالإضافة إلى التخفيضات الجمركية بالنسبة للمعدات والتجهيزات الخاصة بالفنادق، يضاف إليها إرساء تسهيلات في الضرائب، وتخصيص العقار لإنشاء المؤسسات الفندقية والقرى السياحية عن طريق استحداث مناطق التوسع السياحي لفائدة المستثمرين، ويمكن وصفهم بأنهم بالفعل محظوظين بالنظر إلى المزايا التي توجد رهن إشارتهم وقيد استفادتهم، ومن المفروض أن التقييم ضروري كلما تم إطلاق تسهيلات أو دعم وتحفيزات.
إذا مازالت السياحة الجزائرية غير مستغلة، والإقبال عليها ينبغي أن يكون في أقرب وقت، فليس الفنادق الفخمة التي تستغرق سنوات لتشييدها وحدها من يمكنها أن تجذب السياح، لأن للجزائر تنوع كبير في السياحة، فعلى سبيل المثال نقترب من فصل الاصطياف بأيام قليلة ويمكن أن نروج للسياحة الشاطئية التي يمكنها أن تجلب الملايين من السياح الأجانب والمغتربين الجزائريين خارج الوطن، وفي فصل الشتاء يمكن الترويج للسياحة الحموية، وتنتظر السياحة الدينية والسياحة اللامادية أن ينظر إليها بعين الاهتمام، ولا يمكن ترك القطاع للارتجال، لأنه يحتاج إلى تخطيط محكم ونظرة بعيدة المدى، حتى يتسنى تعبيد الطريق لينال القطاع حقه من التنمية والتطور، وبالتالي ينعكس كل ذلك على الاقتصاد الوطني حيث يصبح القطاع قاطرة جوهرية لبعث النمو وخلق القيمة المضافة.
ونظرا للقدرات الكبيرة التي تتمتع بها السياحة الجزائرية يمكن جعلها كقاطرة لبعث النمو وخلق القيمة المضافة من خلال تجاوز النقائص والتركيز على الترويج والاستمرار من دون انقطاع في تطوير القدرات السياحية الكامنة.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018
العدد 17745

العدد 17745

الجمعة 14 سبتمبر 2018