الخبير في الشأن الفرنسي مناف كيلاني لـ«الشعب»:

ماكرون قدّم حلولا فاشلة ولن يوقّف غضب السترات الصفراء

حاوره: حمزة محصول

الجمهورية الخامسة تعرف إفلاسا سياسيا على جميع المستويات

يتحدّث المحلل السياسي المختص في الشأن الفرنسي، مناف كيلاني، في هذا الحوار الذي خصّ به«الشعب»، عن الخلفية التاريخية لمطالب السترات الصفراء، وعلاقتها بتهاوي السيادة الوطنية للبلاد أمام قوانين الاتحاد الأوروبي، ويؤكد أن التظاهرات ستتواصل إلى غاية استجابة الرئيس ماكرون للمطالب الحقيقية لشعبه.  ورأى المحلل السياسي، أن الرسالة الموجهة للفرنسيين من قبل رئيسهم تمهيدا للحوار الوطني الشامل، «إنشاء خارج عن الموضوع»، يؤكد مرة أخرى تعالي وتعنت ماكرون وإصراره على التشبث بسياسته «الفاشلة»، ولفت المتحدّث إلى ارتفاع عدد المغادرين لقارب الاليزيه الذي يقوده ماكرون بالنظر إلى الأفق المسدود.

«الشعب»: عادت احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا لتبلغ أرقاما قياسية في الأسبوعين الأخيرين مقارنة بنهاية السنة، إلى ما يعود ذلك برأيكم؟
مناف كيلاي: الأمر ببساطة، يعود إلى فترة أعياد الميلاد، التي تأتي مرة واحدة في السنة، وهي شيء مقدس لدى الفرنسيين وتأخذ منهم أغلب وقتهم، لذلك فانخفاض عدد المحتجين في شوارع المدن الفرنسية كافة وليس باريس وحدها، مرتبط بسبب مناسباتي ولا علاقة له بأي إجراء ناتج عن السلطة الفرنسية.
وينبغي الإشارة إلى أن الأرقام التي تقدّمها وزارة الداخلية الفرنسية عن أعداد متظاهرين السترات الصفراء كل سبت، لا تعكس الواقع، لأن همّها الأول هو تشويه حراك الغاضبين وتلطيخ صورتهم من أجل التقليل من أهمية ما هم بصدد القيام به.
وعليه، لا يمكن في أي حال من الاحوال أن نتحدّث عن انخفاض الحشد والتعبئة، ما دامت أسباب التظاهر قائمة وهي تتعلّق باختلالات عميقة في السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي تنتهجها الحكومة الفرنسية بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون.
هل يعني هذا أن خطاب الرئيس ماكرون، الذي وجّهه للفرنسيين أواخر ديسمبر، سقط في الماء ولم يكن له أي تأثير؟  
 الرئيس الفرنسي مازال يتكلّم مع نفسه ومع الحاشية التي تحيط به، ولا يتصل أبدا مع الواقع ومع الفرنسيين.  وخطابه في الـ31 ديسمبر 2018، لم يكن أبدا في مستوى تطلعات الفرنسيين، الذين ينتظرون تعديل المسار الحكومي وجملة من المطالب المتراكمة منذ سنة 1995، وبالضبط منذ أن وقعت فرنسا معاهدة ماستريخت (المؤسسة للاتحاد الأوروبي) سنة 1993، وعدل الدستور من قبل الرئيس جاك شيراك ليخضع البلاد إلى كل القوانين التي تأتي من بروكسيل.
ففرنسا كانت دولة ذات سيادة كاملة، قبل أن تصبح تابعة للاتحاد الأوروبي وعبّر الفرنسيون سنة 2005، عن رفضهم  فكرة البناء الأوروبي بنسبة 55 بالمائة في الاستفتاء الذي نظم وقتها، وجرى الالتفاف على الديمقراطية الفرنسية وإرادة الشعب الفرنسي بعدها بسنتين من قبل الرئيس نيكولا ساركوزي عندما وقّع معاهدة لشبونة التي لا تلزم الدول الأعضاء بتعديل الدستور.
التبعية الكبيرة لكل ما يأتي من بروكسل، جعل الفرنسيين يعتبرون الجمعية الوطنية (البرلمان) مجرد مجلس لتسجيل القوانين ولا يملك صلاحيات كبيرة لمناقشة وإصدار التشريعات الهامة التي تستجيب لمطالبهم.
وفي الانتخابات التشريعية الأخيرة (2017)، قدّرت نسبة المشاركة في الدور الثاني بـ62 بالمائة فقط، وكان ذلك دليلا قاطعا على رفض الفرنسيين للعروض السياسية المقدمة من قبل النخب المنتخبة أو الحاكمة منذ عهد فرنسوا ميتيران، أين تمّ التخلي عن السيادة الفرنسية (في اعتقاد المواطنين الفرنسيين).
مفارقات
الرئيس إيمانويل ماكرون، وجّه رسالة طويلة للفرنسيين، حدّد فيها 34 سؤلا، يستدعي وضع اقتراحات من خلال حوار وطني شامل، لتقديم الاجابات عليها ومن ثمّة وضع الحلول الكفيلة بإطفاء الغضب العارم الذي يسود الشارع، ما تعليقكم؟
 الرسالة طويلة عريضة، وفي فرنسا وصفوها بالرسالة «النهر»، وهي جديرة بزعيم غير منتخب يقود بلدا لا يعرف أبدا الديمقراطية. ومثلما قال أستاذ ماكرون الذي أدخله إلى قصر الإيليزيه جاك أطالي، «كان عليه التوجّه للفرنسيين برسالة مدتها 10 ثواني وليس رسالة من 20 دقيقة».
وما قدمه ماكرون الاثنين، مجرد خطاب إنشائي خارج عن الموضوع، لأنه ببساطة لا يلبي طموحات الفرنسيين الذين يطالبون بانتخابات ديمقراطية ونزيهة تمثل كافة الأطياف وفق قاعدة النسبية وليس الأغلبية، وباستفتاء شعبي لمناقشة الاستمرار في الاتحاد الأوروبي والتعامل بعملة اليورو التي أنقصت من القدرة الشرائية، وكذا العودة إلى المبادئ الدستورية للجمهورية الخامسة، رغم أن دستورها عدّل 23 مرة منذ قيامها وأفرغ من محتوياته.  
وبخصوص الـ 34 سؤلا التي طرحها ماكرون، على شعبه، فالحقيقة أنها تساؤلات جديرة ببعض وزاراته ولا ترقى أن تكون صادرة من قصر الإليزيه، والغريب أن ماكرون يعتمد على الرئيس الأسبق نيكولا ساكوزي الذي فشل في رئاسة فرنسا لعهدة ثانية وحقّق حصيلة باهتة، كمستشار له.  وبالتالي فالنخب الفرنسية التي حكمت والتي تحكم الآن، تنظر إلى نفسها فقط وكيف تحافظ على مواقعها ولا تلقي بالا لمطالب الفرنسيين الغاضبين.
أمر آخر، وهو أن ماكرون يريد أن تطرح كل تلك المواضيع في حوار وطني خلال شهرين من الزمن، في حين أن اللجنة المختصة تمّ إنشاؤها سنة 1995 وتعمل على مواضيع استشارية محلية تتعلّق بالخدمة العمومية (بناء الطرقات، السدود، تحويل طبيعة الأراضي)، ولم تحقّق الشيء الكثير، فكيف يمكن مناقشة مشروع  مستقبل بلد بحجم فرنسا في 8 أسابيع فقط؟. هذا غير معقول.
الحوار الوطني يبدو الورقة الأخيرة الحاسمة التي ألقاها ماكرون على طاولة السجال مع حركة السترات الصفراء، في ظلّ هذا الفشل المحتمل، ما هي السيناريوهات المتوقّعة؟
@@ طبعا الفشل المحتم مازال وراء الباب ولا يريد ماكرون النظر إليه، ومستشاروه في قصر الاليزيه بدأوا المغادرة الواحد تلو الآخر، وبالتالي القفز من القارب الذي يرون أنه غارق لا محالة. فالعديد من المسؤولين وكتّاب خطاباته، يريدون العودة إلى مناصبهم السابقة بوزارة الخارجية، لأنه يرون أن تواجدهم بالاليزيه يسيء لهم.
وفرص الفشل قائمة لأن ماكرون شكّل حكومته من اليمين واليسار، أي أنه اعتمد على كل من فشل في الاستجابة إلى تطلعات الفرنسيين وطموحاتهم طيلة 30 سنة.
أما بالنسبة لما بجعبته، فالحوار الوطني ليس الورقة الأخيرة، لأن المادتين 3 و11 من الدستور، تخولان له صلاحية طرح أمور للاستفتاء الشعبي، ولكنه يتعنت ويرفض فكرة حل البرلمان والذهاب نحو تشريعيات جديدة وتشكيل حكومة جديدة، وكل الأمور القانونية الفعّالة لتهدئة غضب المحتجين.
وعليه، فإن الخلل في الجمهورية الخامسة لا يكمن  بالمؤسسات، بل في المسؤولين الذين يتصرّفون كمديري أعمال يؤدون بعض المهام لخمس سنوات ثم يغادرون.

تحت المجهر
الحوار الوطني الذي أطلقه ماكرون، سيستغرق شهرين، ثم سيرد على كل المقترحات في الشهر الموالي، هل تعتقد أن احتجاجات السترات الصفراء ستسمر؟
 طبعا، المظاهرات ستتواصل، وحشود كبيرة تتأهب للسبت العاشر ليس فقط للتعبير عن المطالب السابقة، وإنما لرفض رسالة ماكرون التي رأوا فيها صبا للزيت على النار، وأكدت بالنسبة لهم أن الرئيس شخص يتعالى وفي ذلك نوع من الإهانة للشعب.
هل يمكن القول، إن احتجاجات السترات الصفراء أضرت كثيرا بصورة فرنسا في الخارج؟
 هذا الأمر يفترض أن يأخذ بعين الاعتبار من قبل الحكومة الفرنسية، المهتمة في الوقت الحالي بالبقاء على قيد الحياة وليس تسيير أداء الوزارات وضمان النجاعة على الصعيدين الأوروبي والعالمي.
لقد جلبت احتجاجات الصفراء للسلطة الفرنسية السخرية، وبات صوتها مغيّبا، واستعادة مكانة دولة عضو دائم في مجلس الأمن سيتغرق وقتا أطول، نظرا لحجم الأضرار.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18101

العدد18101

الأحد 17 نوفمبر 2019
العدد18100

العدد18100

السبت 16 نوفمبر 2019
العدد- 18099

العدد- 18099

الجمعة 15 نوفمبر 2019
العدد18099

العدد18099

الأربعاء 13 نوفمبر 2019