الدكتور رداف طارق لـ «الشعب»:

إستقالة كوهلر فرصة أخرى ضائعة لحل القضية الصحراوية

حوار: فضيلة دفوس

الضغط المغربي  يدفع المبعوثين الأمميين إلى رمي المنشفة والمغادرة

الفشل في التسوية السياسية يقود نحوالخيار العسكري


« الشعب» في الوقت الذي كنا ننتظر فيه الجولة الثالثة من مفاوضات السلام بين جبهة البوليساريووالمغرب، أعلن المبعوث الأممي الى الصحراء الغربية هورست كوهلر استقالته، ما تعليقكم ؟
الدكتور رداف طارق: أظن أن تبرير الاستقالة استناداً إلى الدواعي الصحية، ما هوإلا صيغة «دبلوماسية» للتعبير عن عدم القدرة على إخراج القضية الصحراوية من عنق الزجاجة، أوحالة الجمود التي يتواجد فيها هذا الملف منذ انطلاق مسار التسوية سنة 1991. وبالتالي فإن استقالة السيد كوهلر، تبدو منطقية بالنظر إلى ظروف العمل التي يصطدم بها كل مبعوث أممي إلى الصحراء الغربية، بل إنها بالنظر إلى السوابق منذ فترة يوهان مانيس، كانت متوقعة منذ تعيينه مبعوثاً خاصاً.
فالتصورات أصبحت تدور حول المدة التي يُمكن أن تقضيها أية شخصية دولية في منصب المبعوث الخاص قبل أن تضطر إلى الانسحاب، وتتعدد مبررات الاستقالة، لكن يبقى العجز عن حلحلة الوضع في الصحراء الغربية أهم دافع، ويُمكن اعتباره نقطة التقاطع بين الجميع سواءً  تم الإعلان عن ذلك صراحة أم تم الاختباء وراء تبريرات أخرى.


الأمل في نجاح دور الأمم المتحدة يتراجع

ما تداعيات الاستقالة على القضية الصحراوية وعلى الأمل الكبير الذي بعثه كوهلر بإعادة اطلاق عملية المفاوضات المتعثرة مند سنوات ؟
تُضيف هذه الاستقالة فرصة أخرى إلى قائمة الفرص الضائعة، لتحريك النزاع في الصحراء الغربية، وإيجاد حل عادل وسلمي له، الأكيد أن ذلك سيزيد في تكريس الأمر الواقع، وحالة اللاحرب واللاسلم التي تميز الوضع الصحراوي منذ توقيع الاتفاق الإطار سنة 1991، وقد تكون النتيجة تلاشي الإيمان بمسار التسوية السلمية والمفاوضات، كوسيلة لتحقيق نتيجة ما من الجانب الصحراوي على الأقل، وعليه فإن فقدان الأمل نهائيا في أي دور محتمل قد تلعبه الأمم المتحدة في مسار التسوية، سيكون كشعور مسبق يؤثر على علاقة الصحراويين بالمبعوث الخاص القادم، والذي قد ينتهي به المطاف كذلك إلى الاستقالة.
 بتعبير آخر، فإن عدم تزويد الآلية الأممية بمزيد من الصلاحيات، والدعم الكافي في إطار مجلس الأمن، سيعني استمرار الوضع على ما هوعليه، دون أن يكون بإمكان أي كان تحقيق نتائج ملموسة في الميدان، خاصةً وأن المبعوث الجديد لن يؤسس عمله على نتائج سابقيه، بل أظن أنه سيضطر إلى البدء من الصفر، بسبب مأزق انعدام الثقة الذي يميز العلاقة بين طرفي النزاع المباشرين، أي المملكة المغربية والجمهورية الصحراوية.

كوهلر رمى المنشفة وغادر تحت ضغط المغرب

 بعيدا عن المبرر الصحي، ألا تعتقدون بأن رمي كوهلر للمنشفة جاء نتيجة للضغوط المغربية؟
كما تم التطرق إليه سابقا فإن الاستقالة لأسباب صحية، لا تعدو أن تكون في تصوري مجرد تبرير دبلوماسي لتفادي الحرج، أتصور أن يكون كوهلر قد تعرض إلى ضغوط مغربية متواصلة من أجل التأثير على موقفه من النزاع ومن التسوية المحتملة، والتي لابد أن تتماشى مع الرؤية الرسمية المغربية، في إطار الحكم الذاتي الموسع. وهوما يؤكد القناعة التي عادةً ما يتوصل إليها المبعوثون الأمميون إلى الصحراء الغربية، بعدم جدوى بذل المزيد من الجهود، وبالتالي رمي المنشفة والاستسلام للأمر الواقع.
أكيد ان استقالة المبعوث الأممي سينسف كل الجهود التي بذلها لإعادة اطلاق عملية السلام، وسيعيد القضية الصحراوية إلى المربع الأول، فمن هوالخاسر والرابح من هذا القرار المفاجئ برأيكم؟
في مثل هذه الحالات لا أتوقع وجود رابح، بل مجرد خاسرين بدرجات متفاوتة، أولهم طرفا النزاع المباشران أي المملكة المغربية والجمهورية الصحراوية، حيث سيكون على المبعوث الجديد بذل المزيد من الجهود، فقط من أجل جمع الطرفين إلى طاولة النقاش، وبالتالي ضياع الجهود المبذولة سابقاً في هذا المسار، كما ستمتد قائمة الخاسرين إلى كل المنطقة المغاربية، والتي عرفت جهود التعاون فيما بينها حالة من الركود منذ تجميد أنشطة اتحاد المغرب العربي سنة 1995، والذي كان أساساً على خلفية النزاع الصحراوي. وبعلاقة متعدية عدم القدرة على استغلال الفرص الاقتصادية، المتاحة في المنطقة المغاربية، سواءً تعلق الأمر بحرية تنقل الأشخاص والاستثمارات، أواستغلال الموارد الاقتصادية والطاقوية...إلخ، مع الاستدراك أن المكاسب الظرفية قد تقتصر على منح هامش للمناورة، يُمكن من التهرب من مواجهة بعض المشاكل الداخلية في المغرب، من خلال توجيه أنظار الداخل إلى الأزمة الخارجية، وتعليق أسباب فشل المبعوث الخاص على شماعة دور ما تُمارسه الجزائر، أوحتى الادعاء بعدم استعداد البوليساريو للتوصل إلى حل سلمي.

 الاحتلال يريد الإبقاء على الوضع القائم دون تغيير

كم من مبعوث أممي تداول على الملف الصحراوي ولا أحد استطاع أن يصل به إلى الحل الذي توصي به لوائح الأمم المتحدة، والسبب إصرار الاحتلال المغربي على إجهاض كل تسوية محتملة ما قولكم؟
يسود تصور لدى الكثير من المتتبعين بمن فيهم مغاربة، أن المكاسب التي يُمكن أن يحصلها المغرب من النزاع، لا يُمكن أن تكون ذات فائدة إلا في حالة بقاء الوضع على ما هوعليه، أي استمرار حالة اللاحرب واللاسلم، وهوما أورده مثلاً أحد أعضاء العائلة المالكة في مذكراته، ويتعلق الأمر بمولاي هشام العلوي، حيث لم تكن هذه القضية في الأساس متعلقة باسترجاع أقاليم محتلة، بل جاءت في ظرف اقتصادي وسياسي صعب، يتطلب خلق العدو الافتراضي، وهوفي هذه الحالة جبهة البوليساريو وكل من يدعمها، بما في ذلك الجزائر أوحتى موريتانيا، واستمراراً لهذا المنطق فإن كل خطوة للتسوية، لابد وأن تكون خطراً على إحدى وسائل المحافظة على النظام القائم، ويكون من الطبيعي أن يتم إجهاض كل تسوية محتملة، من خلال الإبقاء على الوضع القائم دون تغيير، لا من خلال الاندماج الكلي في مسار التسوية الأممي، ولا حتى من خلال محاولة حسم القضية الصحراوية عسكرياً.
 لهذا لا يُمكن نفي وجود يد مغربية مباشرة وراء استقالة كوهلر، من خلال رفض مناقشة خيارات بديلة للحكم الذاتي الموسع، الذي اقترحه الملك محمد السادس كبديل لتقرير المصير التي تضمنتها خطة ديكويلار أولاً، ثم مخطط جيمس بيكر ثانياً، وهوالأساس الذي بنيت عليه عملية السلام في المنطقة منذ البداية.
والحال عليه، وما حظوظ القضية الصحراوية من التسوية خاصة في ظل التواطؤ الغربي والفرنسي تحديدا مع الاحتلال؟
لا أتوقع للقضية الصحراوية حظاً من التسوية في الإطار والوضع الحاليين، للأسباب المذكورة أعلاه، يضاف إليها التأييد الذي يحظى به الموقف المغربي من طرف بعض الدول الأوروبية أوحتى العربية، حيث لا يُساعد الإطار الأممي الحالي أوحتى العربي، على إيجاد التسوية المأمولة من طرف الشعب الصحراوي، في ظل المساومات وتقاطع المصالح السياسية والاقتصادية، فالدول الأوروبية والغربية بشكل عام، وفرنسا على وجه التحديد، تقيم مواقفها بناءً على المزايا الاقتصادية التي تحصل عليها، سواءً ضمن الاتفاقيات الجماعية، أوالعلاقات الثنائية، في حين تعلن دول عربية تأييدها للمواقف المغربية، طمعاً في الحصول على تأييد مغربي من قضايا أخرى تشكل مصلحة حيوية لتلك الدول.
بعد أزيد من أربعة عقود من الكفاح ثم من اللاحرب واللاسلم، تجلى واضحا غياب الإرادة الدولية لحل القضية الصحراوية، فما الخيارات المطروحة أمام الصحراويين لاستعادة حقهم المسلوب؟
لا تتوفر أمام الصحراويين خيارات متعددة، حيث يبقى الموقف منحصراً في خيار المواصلة في المساعي الدبلوماسية والمفاوضات، رغم الجمود الذي يُميز مسارات التسوية، في مواجهة الخيار الثاني والذي تم طرحه من طرف جيل جديد من القياديين الصحراويين، ويتمثل في العودة إلى العمل العسكري، للضغط أكثر على الجانب المغربي.
 بغض النظر عن السيناريوهات الموضوعة في هذا الصدد، يبقى على الصحراويين إعادة النظر في أوضاع الجبهة الداخلية، تدعيم الصف، والعمل على تضييق الخناق على المغرب من أجل دفعه نحو تغيير مواقفه،
 فقد نجح الصحراويون في استغلال محكمة العدل الأوروبية، من أجل منع تمديد اتفاق الشراكة مع المغرب ليشمل إقليم الصحراء الغربية، وهوما يُمكن تكراره ضمن هياكل مؤسسات الاتحاد الإفريقي، رغم العمل الكبير الذي يقوم به المغرب تدعيما لعلاقاته مع الدول الإفريقية.

من غير المفيد المراهنة على موقف أمريكا

استبشر الصحراويون خيرا بمواقف الإدارة الأمريكية الحالية تجاه حل قضيتهم، لكن بعد مرور أزيد من سنتين على وصولها إلى البيت الأبيض، لم تقدم شيئا ملموسا سوى تقليص ولاية المينورسو، ما تعليقكم؟
لا يخرج الموقف الأمريكي عن القاعدة العامة، التي تحكم وتحدد مواقف الدول الغربية من النزاع الصحراوي، وهي أولوية المصالح الاقتصادية والسياسية، على حساب تسوية النزاع، فهذا الأخير لا يُعتبر أولوية للولايات المتحدة، على اعتبار أنه لا يشكل أهمية بالنسبة لصانع السياسة الخارجية الأمريكية، لذلك فإن التصورات الأمريكية مرتبطة بعلاقاتها التجارية والاقتصادية مع المغرب، وعلاقاتها السياسية وتعاونها الأمني مع الجزائر، وهوما يعني أن عليها اتخاذ مواقف متوازنة أوحيادية تخدم مصالحها الاقتصادية والأمنية بالدرجة الأولى، بغض النظر عن تسبب ذلك في استمرار النزاع.
 الإدارة الأمريكية الجديدة، لا تختلف في هذا الصدد مع الإدارات السابقة، رغم إعلان الرئيس ترامب إحداث تغييرات جذرية في السياسة الخارجية الأمريكية، لكن النزاع الصحراوي لا يحتل مكانة ما ضمن الأجندة الأمريكية، تجعل من الممكن ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً على المغرب، تدفعه نحو تعديل مواقفه.
لهذا أظن أنه من غير المفيد المراهنة على الدعم الأمريكي، رغم أن الولايات المتحدة لم تتخذ مواقف جديرة بالذكر خلال تاريخ طرح الملف الصحراوي على طاولة مجلس الأمن.


احتمالات الخيار العسكري قائمة

ما تصوّركم لمستقبل القضية الصحراوية في ظل هذه التطورات؟
أظن أنه لا توجد خلال المدى المنظور، ما يكفي من العوامل من أجل تصور مستقبل مختلف عن الوضع الحالي لقضية الصحراء الغربية، حيث لا يوجد توجه لتغيير أسلوب العمل الأممي، أوحتى لدى أطراف النزاع وبشكل خاص لدى المغرب، المستفيد نسبيا من بقاء الوضع على ما هوعليه.
 لهذا أتوقع محافظة الأمم المتحدة على تقاليدها، بتعيين مبعوث أممي جديد، وكذلك تمديد آخر لعمل بعثة المينورسو، دون حتى توسيع نطاق عملها ليشمل حقوق الإنسان، في حين أن تصوراً أكثر تشاؤماً قد يذهب إلى غاية التنبؤ بتجدد الاعمال العسكرية من الطرفين، خاصةً إذا تكررت أعمال استفزازية جديدة، مماثلة لما حدث في منطقة الكركرات في مناسبات سابقة.
 رغم أنني استبعد هذا السيناريو، إلا أن الفشل في التسوية السياسية للنزاع، قد تدفع جيلاً جديداً من القادة الصحراويين، الذين لم يُعاصروا سنوات الحرب ما بين 1975 إلى 1991، نحوالعمل العسكري لتحقيق الأهداف الوطنية للشعب الصحراوي.

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18072

العدد18072

الأحد 13 أكتوير 2019
العدد18071

العدد18071

السبت 12 أكتوير 2019
العدد18070

العدد18070

الجمعة 11 أكتوير 2019
العدد18069

العدد18069

الأربعاء 09 أكتوير 2019