ليبيـا أمام تحديات بناء الدولة

أمين بلعمري

تعمل الدولة الليبية التي تواجهها الكثير من التحديات سيما ما تعلق منها بالأمن وفوضى السلاح وانتشاره في الأطر غير النظامية خاصة وأن البلاد لم تصل الى بر الأمان بعد الأحداث التي عرفتها والتي أدت الى الاطاحة بنظام معمر القذافي وما أعقب ذلك من هزات اجتماعية وسياسية واقتصادية، زاد في تعقيدها التركيبة القبلية للشعب الليبي، التي تشكل تحديا آخر للسلطة الليبية الجديدة التي تحتاج الى وصفة سحرية عاجلة تنقذ البلاد من خلال وضع دستور يأخذ بعين الاعتبار كل هذه المعايير والمعطيات، حيث يجد كل مواطن مكانا له في ليبيا الجديدة التي ينتظر  أن ينعم فيها بالحرية والعدالة والطمأنينة السياسية والاقتصادية رغم وجود بعض العقبات التي قد تعرقل أوتؤخر التحول الديمقراطي في هذا البلد.

إن الميليشيات المسلحة تأتي على رأس التحديات التي تواجه الدولة الليبية في الانتقال من مرحلة (الثورة) الى مرحلة الدولة، فتلك الميليشيات التي قامت بالاطاحة بالقذافي، تعتبر نفسها حجر الزاوية في ليبيا الجديدة التي يعود إليها الفضل في تخليصها من النظام السابق ولاتقبل بدور هامشي أو ثانوي في اتخاذ القرارات ووضع القوانين، حيث لجأت هذه الميليشيات الى تبني استراتيجية لفرض منطقها على الحكومة الليبية وقد نجحت في ذلك مؤخرا من خلال اجبار المؤتمر الوطني العام على تبني قانون العزل السياسي، ولم تجد هذه الهيئة إلا الخضوع والتصويت لصالح هذا القانون بالاجماع أي ( 164 ) صوت مقابل ( 4 ) فقط صوتوا ضده رغم أن الكثير من أعضاء هذه الهيئة وعلى رأسهم  رئيس المجلس محمد المقريف، يشملهم هذا القرار بحكم شغلهم مناصب في عهد النظام السابق أي الفترة الممتدة من الفاتح سبتمبر 1969 الى غاية سنة 2011 ، ونظرا لطول فترة حكم معمر القذافي، فإن المعنيين بهذا القانون يصل عددهم الى نصف مليون مواطن ليبي، فعلاوة على الذين شغلوا مناصب سامية هناك عمداء جامعات، صحفيين، ضباط في الأمن الداخلي سابقا.. إلخ. الشيء الذي جعل هذا القانون مثارا للجدل، فهناك من رأى فيه إقصاء وهناك من رأى فيه انتقاما من حقبة زمنية لايخدم الدولة الليبية المتصالحة مع ذاتها والضامنة لمصالحة وطنية شاملة بدون اقصاء وتهميش تحت أي مبرر كان وقد يشكل هذا القانون -
-حسب ملاحظين للشأن الليبي- عائقا لهذا التحول الذي تنشده البلاد خاصة وأن بعض المنظمات غير ـ الحكومية مثل هيومن رايتس وتش، التي انتقدت الطريقة التي صادق بها المؤتمر الوطني الليبي على القانون الذي قالت بخصوصه لا يجب عليه اتخاذ قرارات سيئة، لأن جماعات مسلحة تريد ذلك في اشارة الى ضغط تلك الجماعات تحت طائلة الحصار والسلاح على المجلس لتبني هذا القرار، فالوصف الذي أطلقته تلك المنظمة على الطريقة التي اتخذ بها القرار توحي بأن هذه الخطوة تركت انطباعا سيئا عن الدولة الليبية التي هي في أمّس الحاجة الى تقديم صورة ايجابية عن التحولات الحاصلة في البلاد وعلى صدق نوايا الدولة بالمضي قدما بهذا التحول الى الأمام.
إن السلطة الليبية أمام هذا الوضع وأمام المراقبة اللصيقة للمجتمع الدولي لما يحصل في دول ما يسمى بـ » الربيع العربي« تبذل جهودا من أجل الظهور بالسلطة المتحكمة بمقاليد الأمور، وكانت آخر خطوة اتخذتها السلطات في هذا الشأن هي وضع خطة تمكنها  من حماية البعثات الديبلوماسية خاصة بعد الهجوم  على القنصلية الأمريكية في بنغازي، أدت لى مقتل السفير الأمريكي وثلاثة من موظفي البعثة، سبتمبر الماضي، ثم الانفجار الذي استهدف السفارة الفرنسية بطرابلس نهاية أفريل الماضي، تلتهما موجة من النزوح الديبلوماسي بدعوى انعدام الأمن في البلاد والحرج الذي لحق السلطات كونها غير قادرة على تأمين البعثات الديبلوماسية جعلها تضع خطة، تزود من خلالها مديرية حماية الهيئات الديبلوماسية التابعة لوزارة الداخلية بـ 90 عربة عسكرية، وتدعيمها بـ 750 عنصرا جديدا من أجل حماية هذه الهيئات من الخارج في حين تقوم عناصر تابعة لتلك البعثات بتأمينها من الداخل.
الرهان الأهم في ليبيا الجديدة هو وضع دستور للبلاد،  فقد اعتبر المقريف، أول أمس، أن وضع هذا الأخير أولوية في ليبيا وقد تبنى (المؤتمر الوطني العام) أعلى هيئة في البلاد، أمس الثلاثاء، قرارا يقضي بإدخال إضافة على النص الدستوري حول انتخاب اللجنة التأسيسية المكلفة بكتابة الدستور، من خلال اقتراع مباشر لتلك اللجنة المشكلة من 60 عضوا لكتابته خلال مدة محددة.
إن ضرورة الاسراع في وضع هذا الدستور تستطيع من خلاله ليبيا بناء دولة قانون ومؤسسات تكون الكلمة العليا فيها للقانون الذي يتساوى تحته الجميع ويشكل ثمرة لهذا التحول الديمقراطي المنشود، والذي تعترضه الكثير من الحواجز، تتطلب وثبات قوية وثابتة لاجتيازها بسلام..

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018