الأمم المتحدة استعادت دورها كراع رئيسي للوساطة

الأزمة الليبية.. المتغيرات الدولية وملامح الحل

حمزة محصول

هلك وفد من المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة بليبيا، نهاية الأسبوع الماضي، في حادث سير، بعدما كان متجها للصلح بين قبيلتي المشاشية والقنطرار. في الوقت ذاته، كانت المعارك مستعرة بين ميلشيا مسلحة بصبراتة غرب البلاد وأخرى متورطة في الاتجار بالمهاجرين غير الشرعيين، وخلفت أزيد من 40 قتيلا.

هكذا هو الوضع السائد في ليبيا، هناك من يضّحي في سبيل المصالحة الداخلية بين القبائل والمدن الداخلية، وهنالك من يرهن أمن واستقرار البلد من أجل مصالح ضيّقة كأموال الهجرة غير الشرعية والبترول المسروق، بينما لا تزال الأطراف السياسية والأمنية البارزة في المشهد العام تبحث عن أرضية توافق للخروج من الأزمة.
لقد بلغ الانقسام بين الفرقاء الليبيين مداه، إلى درجة جعلت وزير خارجية بريطانيا بوريس جونسون خلال زيارته إلى ليبيا أواخر أوت الماضي يصرح قائلا «على القادة السياسيين في ليبيا أن يضعوا خلافاتهم السياسية جانبا، وأن يفكروا في المصلحة العليا لبلدهم».
ومع تعدّد المبادرات والهيئات الراغبة في الظفر بصياغة الوثيقة النهائية للتوافق حول المخرج من النفق الطويل، وفق أجندات معينة، استطاعت الأمم المتحدة بمبعوثها الجديد إلى ليبيا غسان سلامة، على ما يبدو، استعادة وزنها كراع رسمي ورئيسي للوساطة الدولية.
وشرع سلامة في تنفيذ خطة من 3 مراحل، تنجز على مدار 59 أسبوعا (حوالي سنة)، وتتوّج بانتخاب رئيس وبرلمان للدولة من قبل الشعب، وخلافا لما كان عليه الحال في السنتين الأخيرتين، أبدت الأطراف تجاوبا وسلاسة في التعامل مع هذه الخطة الأممية، فهل بدأت حواجز المخرج من الأزمة تتفتت؟
إرهاق دولي
كان يمكن أن لا تخرج الأزمة الليبية عند اندلاعها سنة 2011، عن النطاق السياسي، ولكنها تحوّلت إلى كارثة أمنية في منطقة شمال إفريقيا والساحل، بعد إصدار قرار أممي أعطى الضوء الأخضر لحلف الناتو للتدخل عسكريا، بضغط بريطاني - فرنسي وتنفيذ أمريكي.
من هنا، يظهر جليا، أن المسؤولية الكبرى في التسوية تقع على عاتق منظمة الأمم المتحدة كإطار دبلوماسي رفيع المستوى لإصلاح ما أفسدته تحت ذريعة «مسؤولية حماية المدنيين»، بينما يستوجب على الأعضاء المؤثرين في مجلس الأمن الدولي، إيجاد أرضية ملائمة لإنهاء سعيهم وراء المصالح الحيوية المعروفة لكل دولة منهم.
ولقد سبق لوزير الخارجية في حكومة الوفاق الوطني، الطاهر سيالة أن صرّح بالجزائر العاصمة في آخر اجتماع لمجموعة دول جوار ليبيا في الثامن ماي الماضي أن «مسار التسوية بسيط، لكن التدخلات الأجنبية والتدخلات الإعلامية جعلت منه معقدا وهجينا».
وبعد كل هذه السنوات من الحرب والخراب، وتحول البلاد إلى منطلق للقوارب المعبئة بالمهاجرين غير الشرعيين، لاحت في الأفق رغبة لدى الفاعلين في السياسة الدولية لطي صفحة الأزمة الليبية، ليس شعورا بالذنب أو «العار»، ولكن لأن المعضلات الدولية بدأت تتجاوزها وتخرج عن السيطرة.
وناقش المجتمع الدولي في الدورة الأخيرة، للجمعية العامة للأمم المتحدة، مشكلات عويصة، وإلى جانب الأزمة الليبية، طرحت مأساة مسلمي الروهينغا، والأزمة الكورية التي تنذر بحرب نووية والأزمات السورية واليمينة، كلها مشكلات خطيرة شتّتت الجهود الدبلوماسية للدول الكبرى الغارقة في حرب ضروس على النفوذ والقوة فيما بينها.
التنافس مع روسيا
وازداد التنافس بين الدول على شكل الدولة الليبية المقبلة، مع ازدياد المبادرات الإقليمية والدولية، وأدى دخول روسيا على الخط إلى تسريع وتيرة ضبط طريقة ملائمة للخروج من الأزمة، وسمح بحدوث توازن في القوة.
وحاولت الدبلوماسية الروسية، أن تستدرك ما رأته خطأ جسيما حينما لم  تعترض على قرار مجلس الأمن الذي سمح للناتو بقصف ليبيا سنة 2011، وألقت بكل ثقلها للتأثير في مسار التسوية، الأمر الذي سبّب قلقا بالغا لواشنطن ولندن، وعبرا عن ذلك بشكل علني.
وبدأت موسكو فرض كلمتها في المشهد الليبي، باتصالات مكثفة أجرتها مع المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي الذي يتخذ من بنغازي شرق ليبيا مقرا له، أتبعتها بلقاءات مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فايز السراج، عبرت من خلالها عن استعدادها لتقديم الدعم اللازم.
وسارعت القوى الغربية، في التواصل مع حفتر بعدما كانت تتحفظّ على إدخاله في اللعبة، وكان محطة لزيارات القادة الأوروبيين والأمريكيين، حيث استقبل وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وسفير الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من قادتها الأمنيين، في خطوة لإبعاد التأثير الروسي قدر المستطاع.
تتابع الأنشطة الدبلوماسية حول ليبيا في الأشهر الثلاثة الأخيرة، كشف عن مجهود مكثف لبريطانيا وفرنسا، اللتان لعبتا الدور الأكبر في الإطاحة بالنظام السابق وتدخل الناتو، حيث استضافت الأولى قمة سداسية في لندن واستقبلت الثانية حفتر والسراج لمرتين، وانتهت باجتماع دولي حول ليبيا على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، أين عرض المبعوث الأممي غسان سلامة خطته بناء على التوازنات التي تحقّقت بين القوى المتنافسة.
وبات من المستبعد الآن، أن تميل كفة الحل المنتظر على المدى القريب إلى قوة دولية واحدة، ولن تتمكن جهة معينة على فرض وجهة نظر إيديولوجية أو مصلحية على الدولة الليبية المقبلة.
مظلة واحدة
ما قاله وزير خارجية ليبيا الطاهر سيالة عن التدخلات الخارجية في الشأن الليبي، أكده المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة بعدما عبّر عن رفضه الشديد في حوار لقناة فرانس 24، لما أسماه «بالمبادرات المتنافسة».
ولأن الصراع الدولي حول هذا البلد الغني بالنفط، بلغ طريقا مسدودا، فشلت الأطراف المؤثرة في الفوز أو الانفراد بالرأي والقرار، ما نجم عنه دوامة من العنف المستمر واستنزاف للأرواح والأموال والجهود الدبلوماسية الصادقة لدول الجوار، وارتفاع معاناة المواطنين الليبيين.
هذا التنافس المحتدم لم يستطع المبعوث الدولي السابق مارتن كوبلر، مجاراته ولا التأثير فيه، واتخذ من موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» منصة للعمل، حيث يطلق منها تصريحات الإدانة لأعمال العنف والمدح لكل تقارب طفيف، الأمر الذي جعل المشير خليفة حفتر يرفض التواصل معه قائلا «الحديث مع كوبلر مضيعة للوقت».
لكن حفتر اليوم، يقول إنه يتطلّع للقاء ثان مع المبعوث الأممي الجديد غسان سلامة لبحث الخطة التي جاء بها، ما يعني أن تغييرات كثيرة حدثت في الأشهر الأخيرة أبرزها عودة الجميع إلى مظلة الأمم المتحدة المشرفة الوحيدة على مسار التسوية، مستعيدة بذلك وزنها كهيئة يمكن الاطمئنان لها.
خطة سلامة
ما يحسب لوزير الثقافة اللبناني الأسبق ورئيسة البعثة الأممية للدعم في ليبيا، غسان سلامة، أنه استطاع صياغة منهجية عمل مضبوطة المحاور والأطر الزمنية لمساعدة الأطراف الليبية على الخروج من الأزمة.
وشرع منذ أسبوع في الإشراف على لجنتي الحوار المنوطتان بإدخال تغييرات على الاتفاق السياسي الموقع سنة 2015، وتوّجت الجولة الأولى بتفاهمات، حسب ما تمّ التصريح به لوسائل الإعلام.
وستكون الجولة الثانية مناسبة للفصل، في تركيبة الجهاز التنفيذي، بقيادة رئيس واحد لمجلس رئاسي ونائبين بدل تسعة، ورئيس للحكومة يعني بشؤون المواطنين، بينما ستكون الحلقة الأصعب تحديد منصب ومكانة المشير خليفة حفتر.
ونقلت وسائل إعلامية دولية مؤخرا، ما وصفته بتسريبات مفادها «تعيين حفتر وزيرا للدفاع وقائد للجيش الليبي الموحد».
وبالتزامن مع تلك التسريبات، زار قائد الجيش الليبي نهاية الأسبوع الماضي كل من إيطاليا التي كانت ترفض التعامل معه نهائيا وكذلك فرنسا، وطلب منه الالتزام بعدم اللجوء لاستخدام القوة في حلّ الخلافات الداخلية، ما فهم على أنها موافقة مسبقة منهما على منصبه المستقبلي في هرم الدولة شريطة احترام المؤسسات الشرعية.
وكانت الدول الغربية، تبدي مخاوفها من قوة حفتر ومن أن يصبح «ديكتاتورا عسكريا»، لكنه حرص في أكثر من مناسبة على التأكيد من أن شرعيته  مستمدة من مجلس النواب المنتخب مبديا تجاوبا مع دعوات كافة القوى الدولية.
ويكمن التحدي الثاني لخطة سلامة، في تعبئة مختلف القوى الليبية لحضور المؤتمر الوطني للمصالحة، خاصة بعد دعوته لما يسمونه في ليبيا، بأنصار النظام السابق، ورغم الاعتراضات التي قد تظهر إلا أنه لا يمكن الحديث عن مصالحة دون شموليتها كافة مكونات المجتمع الليبي.
وسيكون أمام الليبيين سنة كاملة للوصول إلى انتخابات عامة، تحت غطاء دستور جديد، والشروع في إنهاء مظاهر غياب الدولة.
مضمون خطة سلامة للحل في ليبيا
تتضمن خطة الأمم المتحدة لحل الأزمة الليبية التي أعلنها المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة مؤخرا عدة مراحل، نوردها فيما يلي:
المرحلة الأولى:
تعديل الاتفاق السياسي الليبي الموقع في ديسمبر 2015، ووفقا للمادة 12 من هذا الاتفاق، تعقد في مكاتب بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا صياغة لوضع هذه التعديلات.
المرحلة الثانية:
بعد المؤتمر، يتعين على مجلس النواب وهيئة صياغة مشروع الدستور العمل بصورة متوازية، وإيلاء مجلس النواب الأولوية لإصدار تشريع لإجراء استفتاء دستوري وانتخابات برلمانية ورئاسية، وستكون الفرصة متاحة أمام هيئة صياغة الدستور لمراجعة وتنقيح عملها، مع الأخذ في الاعتبار الملاحظات والاقتراحات التي قُدّمت أثناء المؤتمر الوطني.
وأن يكون المؤتمر الوطني تحت رعاية الأمين العام، ويهدف إلى فتح الباب أمام أولئك الذين تمّ استبعادهم، وأولئك الذين همّشوا أنفسهم، وتلك الأطراف التي تحجم عن الانضمام إلى العملية السياسية.
ويجمع أعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وغيرهم كثير ممن تمثيلهم ضعيف أو غير ممثلين على الإطلاق في هاتين الهيئتين، ومن ثم سيجري خلال هذا المؤتمر تحديد أعضاء المؤسسات التنفيذية التي أعيد تشكيلها في البلد على أساس توافقي.
ومن ثم على المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أن تستعد لهذه الأحداث الانتخابية، وإقامة حوار مع الجماعات المسلحة بهدف إدماج أفرادها في العملية السياسية والحياة المدنية، وأن تكون هناك مبادرة لتوحيد الجيش الوطني.
واستمرار جهود المصالحة المحلية وتكثيفها، واتخاد إجراءات حاسمة لمعالجة قضية النازحين داخليا.
 المرحلة الأخيرة:       
في غضون سنة من الآن، يجب الوصول إلى المراحل النهائية للعملية السياسية، ويشمل ذلك إجراء استفتاء للاعتماد الدستوري، ويلي ذلك وفي إطار الدستور، انتخاب رئيس وبرلمان، ويكون نهاية المرحلة الانتقالية.—

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17800

العدد 17800

الثلاثاء 20 نوفمبر 2018
العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018