نعم الصحة والأمن والعافية

من اجتمعت له هذه الخصال الثلاث في يومه فكأنما ملك الدنيا كلها

روى الإمام الترمذي في سننه من حديث عبيدالله بن محصن الخطمي: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا».
قوله: «أصبح» أي: أصبح في ذلك اليوم، وفيه إشارة إلى أن المؤمن عليه ألا يحمل هم المستقبل، فإن أمره بيد الله، وهو الذي يدبر الأمور، ويقدر الأقدار، وعليه أن يحسن الظن بربه، ويتفاءل بالخير.
قوله: «آمنًا في سربه»، قيل: المعنى: في أهله وعياله، وقيل: في مسكنه وطريقه، وقيل: في بيته، فهو آمن أن يقتله أحد، أو يسرق بيته، أو ينتهك عرضه.
والأمن من أعظم نعم الله على عباده بعد نعمة الإيمان والإسلام، ولا يشعر بهذه النعمة إلا من فقدها، كالذين يعيشون في البلاد التي يختل فيها النظام والأمن، أو الذين عاصروا الحروب الطاحنة التي تهلك الحرث والنسل، فهم ينامون على أزيز الطائرات وأصوات المدافع، ويضع الواحد منهم يده على قلبه ينتظر الموت في أي لحظة، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}، (الأنعام الآية 82).
وقد وعد الله المؤمنين بالأمن إن حقّقوا التوحيد وأخلصوا الإيمان، وعملوا الصالحات، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، (النور الآية 55).
قوله: «معافى في بدنه»، أي: صحيحًا سالمًا من العلل والأسقام، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول: «اللّهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام، ومن سيء الأسقام».
وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسأل ربه صباحًا ومساءً هذه العافية في دينه ودنياه ونفسه وأهله وماله، وأمر أصحابه بذلك، روى الإمام أبوداود من حديث عبد الله بن عمر- رضي الله عنه - قال: لم يكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللّهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللّهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي..» الحديث.
وأخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الكثير من الناس مفرط ومغبون في هذه النعمة، روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
قوله: «عنده قوت يومه»، أي: قدر ما يغديه ويعشيه، والطعام من نعم الله العظيمة، قال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}، (قريش الآية 3، 4).
وكان عليه الصلاة والسلام يتعوّذ بالله من الجوع، روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول: «اللّهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع».
ومما تقدّم يتبين أن من اجتمعت له هذه الخصال الثلاث في يومه، فكأنما ملك الدنيا كلها، وقد اجتمع لكثير من الناس أضعاف أضعاف ما ذكر في هذا الحديث، ومع ذلك فهم منكرون لها، محتقرون ما هم فيه، فهم كما قال تعالى:
{يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ}، (النحل الآية 83).
ودواء هذا الداء أن ينظر المرء إلى من حرم هذه النعم، أو بعضها، كما أرشد إلى ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله».

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18073

العدد18073

الإثنين 14 أكتوير 2019
العدد18072

العدد18072

الأحد 13 أكتوير 2019
العدد18071

العدد18071

السبت 12 أكتوير 2019
العدد18070

العدد18070

الجمعة 11 أكتوير 2019