مــن مشـكاة النبــوّة..لا يحقـر أحدكـم نفسـه

 قال رسول الله‏ ــ صلى الله عليه وسلم ــ «ألا لا يمنعنَّ أحدكم رهبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجلٍ ولا يباعد من رزق، أن يقول بحق، أو يذكر بعظيم».
وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ «لا يحقرنّ أحدكم نفسه»، قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه‏‏؛ ‏‏قال: «يرى أمرًا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة، ما منعك أن تقول ‏في ‏‏كذا وكذا‏‏؛ ‏‏فيقول : خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى».
هذان الحديثان موضوعهما واحد، وهو موضوع جليل وخطير وأي شيء أجل وأخطر من قول كلمة الحق، والشهادة به‏‏؟ وهما بمجموع معانيهما يحددان العلل والأسباب التي‏ ‏تجعل الناس يستنكفون عن قول كلمة الحق، ومعالجة هذه العلل بالدواء الذي ليس قبله ولا بعده دواء. إن الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ إذ يخاطب أمته بهذين الحديثين فإنما يرمي إلى تربية هذه الأمة، وإعدادها إعدادًا ربانياً لمهمتها المنشودة في الأرض وفي التاريخ، ويبنيها بناء عقيديًا متماسكًا.
والمشكلة بالنسبة للأمة الإسلامية ليست ‏‏في ‏‏معرفة الحق والكشف عنه ــ حيث إن الله قد اقتضت حكمته أن لا يخلي هذه الأمة من طائفة تعرف الحق، وتبينه للناس ــ ولكن المشكلة الخطيرة هي السكوت في وجه الباطل، وعدم الجهر بالحق الواضح خوفًا من ضرر، أو طمعاً في نفع شخصي.
إن هذين الأمرين: الخوف والطمع هما اللذان يحجبان كلمة الحق أن تصل إلى الآذان، ويقفان حاجزًا أمام تواص الناس بالحق والصبر عليه. ولم يزل الخوف هو العامل الأهم في القعود عن القيام بواجب الجهر بالحق، والرضا بالدون من الأهداف، والسهل من الأعمال، وهذا الخوف يكون من بطش ظالم، أو طغيان طاغوت، أو خوفًا من انقطاع رزق، وتضييق في عيش.
فالشيطان عندما يأتي ليصرف العالم عن القيام بهذه المهمة المقدسة يبث في فؤاده الرعب عن طريق تخويفه من عاقبة ذلك بإبرازه ما حدث لبعض من قام بهذه المهمة، وتضخيمه لما نزل بهم من صنوف التنكيل والعسف، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، بأن يخوفه الموت نتيجة لذلك، حيث يصور له أن ما يحدث للمجاهدين ‏‏في ‏‏سبيل الله إنما هو من فعل أعدائهم بهم، وأنهم هم المؤثرون بآجالهم إطالة أو تقصيرًا، وكذلك يستعرض له الذين يضيق عليهم بسبب عدم قدرتهم على ضبط أنفسهم، وما هم عليه من هم وغم، وما في حياتهم من خشونة لا لزوم لها. وكيف أن من يسمون أنفسهم بدعاة الحق مطاردون في كل أرض، مذادون عن كل حوض، يتنكر لهم القريب، ويجفوهم الصديق. ولكن الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ يريد من المسلم دائماً أن يكون على ذكر من بدهيات عقيدته، وعلى وعي لأحابيل الشيطان، فلا يغفل عن حقيقة أن الآجال مقدرة من الله تعالى، وأن لا أحد يستطيع أن يتقدم أو يتأخر عن أجله الذي حدد له، وأنه ليس بمقدور أحد أن يزيد أو ينقص من أجل أحد، وكذلك فإن الله إذا أراد نفع أو ضرر إنسان فليس هناك من يستطيع أن يغير تلك الإرادة. داءان خطيران وقع فيهما الدعاة إلى الله، فتقاعسوا عن الإرشاد والتبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما: التشبث بالحياة والحرص على حطامها.
 أما التشبث بالحياة، والبعد عن شبح التهديد، وإيثار السلامة فدفعهم إما إلى السكوت عما لا يسكت عليه؛ وإما إلى قلب الحقائق، والدخول‏ ‏في ‏‏التأويلات التي ‏‏تزين الباطل، وتخفي دمامته وقبحه، مع أن الله قد أخذ العهد على العلماء ببيان الحق، دون أن تأخذهم‏ ‏في ‏‏الله لومة لائم.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18027

العدد 18027

الإثنين 19 أوث 2019
العدد 18026

العدد 18026

الأحد 18 أوث 2019
العدد 18025

العدد 18025

السبت 17 أوث 2019
العدد 18024

العدد 18024

الجمعة 16 أوث 2019