الفترة بعد المجاهدة من فساد الابتداء

كثير منّا تأتي عليه فترات اجتهاد ومجاهدة، يلتزم فيها بالصّلاة والقيام والصّيام وفضائل الأعمال، وربما تشدّد مع نفسه، ونظر إلى غيره نظرة احتقار واستصغار للعمل الذي يقوم به، لكن في كثير من الأحيان ما يتوقّف هذا المتشدّد عن العمل التّعبّدي بينما الآخر لا يزال مستمرّا عليه، ذلك أنّ العمل القليل الذي يداوم عليه صاحبه أفضل من العمل الكثير الآني الذي مقدّمته فاسدة، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم «أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قل». ويقول أحد السلف: إنما تتولّد الدّعاوي من فساد الابتداء فمن صحّت بدايته صحت نهايته، ومن فسدت بدايته فسدت نهايته وربما هلك.
هذا وإن الملاحظ على كثير منّا عدم النّقصان للعمل للإسلام والحب له، فكلّنا يعمل ويحب الدين ويغير عليه، ولكن ينقصنا المداومة على العمل والاستمرار في الحب للدين، ولهذا الأمر أسباب موضوعية وأخرى ذاتية هي التي جعلتنا نتساهل في الاستمساك بمداومة العمل، ومطاردة الفتور والتّقصير في أداء الواجب، وإذا عرفنا هذه الأسباب قد يتّضح لنا الطّريق في أخذ أحكام الإسلام والعض عليها بالنّواجذ وطلب السّلامة والنّجاة من الوقوع في فخ الفتور وترك العمل، فما هي هذه الأسباب يا ترى؟ والجواب يمكننا التعرف عليه من خلال:
^ التّفريط في عمل اليوم واللّيلة: بمعنى أنّ على المسلم أن يعلم أن حياته كلها لله فلا مجال للعب واللهو: {إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أوّل المسلمين} (سورة الأنعام). وأنّ التّقصير أو التّضييع للوظائف التعبدية يؤدّي إلى الفتور والانقطاع عن العبادة، لذلك فإنّ الواجب يقتضي الحفاظ على أعمال اليوم والليلة من الذّكر والدّعاء وقراءة القرآن والصّدقة، والدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصّلاة، والمحافظة عليه وعدم تأخيرها عن وقتها أو النّوم عليها، والحذر الشّديد من إهمال النّوافل، أو ترك قيام الليل أو صلاة الوتر، أو تضييع الورد القرآني، أو التوبة الفورية أو التخلف عن المساجد والذهاب إليها والاستماع للمواعظ ودروس العلم.
فإذا فرّط الإنسان في هذه الأعمال المتعلّقة باليوم الذي يعيشه واللّيلة التي يلبسها، فإنه يعرّض نفسه إلى ارتكاب المعاصي والاستهانة بصغائرها ممّا يؤدّي إلى القضاء على مجاهدته للنّفس والتّساهل معها في أداء الواجب الشّرعي، وصدق رسول الله صلى عليه وسلم وهو يقول: «إنّ الصّغائر ليجتمعنّ على الرّجل حتى يقتلنه»، يقتلن فيه روح العمل وحب الاسلام والانقياد والطاعة لرّب العالمين، وهذا بدوره يؤدّي الى العقاب الشّديد في الدنيا والآخرة، وتعرّض الانسان إلى المصائب والمحن بعد ذلك قد يتساءل الانسان ظنّا منه أنه مظلوم من قبل الله تعالى وحاشاه سبحانه: {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}، {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}
لأنّ الحق أثبت أنّ ما يصاب الانسان من مصائب إنما يرجع ذلك إلى نفسه كما قال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة آل عمران).
ولقد جاء عن الحسن البصري مرسلا قوله: لما نزلت هذه قال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ «والذي نفسي بيده ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ولا نكبة حجر ولا عثرة قدم إلاّ بذنب وما يعفو الله عنه أكثر».
ولهذا كان السّلف الصّالح وانطلاقا من حرصهم على عمل اليوم والليلة واتّهامهم لأنفسهم بالتّقصير يرجعون كل فتور أو تراخ أو تكاسل إلى الذّنوب والمعاصي لأنّها هي المقيّدة، فهذا أحدهم يقول: حين أعصي الله أعرف ذلك في خلق دابتي وزوجتي».
وهذا الحسن البصري يسأله رجل قائلا: يا أبا سعيد إنّي أبيت معافى، وأحب أن أقيم اللّيل وأعدّ طهوري فما لي لا أقوم؟ فقال له: ذنوبك قيدتك.
ويقول آخر: كم من أكلة منعت قيام الليل، وكم من نظرة منعت  قراءة سورة، وإنّ العبد ليأكل أكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة، وكما أنّ الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر فكذلك الفحشاء تنهي عن الصّلاة وسائر الخيرات.
 فلاحظ معي أخي كيف يفعل تأخير الواجبات والتّفريط في القيام بها؟ وكيف تفعل مقدّمة الأشياء فعلها إذا كانت غير مبنية على الوعي والعلم وطبيعة يسر الشّريعة ووسطيتها؟ فبادر أخي إلى الالتزام بعمل اليوم واللّيلة في وقتها، ولا تؤخّرن عمل اليوم إلى الغد فإنّ للغد عمل آخر.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018