استراتيجية محكمة اعتمدتـها الثـورة الجزائريـة

حرب العصابات أسلوب قتالي بامتياز لدى جيش التحرير

تشير بعض المصادر إلى أنّ عدد جنود جيش التحرير الوطني ليلة أول نوفمبر ١٩٥٤، لم يتجاوز ١٢٠٠ جندي على أكثر تقدير مقابل ٥٦٥٠٠ عسكري فرنسي كانوا في الجزائر. وهذه الطليعة من المجاهدين المتأهّبة للقتال كانت تفتقر للسلاح والتدريب والتجربة القتالية مقابل وحدات فرنسية مسلّحة جيدا ومهيكلة وفق النظم العسكرية الحديثة، كما أنّها تمتلك تجربة قتالية لا بأس بها في كل من المغرب، تونس والهند الصينية.

لكن أقوى سلاح تمتلكه عناصر جيش التحرير الوطني حسب ما أفاد به الأستاذ عثماني مسعود هو القناعة التامة بعدالة القضية التي يدافعون عنها، وبالتالي فهم مصرّون على القتال مهما تكن التضحيات إلى أن يتحقق الهدف المنشود وهو الاستقلال الوطني.
وبالمقابل فإنّ أضعف سلاح للعدو الفرنسي هو أنّ معظم عساكره يشعرون بأنهم يقاتلون من أجل شرف الفيلق الذي ينتمون إليه لا من أجل الوطن، وكذا الحال بالنسبة للعملاء والمأجورين من دول مختلفة.
ويضيف الأستاذ أنّ قادة الثورة استطاعوا بذكائهم أن يوظّفوا الدين لصالح القضية الوطنية، وأن يعتبروا الدفاع عن الوطن جزءا من الإيمان، فامتزج مفهوم الوطنية بمفهوم العقيدة فهبّ الجميع لتحرير الوطن من المغتصبين، وهم يعرفون مسبقا بأنّ القوّتين غير متكافئتين، فتبنّى جيش التحرير الحرب الخاطفة وحاول تجنب المواجهة المباشرة للتقليل ما أمكن من الخسائر في الأرواح، بسبب استخدام العدو للأسلحة الفتاكة كالنابلم والغازات الخانقة السامة والقنابل.
بالإضافة إلى القصف الجوي المركز، فكانت الخطّة المعمول بها عادة كما قال عثماني هي الهجمات السريعة الخاطفة على الثكنات أو الوحدات عند التمشيط، ممّا يجعل بقية الوحدة في حالة شلل تام أو جزئي، أو بواسطة كمائن ترصد لها أماكن تتوفر على تحصينات طبيعية كالأحراش والصخور وغيرها، حيث تشترك في هذه الهجمات عناصر تتّصف بالشجاعة والخفة والتجربة القتالية، قصد إحداث أكبر قدر من الخسائر في صفوف العدو الفرنسي وإرباكه.
غير أنّ هذا الأسلوب لم يمنع جيش التحرير الوطني من خوض معارك ضد قوات الاحتلال منذ الشهور الأولى للثورة، فقد اصطدمت القوات الفرنسية منذ الأسبوع الأول بفصيلة من المجاهدين بخنقة أمعاش بناحية ''فم الطوب'''' قرب شلية الأوراس، وعندما لم تجد هذه الفصيلة بدا من المواجهة تحوّلت المناوشة إلى معركة ضارية أبلى فيها مقاتلو جيش التحرير بلاءا حسنا.
وقد يستدرج جنود جيش التحرير قوات الاحتلال إلى أماكن حصينة للمناوشة فيتحول القتال إلى صدام ثم إلى معركة، وقد تتضاعف حدة القتال بوصول تعزيزات لكلا القوتين أو عند محاولة فك الحصار من قبل وحدة من وحدات المجاهدين على المجموعة المحاصرة. ولهذا فإنّ أساليب القتال لا تخضع لنفس العوامل، وغالبا ما تكون نتيجة حتمية تفرضها عوامل مختلفة لا تخضع لتخطيط مسبق، لذا كان حظ جيش التحرير الوطني من الانتصارات ضئيلا.
وقد قلّل هذا التكتيك كثيرا من خسائر جيش التحرير الوطني أثناء الحملات الضخمة التي خطط لها الجنرال شال فيما بعد رغم التأثير السيء لها على الثورة، ويظل مجال تحرك وحدات جيش التحرير الوطني داخل الاطار الجغرافي حسب التنظيم المعمول به، حيث يخضع جميع العناصر إلى القيادة العسكرية أو السياسية الموحدة التي ينتسب إليها، وكل العمليات العسكرية التي تشنّها سرايا جيش التحرير تخضع وجوبا لترخيص مسبق من قبل قيادة الناحية قصد اتخاذ إجراءات احترازية ووقائية تحسّبا لردّ فعل القوات الاستعمارية خاصة في محيط الأماكن حيث تتواجد مراكز التموين والعلاج أو مراكز إيواء المصابين.

الثورة تتحدى مكتب الشؤون الأهلية

ولعل أخطر جهاز عرفته الثورة منذ بدايتها، حسب ما جاء في مؤلف عثماني مسعود هو جهاز مكتب الشؤون الأهلية الذي أنشأه الثنائي الجنرال بارلانج القادم من أغادير بالمغرب والحائز على مجموعة من أوسمة الشرف العسكرية، وغوصو بإيعاز من جاك سوستيل خلال شهر أفريل ١٩٥٥.
فقد استطاع هذا الجهاز أن يطوّع لإرادته جزائريين ويجرّدهم تماما من الحس الوطني ليتحولوا إلى مجرد أدوات مسخّرة لخدمة الأغراض الاستعمارية، فمارسوا التنكيل بالمنظمات المدنية والتعذيب والجوسسة، فكانوا في كثير من الأحيان أخطر من عساكر الاحتلال الفرنسي.
ويعدّ هذا المكتب واجهة ممتازة للحرب النفسية باعتباره مصلحة متقدمة، فضلا عن مهامه الإدارية والأمنية، وهذه المكاتب هي التي تشرف على تكوين خلايا مضادة للثورة، عرفت في البداية باسم المخازنية.
وفي هذا الصدد، فإنّ الإدارة الاستعمارية كانت تمتلك شبكة واسعة من المكاتب المختصة في الدعاية والتضليل وحبك المؤامرات والإغراء، وأساليب أخرى كثيرة تواجه بها الخصم للتقليل من شأنه أو تبديد جهوده باستدراجه إلى مواجهات هامشية تضعف من قوته وتنهكه.
وعندما لاحظت هذه المكاتب الاقبال على الانخراط في خلاياها تحت جملة من الاغراءات المادية والمعنوية، عملت على تشكيل وحدات مسلّحة يؤطّرها ضباط فرنسيون بمساعدة محاربين قدامى في الجيش الفرنسي، وتعمل شبه مستقلة عن وحدات الجيش الفرنسي لكنها تخضع لأوامره وتعمل بالتنسيق معه.
وقد عرفت هذه الوحدات من الجزائريين العاملين عن طواعية في الجيش الفرنسي باسم الڤومية أو الحركى.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18054

العدد 18054

الأحد 22 سبتمبر 2019
العدد 18053

العدد 18053

السبت 21 سبتمبر 2019
العدد 18052

العدد 18052

الجمعة 20 سبتمبر 2019
العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019