قصة

سلام على الجزائر

نورة قسوم

وضعتْ قطرات من ماء الزهرِ في فنجان القهوة؛ وتوَّجهت تحملهُ إلى الحديقةِ الصغيرةِ أين تشربُها يوميّا كعادة صباحيَة..جلست إلى طاولةٍ حجريةٍ مزخرفة بألوان جذّابة على كرسيَ خشبي قديم، تستقبل كل يوم اشراقة شمس جديدة في خلوة و تأمل لما يحيط بها ممّا خلق الله وصوّر من شجيرات وزهور نبتت في حديقتها؛ هدوءٌ بديع، ورونقٌ جذّاب وسلامٌ محسوس...وقهوة بماء الزهر شيء بسيط ومتعة بلا حدود...
شجيرات مرتّبة وزهور اختلفت ألوانها غرستها منذ سنوات، فشهدت معها أحداث عمرها والسنين الخوالي...فقط هذا المكان الذي يعرف ماضيها وأحداثه...كم سكبت فيه دموعا لا يعلم كمّها وكيفها سوى خالقها!!! شجيرات من رمّان وزيتون، وأخرى من تين، وورود مختلفة الألوان لعلّها تضفي على قلبها المتعب الضنين بعض البهجة والسرور.
لم تكن تعلم من قبل أنّها تتقن فن التشجير كما كانت تتقن قواعد «الرياضيات»، ولكن تعليمها لهذه المادة العلمية المجرّدة وحبها لمهنتها لم يواسياها كما واستها العناية بهذه الحديقة الصغيرة المتواضعة.
لم تلبث أن جاءتها ابنتها تحمل بيدها هاتفها المحمول:
- أمّي! أخي أحمد يريد أن يكلمك...
- أليس نائما في غرفته؟ ردّت على ابنتها في دهشة واضحة...ثمّ أخذت منها الهاتف لتجيب بلهفة:
ألو أحمد، أين أنت يا بنيّ؟
أمّي..صباح الخير يا غالية..لم أرغب في إزعاجك فجرا..لقد سافرت إلى الجزائر العاصمة، لأشهد المظاهرات مع أصدقائي؛ إنه يوم الجمعة! يوم «الحراك»؛ المظاهرة الأسبوعية من أجل التغيير..
-لكن...! بنيّ أحمد..لما لم تستأذن مني كعادتك؟ إنّه أمر خطير قد يحدث أمر طارئ و مفاجئ، أخاف عليك يا بنيّ! لا تفعل هذا أرجوك! عد إلى هنا سريعا...فلا أحد لي في هذه الدّنيا سواك..
أجابها بسرعة:
أمّي لا تخاف يا غالية..أعدك بالعودة مساءا بحول الله..لا تقلقي..إنها مظاهرة سلمية؛ لا نريد سوى النهوض بالجزائر...
ثمّ انقطعت المكالمة..!
كانت تسمع صراخا وصياحا و نداء من حوله: سِلْمية!! سِلْمية!!
أحسّت بوجع يمزِّق أحشائها خوفا على وحيدها حتّى تلوّت من فرط الألم، مددت ذراعها على الطاولة الحجرية أمامها؛ لتضع فوقه رأسها المثقل بالأحزان، وما لبثتْ سوى هنيهة من الزمن حتى فاضت دموعها...
همست: «لا يمكن أن تتكرر معي نفس الأزمة؛ بالأمس زوجي و اليوم ولدي الوحيد!..ربي احفظْ ابني الوحيد و أخته، فليس لي بعدك سواهما..»!  
وعادت بها الذكريات سريعا إلى الماضي؛ إلى سنوات التسعينيات العجاف من القرن الماضي؛ فجر ذاك اليوم الذي لا يمكن أن يُنسَى؛ حينما لبس زوجها «كمال» قشّابية لتقيه صقيع الساعات الأولى من الفجر، وخرج ليتفقدّ صنبور الماء خارج البيت...
سمعت آنذاك تدافع أقدام نحو زوجها؛ أطلّت من فتحة صغيرة بالنافذة؛ لم ترى غير ثلاث رجال ملثمين التفوا حوله؛ ليدفعوا به داخل سيّارة لم تتمكن حتى من قراءة رقمها التسلسلي! فالظلام لا يزال يخيِّم و الوقت كان شتاءا شديد البرودة..
ذُعِرتْ من المشهد، وركضت سريعا خارج المنزل، كانت السيّارة قد غادرت، وأحدث ارتطام عجلاتها مع أرضية الطريق صوتا مفزعا!
كان أحمد لم يتجاوز الثلاث سنوات وأخته «ريما» تصغره بسنتين. ومنذ ذلك اليوم وهي تتجرّع آلام الفراق والأحزان...
هزّت برأسها ونظرت إلى السماء كعادتها حينما لا تجد مفرا: «ربّي! احفظ ابني وأبناء الجزائر كلِّها واجعله بلدا آمنا!»
أحست بيد تلاطف وتربتُ على كتفها...إنّها ابنتها ورفيقة دربها:

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18216

العدد18216

الثلاثاء 31 مارس 2020
العدد18215

العدد18215

الإثنين 30 مارس 2020
العدد18214

العدد18214

الأحد 29 مارس 2020
العدد18213

العدد18213

السبت 28 مارس 2020