قصة

طبع إنسان

مراد لعمري

عاشت لأجلهم فقد تركها زوجها وحيدة ورحل عنها للأبد فتحملت من أجلهم كل شيء وعانت من البرد و الحر و الجوع و الألم وهي تعمل كل وقت كي تقوم بتربيتهم أحسن تربية، حياتها كانت قاسية جدا سعادتها كانت بوجود أبنائها حولها وهم يلعبون و يمرحون وهم بالنسبة لها العالم بأسره.
توقظهم في كل صباح للذهاب للمدرسة كانوا يبتسمون لها ويرددون أمي صباح... صباح الخير هل أعددت لنا الفطور  تبتسم لهم هيا انهضوا إنه الصباح هيا يا أولاد لقد مر الوقت عليكم إنه وقت المدرسة كانوا كجسد واحد يلبسون ملابسهم ويخرجون واحدا تلو الأخر وهم واقفون عند باب المنزل تخرج والدتهم بعض النقود و تعطي البعض منها لكل واحد كي يشتري ما يلزمه ثم يذهبون للمدرسة كانت تنظر لهم نظرة الحياة و املها لو يكبروا بسرعة ويحملون عنها مشقة هذه الحياة ثم بعد ذلك تخرج من المنزل كي تذهب إلى عملها كانت تعمل منظفة في منزل أحد الأثرياء. نعم إنه الثراء الفاحش الذي جعل الإنسان ينظر لنفسه و كأنه يملك كل شيء و عائلة تعيش الفقر المعدوم و هي راضية بهذا القدر، حياة صعبة لهذه المرأة المسكينة التي صارت لا تعرف مصير حياتها وهي بين أوراق هذه الحياة.
يوم بعد يوم من العمل و التعب و المرض و تقلب الحياة وها قد كبر الأبناء و اشتد عظمهم، درسوا و اجتهدوا حتى نجحوا و تخرجوا من الجامعة و أصبح كل واحد مستقل في مكانه بعد أن وجد عملا يليق به و أصبح له مكان الذي يرتاح فيه من تعب  ووجع السنين و ها قد تغير حال الأبناء و تزوجوا و عاشوا حياتهم على واقع جميل و أيام سعيدة بعد أن نسوا أيام التعاسة و الألم، لكن الأم عاشت بينهم وكأنها غريبة لم تعرف أن مصيرها سيكون هكذا و اصبح البناء ينظرون لها و كأنها عبء عليهم فأصبحوا لا يطيقون رؤيتها و وجودها بينهم فتغيرت تصرفاتهم نحوها لقد حزنت الأم المسكينة كثيرا و تذكرت أيام الماضي وزوجها المتوفي الذي تركها وحيدة تصارع هذا العالم و حتى الأبناء صاروا لا يرغبون وجودها وتنكروا  لها فتذكرت أيام طفولتهم عندما كانت توقظهم بصوت خافت كي يذهبوا إلى المدرسة كانت دوما خائفة و قلقة عليهم و ها قد كبروا و تغيرت حياتهم و لكن ماذا عنها من يعيد لها أجمل أيام شبابها و الدموع التي مسحتها لحظات وحدتها وهي  تتضرع لله ان يطيل حياتها وترى أبنائها في أحسن حال لقد تخلوا عن سندهم في هذه الحياة و غاب نور الحياة عندما يغيب فيها شروق وجه الام، لقد تخلوا عنها فذهبت تحمل أغراضها كي ترحل بعيدا إلى أخر مكان و تعيش فيه أخر فصول حياتها وهي تبحث عن المكان الذي يأويها وأي طريق هذا الذي ستسلكه ولكن لم تجد فيه أحد.
وطال الإنتظار علىى طريق الحياة وهي تسير و سارت من دون توقف حتى شاهدت بناية وبها لافتة  مكتوب عليها دار المسنين فدخلت إليها ولم تخرج منها و أكملت بقية حياتها وفي أخر الأيام كان هذا يومها الأخير الذي انطفأت فيه شمعتها  و للأبد و ذابت وسط شموع الحياة و احترقت من أجل الأبناء.
إنها طباع الإنسان الذي يختلف عن الأخر و البشر أنواع و الأصيل هو الطيب الذي يحن قلبه كل وقت و يسامح ويمحو كل الأخطاء.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18268

العدد18268

الثلاثاء 02 جوان 2020
العدد18267

العدد18267

الإثنين 01 جوان 2020
العدد18266

العدد18266

الأحد 31 ماي 2020
العدد18265

العدد18265

السبت 30 ماي 2020