المعركـة متواصلـة مـن أجـل إسترجاعــه

الأرشيف لمواجهة التزييف وطمس الحقائق

فضيلة بودريش

لا يوجد خلاف في كون الكتابة التاريخية تكتسي أهمية كبيرة في الحفاظ على ذاكرة الأمة الجزائرية، لذا يبقى الأرشيف المادة الخام التي يمكن الاستناد عليها في حماية جزء مهم من أحداث ثورة التحرير المجيدة، وحتى تبقى هذه الثروة التاريخية الحية للأجيال في منأى عن أي تزييف أو تحريف أو طمس للحقائق المصيرية الحساسة وحتى كل ما تعلق بالجزئيات، وحتى لا تنسى الأجيال ما حدث وتدرك بوعي الحرب التي خاضها الشعب الجزائري ضد الاستعمار وكيف كابد ويلات الظلم وبطش التقتيل وخرج شامخا مفتكا حريته وسيادته على أرضه.

بالفعل يعود مطلع شهر نوفمبر ليعيد الجزائريين إلى وقفة تأمل عميقة، في كل البطولات التي خاضها الشعب، في كل التضحيات التي قام بها الشهداء والمجاهدون والأجداد والآباء وحتى الأطفال الذين عاشوا تلك الحقبة، فلم يبخل أحد عن عطائه واحتراقه لمد شريان الصمود في وجه طغاة الحرية، يقفون من دون شك بتعطش كبير لمعرفة أكثر عن الذاكرة الثورية، عن تفاصيل ما حدث في كفاح شعب ضد مستوطن اغتصب أرضه ومحا هويته، تفاصيل همجية فرنسا الاستعمارية التي رضخت بقوة الحديد والنار إلى طاولة مفاوضات “إيفيان”، التي تحتاج أن يقف عليها الباحث والمؤرخ الجزائري بالكثير من البحث والتحري والتدقيق، من أجل كتابتها بالكثير من الموضوعية بناء على ما وقع طيلة جولات ماراطونية خاضها قادة ثورة التحرير المجيدة، من خلال الوفد المفاوض المعين من طرف الحكومة الجزائرية المؤقتة آنذاك.
لاشك أن إرثا مهما من أرشيف اتفاقيات إيفيان مازال بحوزة فرنسا، ولا يمكن للمستعمر أن يكتب تاريخ الشعوب التي استعمرها بالقوة واستغل أرضها وشعبها بجبروت الظلم، ولا يمكننا التقصير في هذه المادة الحية النابضة بالحقائق المنصفة، لأنه من المفروض أن تكون ملكا للشعب والدولة الجزائرية، وعلى خلفية أن استرجاعها يقع على عاتق المسؤولين والباحثين والمؤرخين والقائمين على الإبداع مسؤولية إخراجها من الأدراج، حتى يتلمسها الشعب الجزائري وتطلع عليها الأجيال المقبلة، سواء في شكل كتب تاريخية أو قصص بطولية، أو في أفلام ومسلسلات وروايات وأشرطة، المسؤولية كبيرة من طرف جيل اليوم لافتكاك هذا الجزء المهم من الأرشيف الثوري الجزائري، لأنه كلما ابتعدنا عن الجيل الصانع للثورة، والذي بات يرحل بشكل تلقائي ومستمر، كلما ضيعنا فرص التحقق من الأحداث وتصحيح الأفكار التي قد تكون مغلوطة حول شهدائنا الأبرار وأبطالنا الذين مازالوا شامخين وخالدين في النفوس والذاكرة الجماعية.
تأتي طمأنة الطيب زيتوني وزير المجاهدين بالحرص القائم ومنح الأولوية للكتابة التاريخية، ما يعني السير نحو استرداد كمية معتبرة من أرشيف الثورة التحريرية على وجه الخصوص بخطى ثابتة، السير نحو التوجه لتكريس المزيد من الحماية للذاكرة التي ليست في منأى عن خطر الطمس والتحريف، حيث تحدث عن ضرورة إعطاء دفع للتاريخ والذاكرة الجزائرية، معترفا في سياق متصل بأن عملية تدوين التاريخ الثوري يحتاج إلى مجهودات وصفها الوزير بالجبارة، وبالرغم من ذلك فإن الأرشيف يحظى بالأولوية ضمن أربعة ملفات مسندة على عاتق وزارة المجاهدين، وينتظر العناية بها ونذكر من بينها بطبيعة الحال ملف الأرشيف الذي يوجد جزء كبير منه بحوزة فرنسا، إلى جانب ملف المفقودين خلال ثورة التحرير المجيدة وملف تعويضات ضحايا تفجيرات الجنوب الذين مازالوا يعانون من آثار الإشعاعات النووية، بالإضافة إلى ملف استرجاع جماجم الشهداء الجزائريين.
يعود نوفمبر بعد 63عاما، وتعود الذكرى ونستذكر كل صغيرة وكبيرة في صدارتها رسالة الشهداء ووصايا المجاهدين، حتى تبقى الجزائر في مسار يحفظ لها مكانتها التاريخية وبحجم قدراتها وثرواتها، وإرادة شعبها الذي عرف كيف يواجه تحديات أمنية واقتصادية وثقافية وحتى الاجتماعية منها، لا ينبغي أن يمر علينا هذا الشهر التاريخي من دون أن ننصف الذاكرة والأبطال والجزائر.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17495

العدد 17495

الأحد 19 نوفمبر 2017
العدد 17494

العدد 17494

السبت 18 نوفمبر 2017
العدد 17493

العدد 17493

الجمعة 17 نوفمبر 2017
العدد 17492

العدد 17492

الأربعاء 15 نوفمبر 2017