100 عائلة معلقة بين جبل وغابة بحي الينابيع

منطقة ظل من الدرجة الثانية عمرها 30 سنة

أمينة جابالله

 الحي الذي لا يُقيم جنائز لموتاه بالعاصمة
 قد لا يصدق جزائري من وهران أو عنابة وجود منطقة ظل في قلب العاصمة، وقد لا يعير بالا لخبر استحالة إقامة جنازة لمتوفى في حي مهمش، مع أن ذلك حقيقة، تنقلها صور هذا الريبورتاج، عن عائلات «معلقة» بين جبل وغابة، بين مخاوف تتمنى أن تُصنّف «سابقة» وآمال قد يأتي بها المستقبل ماطرة بالخير.

تستنجد 100 عائلة، قابعة في بيوت قصديرية بحي الينابيع في بولوغين ولاية الجزائر، برئيس الجمهورية بعدما يئست من مناشدة السلطات المعنية وإخطارها بوضعية سكنات مزرية وهشة، بسبب عوامل طبيعية وأمطار تخاف سقوطها في أية لحظة..
هي «سكنات» لم تشفع فيها عمليات الترقيع والترميم المتكررة التي خضعت لها، وبمرور الزمن أصبحت تنعدم فيها أبسط شروط العيش الكريم: لا ماء، لا كهرباء ولا غاز، لعائلات لا ترى حلا لمعضلة السكن غير وقفة جماعية، يتخللها التقاط صور لا تحتاج ترجمانا، وتلخص معاناة عمرها 30 سنة..
وقفت «الشعب» على معاناة قلّ نظيرها في 2020، بعاصمة البلاد، ورصدت معاناة وتهميش 100 عائلة تقطن منطقة ظل، في منطقة جبلية غابية تسمى حي الينابيع بأعالي بولوغين، وبالضبط شمال السيدة الأفريقية.
هي بيوت قصديرية يصعب الوصول إليها، صعودا، والنزول منها أصعب، طالما أن المنحدرات الخطيرة رفيقة الصاعدين والنازلين في كل الأحوال، وخصوصا في فصل الشتاء، عندما يصبح الإنزلاق رديفا لكل محاولة صعود أو نزول من الحي المعلق بين جبل وغابة، ومطل على البحر، في صورة كان يفترض أن يكون الجمال عنوانها الرئيسي، لكن الظروف أنتجت صورة عكسية في المحتوى والاتجاه..
هي منحدرات ودروب ممنوعة على كبار السن، المجبرين على البقاء في السكنات الهشة، خاصة بعد حادثة تعرضت لها سيدة مسنة نهاية العام المنصرم، لم تتلق العلاج بعد سقوطها من المنحدر، بينما كانت ذاهبة لزيارة ابنتها، ولم تتمكن الحماية المدنية من تأدية مهمتها على أكمل وجه بسبب استحالة الوصول إلى مكان الواقعة الوعر..

شكاوى في سلّة التهميش

تتخوف العائلات والأطفال بهذا الحي من عدم الدراسة بانتظام، في غياب طريق آمن، ووجود حيوانات برية مثل الخنازير والكلاب الضالة تعترض طريقهم في وضح النهار، ما يجبرهم على الهروب والتعرض للانزلاق من فوق إلى تحت، في حركة، صعبة حتّى على الرياضيين الذين يجيدون القفز والنط مثل القردة، ويسقطون سليمين على أرجلهم..
تقول السيدة ريمة لـ»الشعب»، بعدما بلغ بها السيل الزبى، مثلما يقال: «نستنجد برئيس الجمهورية لينظر في وضعيتنا التي تزداد خطورة يوما بعد يوم، بعد مسلسل شكاوى أشْعَرْنا بها بلدية بولوغين التي لم نتلق منها إلا تجاهلا»، وأضافت: «مؤخرا تعرض سكني لحادثة سقوط شجرة ضخمة عليه، ما أدى إلى تضرر وتصدع سقفه فااضطر زوجي إلى تغطية سقف المسكن بأكياس بلاستيكية خشية تسرب المطر الذي عرفته المنطقة منذ أسبوعين».
وبصوت فيه حشرجة، وجرعة كبيرة من الأمل في آن واحد، أضافت المتحدثة: «وَصَلَتْ درجة تحمُلنا لهذه المعيشة ذروتها. عشت في هذه المنطقة طفولة صعبة، ومع ذلك واصلت مشواري الدراسي في ظروف مناخية سيئة. كان حلمي، مثل كل أقراني آنذاك ولغاية اليوم، أن ننعم بعيش كريم»..
وقالت السيدة وهي تمسح بعينيها الأفق، أنها أثناء فترة الحمل بابنتها البكر، عانت الأمرَّيْن: آلام الحمل من جهة وصعوبة التنقل بين هذه الأحجار المتراصة في منحدرات خطيرة من جهة أخرى.
 كانت تضطر للسير عليها يوميا ذهابا وإيابا للعمل.. وهي نفس المعاناة التي تتكبدها كل ربة بيت من سكنات حي الينابيع الهشة يوميا.

طفولة.. بين حجر وشجر

قد لا نبالغ إن قلنا إن هذا الحي يلخص منطقة ظل على أبواب عاصمة البلاد، ليس لأنه في مكان مرتفع، يصعب الوصول إليه، بلا طريق، بل لأنه حي لا ماء فيه ولا كهرباء، ولا سبيل إليه في الحالات الطارئة التي تستدعي تدخل حماية مدنية أو انتقال سيارة إسعاف لنجدة مريض في حالة خطر..
الوضع الكارثي، الذي وقفت عليه «الشعب ويكاند»، تؤكده صور التقطناها بصعوبة أيضا، وهي توثق حجم المأساة، في مهمة بدت مستحيلة، لما قررنا الصعود في أكثر من نصف ساعة سير على أحجار متراصة، لا تشكل سلالم غير مثبتة، ولا تعطيك الانطباع بطمأنينة ما، طالما انك محفوف بمخاطر انزلاق، لا تقاس أبدا بالخطر المحدق بمائة عائلة تعيش في منطقة ظل بالجزائر العاصمة منذ ثلاثين سنة.
الواقف بهذا المكان سيرى صور طفولة تدرك تماما أنها لا تعيش، مثل أقرانها وتحلم ببيت آمن يشعرها بالسلامة من أي كارثة طبيعية..
أحدهم قال وطقوس الخوف تنط بين كلماته: «أتمنى أن ينتهي مسلسل الرعب الذي يتكرر في فصل الشتاء، فكلما هطل المطر نضطر للمبيت في العراء خشية أن تقع علينا جدران البيت ونضطر بعدها للذهاب إلى الطبيب ليصف لنا دواء الزكام والربو وأمراض الحساسية التي تلازمنا منذ ولادتنا»..

فوبيا الانتحار.. والخوف من المستقبل
 
في هذا الحي، الذي يشبه «الفافيلا» من حيث الشكل، يصطف الفقر والحرمان والإبتعاد عن الحياة «المودرن» في لوحات تتكرر هنا وهناك.
الحالة الاجتماعية للعائلات تفتقر لأدنى وسائل السلامة، ناهيك عن أوضاع صحية ونفسية وقفت عليها «الشعب» بأكثر من خمسة أسر، أفرادها يعانون أمراضا مزمنة، وأخرى ودَّعت أحد أفرادها وسط هلع وحزن رهيب، بعد انتحار الشاب أسامة ذي 21 عاما، الذي استسلم لاضطرابات الكآبة واليأس، تاركا رسالة اعتذار ووداع لوالدته «نعيمة.س»، شارحا سبب انتحاره، وهو مصير لا يتمناه لأخيه شكيب ولا لأي مواطن من سكان حي الينابيع.
أسامة ليس الوحيد الذي اختار الانتحار «حلا» لطي صفحته في هذا الحي، بل سبقته إلى ذلك خمس حالات بالحي، لم تقتصر على فئة الشباب فحسب، بل حتى على من تجاوزوا الخمسين  من العمر.

لا جنائز لأموات الينابيع
 
هي قصص معاناة وصلت مسامع «الشعب» مليئة باليأس والحزن والشقاء، منها ما رواه المواطن «م.ح»، فقال: «ماتت زوجتي التي كانت تعمل في دائرة باب الواد إثر مرض السرطان بسبب صفائح التسقيف المعروفة بـ»الترنيت»، ولم تدرك المرحومة أنها بعد مرض الحساسية الذي نهش جسمها سيتفاقم إلى مرض أشد خطرا وأدى إلى وفاتها».
وبمرارة قال هذا الزوج المفجوع «لا زملاؤها ولا أهلها تمكنوا من توديعها إلى مأواها الأخير، فبشق الأنفس تمكن خمسة أفراد فقط من حضور جنازتها مندهشين وغير مصدقين لما كانت تعانيه المرحومة من تعب معيشة لا تليق أبدا بمواطنة أفنت عمرها في خدمة وطنها لآخر رمق».
وقال المتحدث إن كل من يموت بحي الينابيع لا تقام له جنازة بمعنى الكلمة، إذ يُنقل من المستشفى إلى المقبرة مباشرة تفاديا لصعوبة التنقل في منطقة ظل ولد فيها أطفال أصبحوا الآن شبابا..

مواليد العاصمة

يُجمع سكان الحي على أن العائلات المائة، التي سكنت اضطرارا هذه البيوت الفوضوية، هي من الجزائر العاصمة، من مواليد باب الواد وبولوغين ومن مناطق مجاورة سبق لها ونددت بعد العشرية السوداء بمعاناتها، وأوصلتها إلى رؤساء بلدية بولوغين المتعاقبين، ولكن لا حياة لمن تنادي.
وقال المواطن «ن.ل»: «أتيت إلى هذا المكان مع أسرتي، وأنا في السابعة من عمري، والآن أنا رب أسرة وما زلت في نفس الوضع ومازال سيناريو الوعود يتكرر من طرف كل من زار سكناتنا من جهات وصية، وآخرها كان في شهر سبتمبر من العام المنصرم وحتى القنوات التلفزيونية الوطنية التي صورت وضعنا أخفت تصريحاتنا واعتمدت في عرض ما رصدته في ريبورتاج حي الينابيع على مؤثرات صوتية، حيث لم نُلَمِّح في مطلبنا بالسكن بكلمات غير لائقة فالحمد لله أغلب شباب حينا جامعيون ويتصفون بأخلاق محترمة ومازلنا وسنظل في خدمة وطننا الذي سيكون لأبنائنا فيه مستقبلا بإذن الله أفضل منا».

أمراض نفسية وعقلية وعضوية وصراع من أجل البقاء

جولتنا بين السكنات الهشة كشفت حالات مرضية لأفراد محرومون من النوم طيلة خمسة عشر عاما .. منها حالة المدعو «م .و»، الذي يعاني اضطرابا عصبيا منعه وأسرته من تذوق طعم الاسترخاء أما عن النوم فحدث ولا حرج، وما عليهم إلا الاستسلام أمام هيستيريا صرخات آلام لم يعد جسده يطيقها أكثر، فيبلغ مدى صراخه اليومي العائلات المجاورة له في جغرافيا المكان، وأفق «الديسيبال»..
رصدت «الشعب» أكثر من خمس حالات وفاة، منها من لقي حتفه إثر سقوطه من حافة الجبل، منهم مجهولي هوية ترددوا على هذه المنطقة غير الآمنة ليفترشوا ترابها ويستظلوا بأشجارها..
ويتحدث المواطن «م.و» عن أسباب الموت غير العادي، في عرف سكان الحي غير العادي هو أيضا، منها الحالات المصنفة «وضعية غير صحية للبناءات الهشة»، والتي ذهب ضحيتها شاب في 19 عمره أصيب بداء في الرقبة تحول إلى ورم خبيث، ومنها من توفي بعد معاناة مع مرض السرطان الذي أصبح متفشيا في هذه المنطقة، التي يتقاسم أفرادها كأس مرارة وعود لم تر النور حتى اليوم، ناهيك عن الأمراض الصدرية والحساسية التي يعانيها أغلب أطفال حي الينابيع المحرومين من اللعب مثل أقرانهم في أيام العطل، وأجسادهم الصغيرة المنهكة، في رحلة الذهاب والإياب من وإلى المدرسة سيرا على الأقدام،  فوق حجارة تارة وعبر منحدرات سقط فيها أغلبهم تارة أخرى..

ثلاثية الماء والكهرباء والغاز

تصف السيدة «فاطمة.ع» رحلة معاناة مع قارورة غاز بـ «رحلة تحدي» قائلة : «لا تكون اللحظة التي نضطر فيها إلى جلب قارورة غاز سهلة، يواجه أزواجنا وشباب الحي أصعب اللحظات وأقساها مشقة لما يرفعون القارورات على أكتافهم ويصعدون بها إلى منازلنا مترامية الأطراف بين الجبل والغابة، في الطريق الخطير الشاهد الوحيد على ما نعانيه يوميا من صعوبة في مناحي الحياة».
وتتوقف السيدة «ح.س» أمام شبح انعدام الماء في حي الينابيع، تطلق تنهيدة خاصة وهي تروي معاناة أخرى مع الدلاء والقنينات، التي أيدي ناعمة وأخرى خشنة. تقول السيدة: «منطقة المنبع هي المصدر الوحيد للماء الذي نجلبه منها يومين، ويجف المصدر بقية الأسبوع»، وعلى «هذا النحو الشاق في توفير الماء لا يجدر بنا ان نقنع بدلو وقنينة نستعملها في الشرب وغسل الأواني»..
وعن الاستحمام، تقول هذه السيدة، والخوف من الآتي بعينيها، «الحل الوحيد هو اللجوء إلى الحمامات والمضخات، لكن عقب جائحة كورونا حذفنا هذه النقطة من برنامج يومياتنا»، على أمل تدخل السلطات المحلية، لترحيل السكان من هذا المكان الوعر، أو تدخل رئيس الجمهورية، في إطار برنامجه الخاص بمناطق الظل..
خدمة الكهرباء؟ هل يمكن تسمية الربط العشوائي بالكهرباء خدمة؟ تقول العائلات بهذا المكان أن عشرة مساكن تربط بعداد واحد، وفي نهاية الشهر يتقاسم الجميع دفع تكلفة الفاتورة بالتساوي.
 وفي هذا الصدد يقول «ج.ر»: «اضطررنا إلى طريقة التوصيل هذه، لأنه لا حل لنا.. وغالبا ما تبقى سكناتنا في العتمة خاصة عندما تزداد حدة الرياح، ناهيك عن العواصف التي بتنا نخشى سماع إسمها وما تخلفه آثارها فينا».

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18417

العدد18417

السبت 28 نوفمبر 2020
العدد 18416

العدد 18416

الجمعة 27 نوفمبر 2020
العدد18415

العدد18415

الأربعاء 25 نوفمبر 2020
العدد18414

العدد18414

الثلاثاء 24 نوفمبر 2020