حولت مدن باتنة إلى اسطبل مفتوح على الهواء

أسواق فوضوية لبيع الأضاحي وطاولات لوازم النحر والتبن تغزو الشوارع

باتنة: لموشي حمزة

حولت الأسواق الفوضوية لبيع الأضاحي وطاولات بيع لوازم النحر والتبن الشوارع والساحات العمومية بمدن باتنة إلى اسطبل مفتوح على الهواء، حيث شكلت ديكورا مميزا قبل يوم من العيد. هذا ما رصدته “الشعب” بعاصمة الأوراس.
تحولت أغلب أحياء وأزقة ولاية باتنة، خاصة تلك التي تشهد كثافة سكانية خلال الأيام الأخيرة التي تسبق العيد، إلى اسطبل كبير للمواشي ورزم التبن مفتوح على الهواء الطلق، بسبب عدم احترام الموالين والسماسرة نقاط بيع الأضاحي المرخصة. حيث تجرأ المعنيون، على الرغم من تواجد بعض فرق الرقابة، على استغلال أقبية العمارات والحدائق العمومية وبعض الفضاءات الترفيهية غير المجهزة وقاموا بتسييجها بطرق تقليدية باستعمال أسلاك وألواح وحتى حجارة وعرض أضاحي العيد بها، التي بدورها تشهد إقبالا منقطع النظير للمواطنين الذين وجدوا فيها فرصة لاقتناء الأضاحي بعيدا عن الأسواق النظامية، ظنّا منهم بانخفاض أسعارها مقارنة بتلك المرخصة.
بالمقابل حول عشرات الشباب والمراهقين، أغلبهم متمدرسون، الأرصفة وحواف الطرق إلى نقاط بيع التبن والشعير وكذا معدات الذبح والسلخ والنفخ من سكاكين ولوازم الشواء، من آلات حديدية مختلفة الأحجام وكذا الانتشار الكبير لأكياس بلاستيكية خاصة بـ “الجمر” المستعمل في الشواء.
وقد كشفت الزيارة الميدانية التي قامت بها “الشعب” لبعض أسواق الماشية ونقاط بيع أدوات الذبح، عن “احتلال” غير مسبوق للشوارع والساحات العمومية والتي تم تحويلها إلى مكان لتجمّع المواطنين والمراهقين، تجمعات تنتهي غالبا بشجارات تستعمل فيها حتى الأسلحة البيضاء والتي تتوفر بقوة وبدون ترخيص.

أسلحة ثقيلة ومعدات خطيرة تباع بدون ترخيص

لا تكاد تخلو الأحياء الكبيرة بمدن باتنة هذه الأيام من طاولات بيع معدات النحر والتي تشهد هذا العام، عكس السنوات الماضية، انتشارا كبيرا وتنوعا في حجمها وشكلها وحتى قوتها، والتي جاءت، بحسب ما وقفنا عليه ميدانيا، في شكل أسلحة بيضاء ثقيلة وخطيرة تهدد الأمن العمومي منها سواطير وسكاكين كبيرة وحادة، يخيل لمن لم يتعود على رؤيتها بتلك الأعداد الكبيرة، أن الولاية مقبلة على “حرب ضروس”، كما أشارت لذلك السيدة ع.ص” والتي كانت مارة بالقرب من إحدى طاولات الشواء وأجبرت بعد إلحاح من أحد أبنائها التوقف لمشاهدة ذلك “الرعب”.
لتسارع بعدها إلى مغادرة المكان وسط صراخ ابنها الذي أعجب بأحجام تلك السكاكين وألوانها. ليتدخل في تلك الأثناء كهل بدا واضحا عليه إلمامه بشؤون الأطفال، موجها الكلام لصاحب الطاولة فقال: “راك شفت كيفاش الطفل مسكين خلع كان يحسب لمواس هادو ألعاب بصح هوما راهم دونجي”.
لتتدخل سيدة أخرى وتشير إلى ضرورة تخصيص فضاءات منظمة بعيدة عن الشوارع الرئيسة وأعين الأطفال الصغار لممارسة هذا النشاط الموسمي لما له من أثار سلبية على نفسية الأطفال وكذا الشباب الذين يتشاجرون بشكل يومي على احتلال الأرصفة وما ينجر عن ذلك من استعمال غير عقلاني لهذه الأغراض الخطيرة في هذه المناسبة الدينية العظيمة التي من المفروض، بحسبها دائما، أن تكون فرصة للتقرب من الله وليس لخلق مشاكل وصراعات تنتهي بمآس في أحيان كثيرة.
بجوار تلك الطاولات مشاهد “مقززة” لانتشار واسع لباعة التبن المعروف محليا بـ “القرط”، والذي يتركه أصحابه كل مساء بعد مغادرتهم مرميا في الطريق يشوه الوجه الجمالي لتلك الساحات والأزقة في ظل غياب كلي للجهات المعنية بالرقابة.

تجارة موسمية تدر الأرباح وحل مؤقت للبطالة

انتقلنا بعدها للحديث مع أصحاب الطاولات الذين وجدناهم منتشرين كالفطريات في كل مكان، يزاحمون المارة ويتسببون في اختناق كبير لحركة المرور، دون الحديث عن الشجارات اليومية بينهم وبين أصحاب المنازل القريبة، حيث أشار أحدهم في هذا الصدد: “نحن اعتدنا ممارسة هذا النشاط الموسمي سنويا للهروب من شبح البطالة ولو مؤقتا” ويتم تمويننا بهذه السلع والسكاكين من تجار الجملة من مدينة العلمة بولاية سطيف، باعتبارها سوقا كبيرة للمواد الصينية الصنع والتي تتراوح أسعارها ما بين 450 إلى 1800 دج للسكين الواحد مقابل 900 إلى 2000 دج للساطور متوسط الحجم، في حين أصبح المواطنون يقبلون هذه الأعوام بقوة على عيدان النفخ المستعملة في نفخ الأضاحي وعجلات الدراجات والمقدر سعر الواحد منها بـ150 دج، في حين يقدر سعر آلات الشواء بـ500 دج.
ويفضل أغلب الشباب ممارسة هذا النشاط لما يدره من أرباح معتبرة يتجاوز 60 دج في القطعة الواحدة، حيث يبيعون يوميا، بحسب أحدهم، أكثر من 20 قطعة إلى 30 يوميا، مقابل بيع العشرات من رزم الكلأ والذي فاقت أسعاره 280 دج لحصيد القمح اللين و210دج لتبن القمح اللين وكلها منتوجات محلية تعرف رواجا هذا العام بسبب عدم إتلاف الأمطار لها.

أولياء يشجعون أبناءهم على ترك مقاعد الدراسة مؤقتا

أثناء جولتنا الاستطلاعية، لفت نظرنا وجود أطفال بالمآزر المدرسية ومنهم من يضع محافظهم بجانب طاولاتهم، تأكدنا بعد الحديث معهم أنهم متمدرسون فضلوا ممارسة هذه التجارة على الالتحاق بمقاعد الدراسة، خاصة في ظل عدم بداية تسجيل الغيابات بأغلب متوسطات وثانويات الولاية باتنة - كما أكدوا لنا - مؤجلين التحاقهم بها إلى ما بعد العيد، حيث يقضي أغلبهم يومياتهم بحثا بأصواتهم القوية عن الزبائن، حيث أشار بعضهم إلى تواجدهم بتلك الأماكن بعلم من أوليائهم، بل وبتشجيع منهم في بعض الحالات، بحجة أن البرنامج الدراسي الرسمي لم يبدأ بعد ولا مانع من تأخير الالتحاق بالمدرسة إذا كان السبب هو تحقيق عوائد مالية معتبرة.
ويختص المتمدرسون مثلا، في بيع أكياس التبن ولوازم الشواء، على اعتبار أنها في متناول الجميع ولا يحتاج اقتناؤها لأموال كثيرة ولا للسفر خارج الولاية، كما أنها لا تشكل خطرا على باعتها الذين أغلبهم متمدرسون كما هو حال البائع المتمدرس زاكي صاحب 17 سنة.

شجارات يومية وروائح كريهة

في الوقت الذي يجد بعض المواطنين هذه الطاولات فرصة لاقتناء لوازم نحر الأضاحي والتبن المقدم لها وبأسعار معقولة، يعاني بعض منهم من الفوضى التي يخلفها أصحاب الطاولات كل مساء، أمام منازلهم ومحلاتهم التجارية وحتى في الطرق والأزقة الشعبية، كما هو الحال بحي “H” و«84” وبوعقال وكشيدة والزمالة بمدينة باتنة والرحبة بعين التوتة و«النصر” ببريكة وغيرها... والتي يدخل أصحاب المنازل القريبة منها في شجارات يومية وملاسنات حادة مع أصحاب تلك الطاولات، بسبب الصراخ والإزعاج الذي يسبّبونه لهم في النهار وعرقلة حتى خروجهم ودخولهم إلى منازلهم دون الحديث عن ركن سياراتهم والروائح الكريهة والأوساخ ومخلفاتهم من علب الكارتون التي يتركونها ليلا أمام المنازل وفي الطرق، وبسببها تتطور في أغلب الأحيان إلى شجارات يتدخل مواطنون آخرون للفصل بينهم، حيث يتحجج الباعة بغياب أماكن لممارسة تجارتهم الموسمية والمواطنون بالإزعاج ومحاصرة رائحة التبن لهم، إضافة لبقايا الكلأ والتبن التي تدخلها الرياح إلى منازلهم كل مساء وتعبوا من إخراجها بشكل يومي، وبين هؤلاء وأولئك تبقى فرق الرقابة من مصالح الأمن ومديرية التجارة والبلديات الغائب الأكبر.

تعليمات في مهب الريح

رغم التعليمات الصارمة التي أعطاها والي باتنة محمد سلماني، لرؤساء الدوائر والأميار خلال اجتماع المجلس الولائي المخصص لمناقشة كل التحضيرات الخاصة بعيد الأضحى بتسخير 500 تاجر لضمان المداومة خلال يومي العيد وتطبيق برنامج أمني صارم وتوفير المواد الغذائية واسعة الاستهلاك والمياه الشروب وغيرها، دون الحديث عن “تطبيق القانون بصرامة” على المخالفين للنظام وبيع الأضاحي بالنقاط غير الشرعية والنظافة والمحيط، نجد أن أغلب أميار باتنة لم يلتزموا بهذه التعليمات، خاصة ببلديات مروانة، بريكة، الجزار، عين ياقوت، تيمقاد، تازولت وغيرها...
وقد اشتكى المواطنون من غياب شبه كلي لمصالح البلديات في مراقبة النقاط الشرعية لبيع الأضاحي، حيث استغل الموالون والسماسرة هذا الغياب وفتحوا أسواقا فوضوية، أعقبها انتشار مخيف لطاولات بيع لوازم نحر الأضاحي والتي شوه منظرها الوجه الجمالي للمحيط وعاد انتشار الأوساخ والقمامة في كل الطرق والساحات العمومية.
الجدير بالذكر في الأخير، أن عيد الأضحى ورغم كل المظاهر السلبية التي يقوم بها الباعة والسماسرة والتجار، يبقى فرصة تتوحد فيها قلوب الجزائريين والمسلمين ومناسبة عظيمة يستدرك فيها الإنسان ما فاته من طاعات من خلال نحر الأضحية والتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى والتذلل إليه لقبولها وغفران الذنوب.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18217

العدد18217

الأربعاء 01 أفريل 2020
العدد18216

العدد18216

الثلاثاء 31 مارس 2020
العدد18215

العدد18215

الإثنين 30 مارس 2020
العدد18214

العدد18214

الأحد 29 مارس 2020