“الشعـب” في ضيافة قرية 99 شهيدا بتيـزي وزو

”أقرسافن”تجربــة نموذجيــة فــي التسيــير المحلــي وممارســة حــق المواطنــة

استطلاع: حبيبة غريب

من الجميل أن يمارس الجزائري حقه في المواطنة ويأخذ على عاتقه قضية حماية البيئة والمحيط ويجسد مشاريع ملموسة تعطي نتائج رائعة وتصبح قدوة و تجربة ناجحة من الممكن تعميمها على القطر الجزائري، كونها تعتمد أساسا على الإرادة القوية والتطوع والعمل الجماعي والإيمان بأن الجزائري قادر على أن يغير، يتحدى و يكسب الرهان.   انها تجربة سكان  قرية اقرسافن بدائرة بوزغن بتيزي وزو الرائدة في عملية التسيير الذاتي، حماية البيئة و المحيط والقضاء على المفرغات العشوائية و رسكلة النفايات المنزلية. زارت “الشعب” القرية وعادت بهذه الحقائق عن أنظف منطقة بالجزائر على الإطلاق.

20كلم مشيا على الأقدام في غابة اعكوران

نزهة مفيدة للصحة و مريحة للبال بعيدا عن ضوضاء المدينة. فريق رائع من الجنسين ومن مختلف الأعمار، تجمع أفراده تحت لواء “جمعية الامان لحماية المستهلك الجزائر”. جمعهم حب الطبيعة و مهمة حماية البيئة و المحيط و الحفاظ على كنوز الجزائر للأجيال الصاعدة.
 الوجهة.. قرية اقرسافن التي ذاع صيتها مؤخرا من خلال تضامن سكانها و أبنائها للجعل منها قرية نموذجية في التسيير المحلي، المواطنة، النظافة وحماية المحيط وكذا تحفيز وتشجيع المواهب الشبابية وتوطيد العلاقة بين أبنائها في الداخل والخارج.
لكن قبل ذلك، انه وقت الاستمتاع طيلة الصبيحة بمناظر غابة اعكوران الخلابة وهوائها النقي، المشي بين أشجارها و دروبها الملتوية صعودا و نزولا بحسب طبيعة أرضها ووقفات هنا وهناك لالتقاط الأنفاس وأخذ بعض الصور التذكارية والاستماع إلى الشروح التي يقدمها الدليلان سفيان وامحند من قرية اعكوران.
في ضيافة زاوية “سيدي امحند أيت أومالك”
بعد استراحة وتناول الغذاء في غابة اعكوران، اتجهنا رفقة الوفد إلى مكان مميز بالمنطقة، جمع بين الحداثة والأصالة، و تآخي سكانه وحسن  ذكاء تسييرهم للمقام الروحي الذي تحتويه قريتهم، جاعلين منه مزارا للعامة والخاصة على مدار السنة.. قرية تفريت ناث اومالك بمنطقة القبائلفي تيزي وزو، وتحديدا في دائرة بوزغن، بلدية إدجر غربي أعالي أكفادو على أراضي عرش آت إدجر.
تضم القرية زاوية الصالح المرابط سيدي امحند أيت أومالك التي يعود تأسيسها إلى ما بين 1467 م و 1496 م، والتي استقر ودفن بها بعد وقفة له بقرية هندو بـآث غبري.
أعاد بنيان الزاوية الآغا يحيى بن مصطفى في 1824 م، ولم يزل البنيان القديم  الذي كان يتخذ منه الولي الصالح مكان للخلوة والتعبد والتدريس لإتباعه قائما لحد الساعة، يفتح لكل الزوار الوافدين إلى المقام للشرح، كما خصصت البيوت التي بنيت فوقه إلى تخزين المؤن التي يستعين بها القائمون على المكان لتحضير الصدقات المقدمة يوميا.إنه التقليد المتداول مند قرون بهذه الزاوية، حيث هناك المأكل و المشرب لطلبة المدرسة القرآنية و للفقير وعابر السبيل يوميا، بفضل هبات المواطنين وحسن تسيير العاملين.
المقام يحتوي اليوم على مسجد له طراز معماري مميز و جميل له مئذنة واحدة، مدرسة قرآنية يعمها الطلبة ودارسي القرآن و الفقه، إلى جانب بيت لإيواء الطلبة، ضريح الولي الصالح و مبنى إداري هو حاليا في طور الانجاز.
ما يميز المكان بحسب ما صرح لنا به أحد القائمين عليه لـ “الشعب”، هو إحياء الاحتفالات الدينية وخاصة عاشوراء، حيث تستقبل الزاوية ما يفوق عن 15000 زائر من داخل و خارج الجزائر.
تجربة على المحك
تواصلت الرحلة نحو أنظف وأنقى قرية في المنطقة، التي أصبحت تجربة رائدة  في الحفاظ على المحيط و القضاء على المفرغات العشوائية و إعادة رسكلة النفايات بكل أنواعها، تصدر إلى القرى المجاورة، هي قرية اقرسافن التابعة لبلدية ايدجر بدائرة بوزقن، المتمركزة بقلب غابة أكفادو على ارتفاع 1000 م و على بعد 60 كلم بأقصى شرق تيزي وزو، يحيط بها من الجهة الغربية و الشمالية الغربية جدول “اسيف نعبد لعلالي”، و من الجهة الشرقية و الجنوبية  جدول “اسيف آيت حنديس” .
هي كالعنقاء ولدت من رمادها من جديد بعد أن احرقها الاستعمار الفرنسي عن آخرها و شرد سكانها في 4 ديسمبر 1957، وهي القرية التي قاومت و دفعت ضريبة استرجاع السيادة الوطنية بدم 99 شهيدا وشهيدة من خيرة أبنائها.
إضافة إلى التحدي للاستعمار الفرنسي و تضحياتهم وعزمهم على استعادتها وإعادة بنائها والحفاظ على تاريخها، فقد خلق سكانها ثورة في أعراف المنطقة، بإنشائهم لجنة للقرية، تتألف من شباب و جامعيين، تسير أمور السكان البالغ عددهم  بـ 4500 ، بطرق عصرية تتماشى و الحداثة وما تتطلبه التكنولوجيات الحديثة، دون الاستغناء عن الأصالة والعراقة و التقاليد الاجتماعية و الثقافية  المتوارثة منذ القدم، بحسب ما صرح  به “ارزقي مسعودان” رئيس لجنة القرية” لنا.
 القرية التي تستقبل زوارها بمعلم على شكل  قوس صغير يحمل كتابة: “مرحبا بكم في قرية الـ 99 شهيدا اقرسافن” حصلت على الجائزة الأولى، المقدرة بـ 5 مليون دينار  في مسابقة “ رابح عيسات” أو  أنظف قرية خلال طبعة 2014 و التي ينظمها مند سنة 2012 المجلس الشعبي الولائي لتيزي وزو .
هذا لكونها قد تمكنت بفضل مجهودات كل سكانها في الداخل التمويل المالي الدائم لأبنائها في الخارج، إذ يساهم كل واحد منهم شهريا بمبلغ 5 أورو، يقول مسعودان” من “ القضاء النهائي على المفرغات العشوائية، رفع التحدي للحد من استعمال الأكياس البلاستيكية واستبدالها بالقفة المصنوعة من الحلفاء في انتظار إدماج أكياس ورقية قابلة للتحلل، تزين المحيط بصورة فنية رائعة تمزج بين الحديث والتقليدي، أين أطلق العنان لمخيلة  فناني القرية من رسامين و نحاتين و خطاطين و غيرهم، ولموهبتهم التي ترجمت لوحات فنية و منحوتات و مجسمات اعتمد في تصميم البعض منها على المواد المرسكلة من جمع النفايات”.
جمعية” ألما فير “ ونشاطاتها اليومية
 لا يقف العمل الدؤوب لأهل القرية عند هذا الحد ، بل يتعدى مسألة القضاء على المفرغات العشوائية وتنظيف المحيط إلى تسيير كافة شؤون المواطن اليومية، و مع إنشاء جمعية ألما فير التي تتولى الجانب العملي من قرارات لجنة القرية التي تنظم بصفة دورية بحسب الحاجة جمعيات عامة يشارك فيها أكثر من 1000 ساكن، على أن يدفع المتخلف عن الاجتماع غرامة 200 دج.
تقوم الجمعية بتنظيم حملات التشجير وتنظيف الغابة التي تقع بقلب القرية و كذا الجداول المحيطة بها من النفايات، كما تنشط الحياة الاجتماعية، ساهرة على السير الحسن لمتطلبات الحياة اليومية للسكان من ماء و كهرباء و غيرها، لحد أن القرية استغنت كلية عن خدمات الإدارة و الجماعات المحلية في العديد من الأمور .
 تنظم الجمعية بمعية لجنة القرية  على مدار السنة مجموعة من  الأنشطة الرياضية والثقافية لفائدة سكان القرية، من خلال التظاهرات و الحفلات الفنية و إحياء الأعياد الوطنية و الدينية والمحلية، كما سهرت الجمعية على خلق تكوينات و تربصات في مجال الخياطة وإعداد الحلويات والطبخ والحياكة لفائدة النساء إلى جانب الأنشطة الفكرية و الأدبية وبعض التخصّصات الخاصة بالشباب.
 عرفانا و تقديرا للشهداء الأبرار تم إنشاء متحفا خاصا بالـ99 شهيد و شهيدة، ونصبا تذكاريا خاصا بتاريخ 04 ديسمبر 1957، تاريخ حرق القرية و قال أبنائها أنه تم تشريد سكانها من قبل الاستعمار الفرنسي.
 الجمعية الوطنية للأمان لحماية “المستهلك”
 لم يكن من السهل ولوج قرية اقرسافن التي يضرب اليوم بها المثل في مجال التسيير الذاتي من قبل لجنة مكونة أساسا من الشباب، دون مساعدة الجمعية الوطنية للامان لحماية البيئة، التي يسعى أعضاؤها لخلق شبكة تواصل بين كل فئات المجتمع المدني عبر كافة القطر الجزائري، و مقاسمة التجارب الناجحة التي تخدم المستهلك و تحمي حقوقه، التعريف بها و محاولة تعميمها لتكون الفائدة عامة.
 يرى  حسان منور رئيس الجمعية، أن “ما قام به سكان اقرسافن بإمكانياتهم المالية و المعنوية  الخاصة و حسن معالجتهم لموضوع تسيير النفايات المنزلية و سهرهم على حماية المحيط و الحفاظ على الغابة والطبيعة، تجربة رائدة لابد من تشجيعها و تصديرها وتحسيس كافة المواطنين بضرورة الحفاظ على  توازن المحيط من أجل الأجيال الصاعدة”.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17800

العدد 17800

الثلاثاء 20 نوفمبر 2018
العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018