في حوار حصري مع «الشعب»:

الخبير مبتول يشخص خلفيات وأبعاد اجتماع 5+5 لضفتي المتوسط

أجرى الحوار: سعيد بن عياد

الجزائر ترأس لجنة  التحول الطاقوي الأكثر أهمية

«حسب دراسات لجامعة العلوم والتكنولوجيا للجزائر فإن إمكانات الطاقة الشمسية للجزائر تقدر بحوالي 2.6 مليون تيراواط ساعي في السنة»
منطقة البحر الأبيض المتوسط يمكنها أن تؤسس لشراكة بين بلدان الغرب في الضفتين الشمالية والجنوبية. إنها منطقة كانت منذ الأزل في صلب النزاعات والتعاون، لتدرك اليوم أن المستقبل المشترك يمكن أن يبنى من خلال الحوار والتضامن في ظل الاستقرار الإقليمي القائم على قيم التبادل والتنقل الحر للرأسمال والبشر. إنه الهدف الذي يرتقب أن يتبلور في اجتماع القمة  5+5 في جوان القادم بمشاركة المجتمع المدني، وتشارك فيه الجزائر التي ترأس لجنة التحول الطاقوي، بوفد يقوده الخبير عبد الرحمان مبتول. في هذا الإطار مثل الجزائر بالرباط في 29 أفريل في إطار التحضير للقمة بعد نتائج محتشمة لاتفاق مسار  برشلونة من أجل منطقة تبادل حر بين المغرب وأوروبا نأمل أن يسمح اجتماع مرسيليا بإنجاز مشاريع ملموسة ترتكز على تقاسم الربح.
الخبير مبتول يوضح أنه رغم كل الأحداث الراهنة «نأمل كما تتمناه قيادة الجيش الوطني الشعبي الوصول إلى حل سريع للأزمة السياسية بفضل الحوار المثمر وخلافا لنظروة سوداوية وبالنظر لمجتمع يتشكل في غالبيته من الشباب في ذروة حيويته ينبغي إعطاءه البعد الإيجابي، ذلك أن الجزائر حسب ملاحظين دوليين عامل استراتيجي لاستقرار منطقة المتوسط وإفريقيا». ويشرح في هذا الحوار دواعي الاجتماع القادم، ودور الجزائر في رسم معالم التعاون، ودور المجتمع المدني في بناء جسور الشراكة بين الضفتين.

الشعب: لماذا انعقاد اجتماع 5+5 في هذا الظرف؟
د عبد الرحمان مبتول: يبدو ملائما الاكتفاء ببعض البلدان للوصول إلى نتائج ملموسة لمجموعة 5+5، التي تضم البرتغال، اسبانيا، فرنسا، ايطاليا، مالطا من الضفة الشمالية للمتوسط بإشراك ألمانيا، وموريتانيا، المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا من الضفة الجنوبية، مع إقحام المجتمع المدني في القمة القادمة باعتبارها عنصرا هاما في القرن 21. القمة المقبلة مقررة بمرسيليا يوم 24 جوان 2019 وتضم قادة الدول والحكومات، بحضور رئيس البنك العالمي، رؤساء البنك الأوروبي للاستثمار، البنك الدولي لإعادة الاعتمار التنمية، مدير عام منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، والفاعلين غير الحكوميين للمجتمع المدني للمجموعة 5+5 بكل تنوعاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
 لقد تم إطلاق هذا الإطار من الجانب السياسي بمناسبة الاجتماع 15 لوزراء الخارجية للحوار 5+5 بتاريخ 18 جانفي 2019 بلافاليت. وتم إنشاء 5 مجموعات، واحدة منها يرأسها المغرب تتعلق بالشق الاقتصادي والابتكار، البرتغال ترأس مجموعة الثقافة، ايطاليا التنمية المستدامة، مالطا تتكفل بملف الشباب والتنقل والجزائر تقود مجموعة الشق الأكثر أهمية يتعلق بملف الانتقال الطاقوي. ويقوم رؤساء الأفواج الخمسة خلاصة تقدم إلى رؤساء الدول والحكومات للضفتين من المتوسط كما يواكب المسار بعقد عدة لقاءات تنسيقية في الفترة من جانفي إلى جوان القادم مع بلدان الجوار المتوسطي.
 ومن المقرر أن يلتقي رؤساء الأفواج الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بصفته منسق هذا اللقاء من اجل تحديد الإستراتيجية الختامية فيما يعقد اجتماع تنسيقي لعرض خلاصة المجموعات الخمس مما يسمح حينها بإطلاق نداء المجتمع المدني أمام رؤساء الدول يوم 24 جوان من اجل رفاهية متقاسمة.

الصدامات سببها طغيان التطرف التطرف ومعرفة الآخر تستوجب الذهاب نحوه

- ما هو الدور الذي تلعبه الجزائر انطلاقا من كونها عنصرا استراتيجيا في منطقة المتوسط وإفريقيا، مع حرصكم على أن تكونوا في مستوى الثقة الموضوعة في شخصكم من طرف السلطات العليا لقيادة الوفد الجزائري في هذا الموعد الهام؟
 إن الفلسفة الدبلوماسية والأمنية للجزائر كانت دوما تتمحور حول تفادي الانكسارات المعاصرة انطلاقا من حوار مثمر في إطار نزاع بين مختلف الدول. الجزائر طرف رئيسي معترف به لدى المجموعة الدولية كعامل استقرار للمنطقة للمتوسط أو إفريقيا، وتجدر الإشارة إلى الجهود الجبارة للجيش الوطني الشعبي وكل قواتنا الأمنية من أجل استقرار المنطقة، ويستوجب الأمر مستقبلا جمع المعلومات والنفقات في إطار تعاون دولي واسع من أجل تنمية مشتركة كون الأعباء لا يحتمل في الوقت الراهن.
لقد كانت الجزائر دوما ملتقى تقاطع المبادلات في المتوسط، من سانت اوغستين إلى الأمير عبد القادر، فالمساهمات الجزائرية في الروحانيات، التسامح والثقافة العالمية لا يمكم نالا ان تنبهنا للكسور المعاصرة. إن عهد الصدامات لم تحدث إلا لان التطرف تغلب في محيط يسوده الشك والتهميش. إن معرفة الآخر يستوجب الذهاب نحوه، فهمه، معرفته بشكل أفضل.
يجب تفادي كل تعصب تكون فيه بعض الحضارات أعلى من أخرى، ذلك أن هناك حضارات جيدة وأخرى سيئة في عالم نلاحظ فيه تشكل أكثر فأكثر حضارة عالمية تكون ثمرة مساهمات وجهود مختلف الحضارات البشرية منذ الزمن الغابر، ذلك انه كما يقول روجي غارودي «لا يوجد حوار حقيقي للحضارات، إلا إذا كان كل واحد على يقين ان الآخر إنسان، وهو ما مفقود ليكون الرجل كاملا».

الطاقات المتجددة خيار اقتصادي أكثر وفرة وأقل كلفة

وماذا عن الملف الاستراتيجي الذي أوكل للجزائر، والمتعلق بالتحول الطاقوي. علما أن اجتماعا تم مع كل رؤساء الأفواج لمجموعة 5+5 بمشاركة خبراء بمبادرة من وزارة الخارجية في مارس 2019 حيث تم تحديد المحاور الإستراتيجية للانتقال الطاقوي؟
^^ بالنسبة للجزائر علاوة على طاقاتها في الطاقة التقليدية (غاز وبترول) أحد أهم الممونين لأوروبا إلى جانب روسيا والنرويج، ثالث خزان عالمي من البترول والغاز الصخري، فيما خزان الطاقة الشمسية للجزائر يقدر بحوالي 2.6 مليون تيراواط ساعة في السنة، أي 107 مرات الاستهلاك العالمي من الكهرباء. في إطار تحضير قمة الخبراء للحوار ما بين بلدان غرب المتوسط (حوار 5+5)، الجزائر تتولى بقيادة تفكير حول التحول الطاقوي في المتوسط تستوجب نسج شراكات رابح رابح. هذا الملف الهام تم إسناده للجزائر بالنظر لقدراتها الطاقوية من جهة وموقعها الجيواستراتيجي في المتوسط باعتبارها بوباة القارة الإفريقية من جهة أخرى.
وفي الوقت الذي يتجه فيه العالم إلى تنمية الطاقات المتجددة ويأمل تأمين انتقال من الطاقات التقليدية إلى مصادر ممكن الوصول إليها أكثر وأقل كلفة فإن إمكانات الجزائر في هذا المجال أكثر من مهمة. حسب دراسات لجامعة العلوم والتكنولوجيا للجزائر فإن إمكانات الطاقة الشمسية للجزائر تقدر بحوالي 2.6 مليون تيراواط ساعي في السنة، طاقة الرياح تستفيد الجزائر أيضا من من طاقة هامة تقدر بحوالي 12000 تيراوط ساعي في السنة. نفس الدراسة تعتبر أنه بمعدل استهلاك 260 متر مكعب ميغاواط ساعي فإن إمكانات الجزائر من الطاقات المتجددة تعادل احتياطيا سنويا متجددا من الغاز الطبيعي بنسبة 700000 مليار متر مكعب.
مع هذه القدرات أظهرت الجزائر بوضوح تموين أوروبا وإفريقيا بالغاز وبذلك رسم أسواق لطاقتها المتجددة. مع ذلك يجب العلم أن معدل أسعار السوق للكهرباء يبلغ 120 أورو لـ 1 ميغاواط في أوروبا و140 دولار في إفريقيا، بينما في الجزائر لا يبلغ سوى 42 دولارا. في هذا السياق فإن طموح بلدان الضفة الشمالية للمتوسط يتمثل في تمكين 640 مليون نسمة في إفريقيا ليس لهم الحق في الطاقة الكهربائية من الاستفادة من الخزان الكبير الذي تتمتع به الجزائر والذي يمكن بدعم من البلدان المتطورة إطلاق ديناميكية حقيقية للطاقات المتجددة في المنطقة.

تشجيع حرية  تنقل الأشخاص مع شراكة حقيقية رابح رابح

- اي دور للمجتمعات المدنية من أجل السلام والتنمية، وهل يوجد علاقة جدلية بين الأمن والتنمية بينما نعيش نمطا كارثيا ومختلا بشكل خطير؟
 يتمثل الهدف الاستراتيجي في إصلاح النظام الاقتصادي العالمي الحالي وبالتالي التمثيل على مستوى المؤسسات الدولية، ذلك أن النظام الراهن يشجع القطبية شمال/ جنوب، البطالة تضر بمستقبل البشرية مع جيوب للفقر يزيد اتساعها حتى في البلدان المتطورة، وهي ظاهرة تتسارع بفعل حوكمات قابلة للنقاش من جانب بغض قادة بلدان الجنوب. للعلم عدد سكان العالم يرتفع حاليا الى 7.6 مليار نسمة ويصل الى 8.6 مليار في 2030، ثم 9.8 مليار في سنة 2050 و11.2 مليار في 2100، استنادا لما تضمنه تقرير للامم المتحدة. بينما من اجمالي 7 ملايير نسمة فان الثلثين ( 2/3 ) يتمركزون في منطقة الجنوب مع اقل من 30 بالمائة من الثروات العالمية: نوجد خصوصويات اجتماعية وطنية يجب اخذها في الحسبان كونها تمثل مصدر للثراء المتبادل وتسمح بالتواصل مع ثقافات بعيدة من خلال شبكات لا مركزية يجب على المجنمع المدني – مثقفون، دبلوماسيون، مقاولون، صحافة بفضل الانترنت- ان يلعب وظيفة استراتيجية، باعتبار ان العلاقات الدولية الجديدة القائمة على العلاقات الشخصية بين رؤساء الدول يقل تاثيرها. هذه الشبكات يجب ان تشجع الروابط التواصلية ومساحات الحرية طالما ان الافراط في التطوع يعيق كل روح للابداع. في هذا الاطار ينبغي اعطاء عناية خاصة للعمل التربوي لكون الانسان المفكر والمبدع يجب ان يكون في المستقبل المستفيد والفاعل الاساسي لمسار التنمية. لذلك أدعو إلى إنشاء اقطاب كبيرة في قارات كبرى (جامعات ومراكز البحث) بعيدا عن كل نزعة للهيمنة كوسيلة لاذابة متبادلة للثقافات وتجسيد الحوار المدعوم لتفادي الاحكام الجاهزة والنزاعات مصدر توترات لا طائل منها. تقدم منطقة المتوسط تجربة بالاف السنين في الانفتاح والاثراء المتبادل سواء على الصعيد الاقتصادي أو الثقافي. ولأجل مستقبل مشترك من الضروري أن يقوم أغلب قادة الضفتين للمتوسط بتنمية كل العمليات التي يمكن القيام بها لتجسيد التوازنات المامولة داخل هذه المجموعة وهذا قصد تشجيع 5 أهداف تضامنية: أولا: دولة القانون ةالديمقراطية السياسية مع الأخذ في الاعتبار الانتروبولوجيا الثقافية لأن أي مجتمع بدون ثقافة وتاريخه مثل جسد بلا روح، ثانيا: اقتصاد السوق التنافسي ببعد اجتماعي بعيدا عن أي احتكار سواء عمومي أو خاص، ثالثا: التشاور الاجتماعي والتبادلات الثقافية بالنقاشات المتناقضة، رابعا: القيام بتنفيذ اعمال مشتركة دون نسيان ابدا أن المؤسسات يقودها فقط منطق الربح وأنه في ممارسة الأعمال لا وجود للعواطف، خامسا: إدماج الهجرة، باعتبارها أسمنت الثقافات، ويمكنها أن تكون حجر الزاوية لتقوية هذا التعاون والحوار الضروري لكونها تكتنز طاقات ثقافية واقتصادية ومالية كبيرة.
الخلاصة أن حوار الثقافات التسامح بين الشرق والغرب وبطريقة خاصة بين مجمل بلدان المغرب واروبا الغربية دون أن ننسى إفريقيا القارة الرهان للقرن 21 يجب أن يشجع حرية التنقل للأشخاص مع المبادرة بشراكة حقيقية رابح رابح في إطار تنمية مشتركة شاملة من أجل رفاهية متقاسمة اخذا في الاعتبار التحدي الايكولوجي الجديد الذي يجب أن يحدث تحولات اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، أمنية وسياسية. 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17957

العدد 17957

السبت 25 ماي 2019
العدد 17956

العدد 17956

الجمعة 24 ماي 2019
العدد 17955

العدد 17955

الأربعاء 22 ماي 2019
العدد 17954

العدد 17954

الثلاثاء 21 ماي 2019